الثلاثاء, 03 كانون2/يناير 2017 14:14

الحرية أولا

بدون الحرية لن يكون هناك تدين حقيقي، فالإكراه يصنع منافقين لا مؤمنين، وهذا هو معنى "لا إكراه في الدين" (البقرة 256)، فهو نفي للإيمان مع الإكراه، كما هو نهي عن الإكراه على الدين.

ولهذه الحقيقة الإسلامية، كانت فتوحات الإسلام إزالة للقهر الروماني والفارسي لشعوب الشرق ولضمائر هذه الشعوب، حتى إن الذين يدينون بالإسلام من شعوب الشرق بعد قرن من هذه الفتوحات لم تتعد نسبتهم 20% من السكان - كما يقرر كتاب "المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي" الصادر عن المعهد الوطني للدراسات الديمقراطية بباريس.

ويشهد على هذه الحقيقة - حقيقة اقتران الفتوحات بالحرية والتحرير - المؤرخ القبطي "يعقوب نخلة روفيلة" (1847- 1905م) في كتاب "تاريخ الأمة القبطية" فيقول: "إن الفتح الإسلامي قد حقق للأقباط نوعا من الحرية والاستقلال المدني، وراحة لم يروها من أزمان، وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية".

ولقد استمرت سيادة هذا التحرير عبر التاريخ الإسلامي - ولم يكن وقفا على صدر الإسلام - فبعد خمسة قرون من الفتوحات الإسلامية يشهد البطرك السرياني "ميخائيل الأكبر" (1126- 1199م) على ذلك فيقول: "لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا وأديرتنا بقسوة بالغة، واتهمونا دون شفقة، ولهذا جاء إلينا أبناء إسماعيل - (العرب المسلمون) - لينقذونا من أيدي الرومان، وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية وعشنا في سلام"، فالفتوحات الإسلامية كانت "إنقاذا" لشعوب الشرق وديانتها، فتحت أمام هذه الشعوب أبواب الحرية الدينية والاجتماعية جميعا.

ولقد صدق المستشرق الإنجليزي الحجة "سير توماس أرنولد" (1864- 1930م) على هذه الشهادات الشرقية، فقال - في كتاب "الدعوة إلى الإسلام" -: "إنه من الحق أن نقول إن غير المسلمين قد نعموا بوجه الإجمال في ظل الحكم الإسلامي، بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلا في أوربا قبل الأزمنة الحديثة".

ولم تكن الحرية الدينية فقط هي التي حملها الإسلام إلى شعوب الشرق، وإنما كانت هناك الحرية الاجتماعية والاقتصادية، فالمواطن كان يدفع للدولة الرومانية ثلاثين ضريبة- منها ضريبة على تنفس الهواء إذا ارتفع بالبنيان في الفضاء! - فاختزلت الدولة الإسلامية الضرائب الثلاثين في ضريبتين اثنتين: الخراج على الأرض الزراعية، يستوي في قيمتها المزارعون مسلمين كانوا أم غير مسلمين، وضريبة الرأس (الجزية) وهي دراهم معدودة يدفها الذين لا يرغبون في الانخراط بالجيش، من القادرين على حمل السلاح، والذين لديهم قدرة مالية على دفع هذه الدراهم المعدودات، فهي بدل عن الجندية،

وليست بديلا عن الدخول في الإسلام، بدليل إعفاء القساوسة والرهبان والنساء والأطفال وكبار السن من دفع هذه الدراهم المعدودات، أما الذين ينخرطون في الجندية - من غير المسلمين - فإنهم تسقط عنهم هذه الضريبة، بل ويأخذون رواتبهم من الدولة، مثلهم في ذلك مثل الجند المسلمين.

ومع كل ألوان هذه الحريات، حمل الإسلام إلى شعوب الشرق - كما يقول الفيلسوف الأمريكي "جون تايلور" (1753- 1824م) -: "ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة، ومنح العبيد رجاء والإنسانية إخاء، ووهب الناس إدراكا للحقائق الأساسية التي تقوم عليها الطبيعة البشرية".

هكذا كانت الحرية هي المقصد الأول في هذه الفتوحات التي وضعت عن المستضعفين الأغلال التي كانت عليهم.