الجمعة, 02 كانون1/ديسمبر 2016 11:25

الخلافة والمهدي

عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من المدينة هاربا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، فيبعث إليهم جيش من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة...) الحديث

أخرجه أحمد في المسند رقم 26689 وأبو داود في سننه كتاب المهدي رقم 4286 وابن حبان في صحيحه كتاب التاريخ رقم 6757 والطبراني في الأوسط رقم 1153 وغيرهم.

يلخص هذا الحديث حقيقة مستقبلية يمكن استقراؤها من جملة من الأحاديث في هذا الشأن، وهي ارتباط رجوع الخلافة الإسلامية الراشدة من جديد، بظهور الرجل الحاكم المصلح في آخر الزمان المعبر عنه في بعض النصوص بالمهدي. ونود أن نبين في هذا المقالة أن هذه الخلاصة كفيلة بأن تجنبنا أنواعا من المزالق في فهم هذه القضية، خلافا لطريقة تناولها من قبل تيارات فكرية وعلمية معاصرة، فضلا عن تنظيمات إسلامية متنوعة. ذلك التناول الذي أفرز جملة من الآفات، منها آفة الإنكار، وآفة الاستعجال، وآفة التوطئة.

ونحاول بسط هذه الحقيقة ومزالق فهمها في الفقرات الآتية:

1 - أصالة المصطلح وآفة الإنكار:

يحاول بعض المعاصرين أن يشكك في لزوم مصطلح الخلافة للتعبير عن شكل نظام الحكم في الإسلام، مدعيا أنه مصطلح يفتقر إلى السند الشرعي الصحيح، أي أنه لم يرد نص صحيح بأن يسمى الحكم في الإسلام بالخلافة أو يسمى الحاكم بالخليفة، إلا ما ورد من تسمية الصحابة أبا بكر رضي الله عنه خليفة، وهو استعمال لغوي يدل على مجرد الاستخلاف، فلا يدل على لزوم هذا المصطلح ليشتق منه وصف نظام الحكم بالخلافة، لأن ما ورد من النصوص المستعملة للفظ الخلافة نصوص ضعيفة.

وهذه الدعوى مردودة لأن النص الشرعي الصحيح موجود، ولفظ الخليفة فيه ذو دلالة اصطلاحية لا مجرد دلالة لغوية، وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم للدلالة على الحاكم، فكيف يقال إنه لا سند له.

ولنقتصر على جملة نصوص مما ورد في الصحيحين فقط، درءا لشبهة الضعف التي يلجأ إليها المتعجل. فمنها:

ما أخرجه البخاري (رقم 6611 و7189) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما استُخلف خليفةٌ إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله).

وما أخرجه مسلم (رقم 1821) عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة)، قال: ثم تكلم بكلام خفي علي، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كلهم من قريش).

وما أخرجه مسلم أيضا (رقم 1842) عن أبي حازم، قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول، فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم).

وما أخرجه أيضا (رقم 2913) عن أبي نضرة، قال: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشأم أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنية، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا، لا يعده عددا) قال قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز فقالا: لا).

وما أخرجه أيضا (رقم 2914) عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خلفائكم خليفة يحثو المال حثيا، لا يعده عددا).

قلت: والظاهر من استعمال لفظ الخليفة في هذه النصوص أنه يشمل خلفاء العدل وغيرهم، كما في قوله (وستكون خلفاء فتكثر)، فقد ثبت ذلك في التاريخ الإسلامي ولم يوصف أكثرهم بالعدل كما هو معلوم.

ولو كان المعترض يسلم بالاستشهاد بغير الصحيحين مما لا ينزل إلى مرتبة الرد الصريح أو الضعف الشديد، لقُلْنَا له بأن النص الذي صدرنا به هذه المقالة ينص على أن بعض المتولين للحكم في بلاد المسلمين قبيل مجيء الخلافة الموعودة، يسمى أيضا خليفة، لكن خلافته قاصرة جدا عن تلك المنشودة.

ولا نريد أن نتوسع في بيان أصالة هذا المصطلح عند المسلمين، وأنه المعبر عن ماهية الحكم عندهم، ولو طرأ ما طرأ عليه من الجور والضعف وغير ذلك، وأقل ما نورده هنا على عجل، هو التذكير بهبّة العلماء التي تزامنت مع سقوط الخلافة العثمانية، إلى الدعوة إلى مؤتمر الخلافة من أجل النظر في إمكانية إنقاذها، وكان المؤتمر سنة 1926 بالقاهرة، وعلى الرغم من فشل المؤتمر في تحقيق هدفه إلا أنه يبقى شاهدا على وعي العلماء بخطورة ما حل بالأمة وهو فقدانها لجامعة الخلافة.

ويمكن الرجوع إلى أحد الكتب الشاهدة على تلك الفترة ألفه أحد كبار العلماء وهو آخر شيوخ الإسلام في الخلافة العثمانية، الشيخ النظار العلامة مصطفى صبري رحمه الله(1954)، وقد بين في كتابه (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة) الخطة الخبيثة التي سلكها الكماليون في القضاء على الخلافة، وهي الفصل بين الخلافة والسلطة في المرحلة الأولى، ليبقى الخليفة صوريا، ثم الاستغناء عن منصبه في المرحلة الثانية، ثم عبّر في مرارة عن غفلة بعض العلماء والمثقفين إزاء هذه الفاجعة حينما دخلوا في مجادلات للبحث عن هوية الحكم في الإسلام، بقوله (ص 79): "يا أسفا على الخلافة، قطعوا دابرها وأبدلوا بها خلافا".

والملاحظ أن من يميل إلى التشكيك في أصالة لفظ الخلافة، يميل أيضا إلى التشكيك في أحاديث المهدي ويجعلها من قبيل الخرافات والإسرائيليات، لا بدليل من صميم الصنعة الحديثية، وإنما بمجرد التشكيك النظري. مع أن الجمع بين أحاديث الخلافة والمهدي هو الأسلم والأوفق لحسن تنزيل هذه النصوص في الواقع.

قال الإمام ابن العربي(543هـ) في المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك 7/321: "وأجمعتِ العلّماءُ أنّ خروج المهديّ حقٌّ لا شكّ فيه ولا ريب، وأنّ خروجه يكون قَبْلَ خروج الدَّجَّالِ وقبلَ نزول عيسى ابن مريم، فيفتش المهدي فلا يوجَد، فينزل عيسى ابن مريم".

ولهذا فالقول بظهور المهدي هو مذهب أهل السنة، وله علامات تدل على حقيقته لئلا يدّعيَ شخصيته أحدٌ غيره، من أبرزها اثنتان، الأولى نزول عيسى عليه السلام إثر خروجه، والثاني الخسف بالجيش الذي يريد القضاء عليه بمكة، كما سلف في الحديث الذي صدرنا به المقالة.

إن آفة الإنكار هذه، لا تستطيع أن تعالج سوء فهم أحاديث الخلافة التي يقع فيها الشباب المتحمسون، لأنها تزيد المنكرين بعدا منهم، فهم يرونهم مجرد منكرين للأحاديث، فلا ثقة فيهم ولا في تأويلهم. وكيف يثقون فيهم وهم يرون الحيرة تملأ أبحاثهم في تحديد هوية الحكم في الإسلام، فلم يستقروا على شيء في أمرها؛ فمنهم من يقول إنها الدولة الإسلامية المدنية، ومنهم من يقول إنها الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، ومنهم من يقول إنها الدولة الإسلامية الحداثية، ومنهم من يكاد أن يقول إنه لا حاجة للدولة أصلا، وهلم جرا.

كما أن آفة الإنكار لأصالةِ مصطلحِ الخلافة - فأحرى الأمل في رجوعها - تغذي صَلَفَ الغرب المتحكم وتنعش غروره وكبرياءه في دعواه أنه تسلم زمام نهاية التاريخ، فلا نظام للسياسة إلا ما يقترحه هو على العالم ثم يراقبه ويضع له الحدود، ولا فرصة للعالم الإسلامي أن يستعيد ريادته تحت لواء الخلافة الجامعة. وبذلك يقضون على بصيص الأمل في النفوس، الذي تبشر به النصوص المعصومة.

2 - آفة الاستعجال والادعاء:

إن من يفصل بين اقتران رجوع الخلافة بظهور المهدي، هو من يركب قطار العجلة لاسترجاع الخلافة ويسعى إليها بالقوة وجمع الأتباع، ولا تعوزه الوسيلة الخطابية لجمع الشباب المتحمس المحب لدينه الجاهل بأحكامه، وكيف لا يتبعه مثل هؤلاء الشباب المتعجل، وهم يرون فيه المحييَ لفريضة الجهاد والمعارِضَ للغرب المتحكم.

لقد قامت بعض الجماعات الإسلامية على إحياء فكرة الخلافة والعمل على إرجاعها، ومع اختلاف مسالكهم في ذلك إلا أنهم متفقون على أنه ليس من شرطها ارتباطُها بالمهدي، بل إن كل قطر في العالم الإسلامي هو حيز مناسب لهذا الإرجاع.

وهذا من الأسباب التي صبغت كثيرا من الحركات الإسلامية بصبغة الطموح السياسي، لأنها صارت تشتغل في المجتمع من أجل الوصول به إلى غاية إرجاع الخلافة.

ثم ظهرت جماعات قتالية تحمل السلاح من أجل تحقيق هذا الهدف (داعش أوضح نموذج لها)، فكان من مآلات تصرفاتها أن ارتبط إرجاع الخلافة بالإرهاب والدماء والحروب الأهلية.

ولا علاقة للخلافة التي يأملها المسلمون بهذه الصورة القاتمة التي رسمتها هذه الجماعات والتي نجح الغرب في توجيهها واستثمارها لزيادة كراهة الإسلام في العالم اليوم.

ولو أن الحركات الإسلامية تبنّت هذه العلاقة اللزومية بين الخلافة والمهدي، لكفت نفسها عناء السعي إلى الحكم وما تلاقيه من أجل ذلك من المعاناة أو ما تتسبب فيه من الفهوم الخاطئة حول هذا الأمل المنشود، ولانصبّ اهتمامها على تربية الناس وتعليمهم أحكام الإسلام وإصلاح ما فسد فيهم وتحذيرهم من الافتتان بعدوهم أو الانجرار إلى مخططاته.

3 - آفة التوطئة:

هذه آفة الشيعة اليوم، فبعد أن مَلُّوا من خروج الإمام المنتظر من سرداب سامرّاء، وطال انتظارهم إياه، وبعد أن حدث اختراق كبير لمذهب الشيعة الروافض بأفكار ليست منه كالثورة وحمل السلاح، قاموا اليوم من أجل إخراجه فعليا، لا انتظار خروجه، وذلك عن طريق تهيئة الظروف المناسبة والقوة اللازمة لهذا الإعلان المنتظر الذي سيخدع شيعة العالم والمسلمين عموما.

فَهَاهُمُ اليوم يتوسعون تحت نظر الغرب، الذي يبدو أنه أخذ كامل الضمانات بأن المشروع الشيعي ليس مشروع الخلافة الإسلامية الموعودة، ولهذا لا خوف على استراتيجيته في الهيمنة من هذا التوسع.

وعمّا قريب سيخرج الشيعة مهديهم المزعوم الذي سينتقم لدم الحسين! لا ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، كما أخبرت به مصادر أهل السنة في أوصاف المهدي.

ولو أن أهل السنة اليوم اشتغلوا على بيان حقيقة خلافة المهدي باستعمال المرجعية السنية في فهم هذا الموضوع، لفوتوا على الشيعة الاستفراد بهذه القضية وتحميلها ما لا تطيقه من الخرافات والدعاوى التي تحجب الرؤية الصحيحة لطبيعتها.

الخلاصة: الأمل والعمل

كيف نستطيع أن نجمع بين الحفاظ على الأمل في النفوس، بأن عهدا جديدا من الحياة في ظل الإسلام في شموله وكماله، سيشرق مع الخلافة الموعودة في آخر الزمان؛ وبين الكفِّ عن استعجال هذا الأمل من غير طريقه أو ادعائه من غير سبيله.

كيف نستطيع أن نحافظ على هيبة النصوص الشرعية في النفوس، فلا نجازف بإهمالها أو إلغائها إذا تعلق الأمر بإخبار غيبي؛ وفي الوقت ذاته نمسك بمنهجية سليمة في فهم تلك النصوص كما هي، لا كما نريد نحن بتصوراتنا الضيقة.

كيف نستطيع أن نعيش بأمل يحفزنا إلى العمل من أجل الإسلام، في ساحات رحبة واسعة من الصلاح والإصلاح والدعوة إلى الخير والإرشاد إلى الفضيلة والحلال وفضائل الأخلاق، دون أن نلهي أنفسنا بطلب حكم إسلامي قاصر عن الوفاء بحق هذا الإسلام الحق، حكم لن يأتي بسياسة أو ثورة أو سلاح.