الجمعة, 31 آب/أغسطس 2018 15:04

الابتزاز الأمريكي وشطب حق العودة

لا يحتاج فهم المواقف الأمريكية الداعمة ل«إسرائيل» إلى كبير عناء لدى كل صاحب بصر وبصيرة، أو كل مطلع على تاريخ الصراع العربي -«الإسرائيلي»، ذلك أن هذا الدعم الأمريكي اللامحدود ل«إسرائيل» واضح، ومنذ زمن بعيد، وبات من بديهيات المواقف الأمريكية التي غالباً ما تكون أشد تطرفاً في عدائها للقضية الفلسطينية من الموقف «الإسرائيلي» ذاته.

ولعل أبلغ وأخطر هذه المواقف على الإطلاق، هو ما كشفته القناة «الإسرائيلية» الثانية مؤخراً، بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تتجه مع بداية سبتمبر/ أيلول، إلى «إعلان خطوات تهدف لإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين».

وفي تقريرها بهذا الشأن، أشارت القناة التلفزيونية المذكورة إلى أن الإدارة الأمريكية «ستعتبر أن اللاجئين الفلسطينيين يبلغ عددهم نصف مليون لاجئ فقط، وليس 5 ملايين، كما تقول منظمة الأمم المتحدة لتشغيل وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)»، في إشارة إلى الاعتراف فقط بالأشخاص الذين هجرهم الاحتلال «الإسرائيلي» الاستيطاني الإجلائي العنصري من قراهم ومدنهم عام 1948.

وبحسب القناة ذاتها، فإن الخطوة الأمريكية الجديدة في هذا الإطار تتمثل في الإعلان عن وقف تمويل كامل ل«الأونروا» في عدد من المناطق، وإيجاد صيغة قانونية جديدة تكفل عدم نقل صفة اللاجئ بالوراثة من الأجداد والآباء إلى الأبناء، مشيرة إلى أن هذه الخطوات قد يتم البدء بتنفيذها فعلياً الأسبوع المقبل، لافتة إلى أنّ بعض المسؤولين «الإسرائيليين» على إطلاع بها، وقد وصفوها بأنها «تاريخية». وأوضحت أن هذه الخطوات تستهدف بالمقام الأول «الأونروا»، ونقل مسؤولية اللاجئين الفلسطينيين إلى «السلطة الفلسطينية». 

وبينت القناة الثانية «الإسرائيلية» أيضاً أن «ترمب يسعى إلى تغيير المسمى الحالي للأونروا». ووقف تمويل المنظمة الأممية في الضفة الغربية المحتلة بشكل كامل. 

وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن هذا القرار الأمريكي المحتمل يأتي عملياً بعد الاعتراف بالقدس عاصمة «لإسرائيل»، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهو ما يمثل حسب قادة «إسرائيل» وأمريكا إزالة قضية القدس من طاولة «المفاوضات»، فإن ذلك يعني أن الإدارة الأمريكية تحاول الآن شطب حق العودة الذي ينص عليه القرار رقم 194 الصادر عن الأمم المتحدة، في عام 1948 والذي تقرر فيه «وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وكذلك عن كل فقدان، أو خسارة أو ضرر للممتلكات، بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعدالة، بحيث يعوّض عن ذلك الفقدان، أو الخسارة، أو الضرر من قبل الحكومات، أو السلطات المسؤولة». مع العلم بأن قبول «إسرائيل» بالقرار 194 كان شرطاً لقبولها في عضوية الأمم المتحدة.

وتعني هذه الخطوة الأمريكية، بكل وضوح، أن واشنطن تسعى إلى إفراغ أي مفاوضات محتملة بين «الإسرائيليين» والفلسطينيين، من محتواها، وتحويلها إلى مجرد استعراضات سياسية، وحوارات عبثية، تعيد إلى الأذهان مفاوضات أوسلو الميتة التي جرّت القضية الفلسطينية إلى متاهات خطرة. 

وإذا ما ربطنا بين ما كشفت عنه القناة الثانية «الإسرائيلية» وقرار الإدارة الأمريكية إلغاء جزء كبير من مساعداتها للفلسطينيين، واقتطاع أكثر من 200 مليون دولار كانت مخصصة لمساعدات اقتصادية للضفة الغربية وغزة إلى مشاريع في أماكن أخرى، نستطيع القول إن ما تقوم به الولايات المتحدة حيال القضية الفلسطينية العادلة، ليس سوى ابتزاز سياسي، الهدف منه الضغط على الشعب الفلسطيني، للقبول بما تمليه المصالح «الإسرائيلية».

وفي محاولة منها لذر الرماد في العيون تحاول الإدارة الأمريكية التلويح بما تسميه اضطرار «إسرائيل» إلى «دفع ثمن كبير» لقاء نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كما جاء على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي زعم أن عملية المفاوضات ستتضمن أيضاً تنازلات «إسرائيلية».

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو: ما هي هذه التنازلات التي ستقدمها الطغمة العسكرية الحاكمة في «إسرائيل» في المفاوضات بعد شطب قضيتي القدس وحق العودة منها؟

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية