Friday, 28 October 2016 13:39

السياسة ومحنة الحركة الإسلامية في الوطن العربي

كتبه

مقدمة:

هذه المقالة من جهة، تعيد طرح موضوع العلاقة بين الدعوة والسياسة، في مشروع الحركة الإسلامية في الوطن العربي؛ ومن جهة ثانية، تتمم المقالتين السابقتين: (قيود على طريق الدعوة) و(ومن أحسن قولا)، اللتين تعرضتا لبعض الشروط القمينة بإنجاح الجهد الدعوي للحركة الإسلامية. ويعتبر شرط الانفكاك المطلق عن الوظيفة السياسية، والتفرغ للوظيفة الدعوية، على رأس تلك الشروط.

لكن قبل عرض هذا الرأي، يلزم بيان المقصود بلفظتي: "السياسة" و"الحركة الإسلامية"، لما فيهما من العموم؛ إذ المراد مظهر خاص من السياسة، وطرف محدد من الحركة الإسلامية.

1ــ ما المقصود بالحركة الإسلامية؟

تتباين الحركة الإسلامية من حيث المذهبية والمجال الجغرافي للاشتغال ثم الاحتلال العسكري للوطن أو عدمه وكذلك من حيث التوجهات التصورية والفكرية (سلفية ـ إخوانية..) والاختيارات العملية (قانونية ـ سلمية ـ قتالية...).

إلا أن المقصود هنا، تلك التنظيمات التي تعمل للإسلام في الوطن العربي، وتهتم بقضايا المسلمين، وتنتمي عقديا إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يخضع بلدها للاحتلال الأجنبي.

فلفظة "التنظيمات" بيان يخرج عمل الأفراد المستقلين عن التنظيم، مثل جهود العلماء والدعاة.. في العمل للإسلام.

أما قول التعريف "بالوطن العربي" فتحديد جغرافي، يستثني التنظيمات الإسلامية السنية في البلاد الإسلامية ودول المهجر المختلفة. وهو حصر يعود أولا، لتوفر المعطيات حول هذه الحركات في العالم العربي، عكس نظيراتها خارجه. وثانيا، لما تعرفه اليوم، بعض الأقطار العربية من صراع دام على السلطة أدى إلى فتنة صماء، الحركة الإسلامية طرف فيها، خاصة بعد ما يسمى، زورا وبهتانا "الربيع العربي".

أما قوله: "وتهتم بقضايا المسلمين" فلإخراج الطرق الصوفية من التعريف، على اعتبار أن قضايا المسلمين وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ليست من اهتماماتها.

وتعيين المذهب العقدي تحديد يستثني كل التنظيمات الإسلامية البدعية من التعريف؛كالشيعة والخوارج الجدد، مثل (القاعدة) وما سبقها أو تناسل منها من جماعات مقاتلة.

وقول التعريف "ولا يخضع بلده للاحتلال الأجنبي" فلتحييد أي تنظيم سني، وطنه مستعمَر، مما جعله يتبنى العمل المسلح لتحرير وطنه، ثم يدخل مكرها، سباق الانتخابات والحكم لحماية مشروعه المقاوم؛ ومثال ذلك، حركة حماس بفلسطين.

2ــ ما المقصود بالسياسة؟

إن المراد ب "السياسة" أحدُ مظاهرها العملية، المتمثل في المشاركة في العملية الانتخابية والقبول بما تفرزه صناديق الاقتراع، وسيلة لتدبير أمر الحكم.

وتجدر الإشارة، أن هناك من الحركات الإسلامية من تقاطع الانتخابات(العدل والإحسان المغربية نموذجا)، لعدم توفر شروط معينة في تقديرها؛ ويتم في المقابل، الاكتفاء بالمعارضة السلمية للنظام السياسي الحاكم، مع إبداء الرغبة في المشاركة متى توفرت تلك الشروط.

وهذا الموقف مظهر آخر للعمل السياسي عند الحركة الإسلامية،علما أن هذه المقالة تختلف مع الرأي القائل بالمشاركة، والرأي القائل بالمقاطعة، وتقول بالفصل الكامل للدعوي عن السياسي، وهو ما ستعمل على بيانه فيما يأتي.

3ــ مظاهر المحنة

بغض النظر عن الأخطاء السياسية التي وقعت فيها الحركة الإسلامية، وهي تمارس العملية السياسة بالمعنى السالف ذكره؛ فلا شك أن هذا الانخراط جر عليها ـ كما يشهد تاريخهاـ محنا كثيرة ومتنوعة، امتدت في مراحل معينة، إلى المجتمع برمته، ومؤسساته الحيوية. وإن أبرز هذه المحن: الانقلاب على نتائج الانتخابات، وما صاحبه من أشكال التنكيل مثل: الاعتقال والتعذيب، والقتل،ثم النفي والتشريد ومصادرة الأملاك العامة والخاصة.. إلى الحصار والتضييق على الحركة الإسلامية والتشويه الممنهج لها ولمسؤوليها في وسائل الإعلام...إلى غيرها من الأهوال التي سلطت عليها.

لكن، حتى لو افترضنا أن جادة السياسة معبدة، وخوض الحركة الإسلامية لغمارها خال من الأخطاء القاتلة، والفتن والابتلاءات، يبقى القول إن مشروع الحركة الإسلامية أوسع وأعظم من تقزيمه في الاشتغال بالسياسة والتشوف إلى الحكم والسعي إليه.خاصة وأن التجربة أثبتت في البلد الذي نجح فيه الإسلاميون في الوصول إلى السلطة، أن الأمر لم يتعد ــ لأسباب موضوعية ــ حسن تدبير القضايا المعايشة للمواطنين، لتميز الإسلاميين بصفتي الحفظ والعلم اللتين تربوا عليها داخل حركتهم؛ أما التمكين للمشروع الإسلامي في شموليته، من باب السياسة، فذلك حلم دونه خرط القتاد..

4ــ وظيفة الحركة الإسلامية أوسع وأعظم من السياسة:

إن الناظر إلى حال الأمة اليوم، يصدمه واقع الوَهْن المتلبس بها، وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بـ: "حب الدنيا وكراهية الموت". وأبرز مظهر لهذا الداء العضال: الفجور الأخلاقي الذي ينهش المجتمعات العربية ويقتل مناعتها؛ وحسب المرء جولة سريعة في الشوارع والحدائق أو نظرة خاطفة إلى القنوات الإعلامية والمهرجانات "الفنية".. حتى يقف على فشو هذا الفجور وتغوله، وتفريخه لصور أخرى من قبيل الفجور السياسي والانتخابي، الذي من تجلياته اتساع دائرة المال السياسي الحرام، عند كل محطة انتخابية، وتقديم الكثير من السياسيين للمصلحة الحزبية بل الشخصية على مصلحة الوطن...

إن مَثَلَ ورم الوهن في المجتمع مَثَلُ الغدة السرطانية في الجسم، سرعان ما تفتك به دون رحمة أو وجل.

ولهذا ولغيره، ما على الحركة الإسلامية إلا التفرغ لمقاومة هذا الخبث قبل أن يزداد استفحالا، فيقع ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث المتفق عليه، أن زينب بنت جحش رضي الله عنها، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:" أنهلك وفينا الصالحون" قال: "نعم، إذا كثر الخبث".

ولن يحصل هذا التفرغ إلا إذا غدا مشروع التربية والدعوة هو الوظيفة الأساسية والوحيدة للحركة الإسلامية، التي يجب أن تنأى بنفسها، بالموازاة، عن باقي الوظائف الإصلاحية الأخرى، وعلى رأسها الوظيفة السياسية، أكانت في صورة إنشاء حزب وممارسة الوصاية عليه (تجربة الإخوان المسلمين في مصر نموذجا)، أو عبر تحويل الحركة إلى حزب (تجربة حركة النهضة التونسية نموذجا)، أوفي شكل شراكة مع حزب، على قاعدة: الوحدة في المشروع والاستقلالية في التنظيم (التوحيد والإصلاح مع العدالة والتنمية المغربيان نموذجا).. إلى غير ذلك من صور العلاقة السياسية للحركة الإسلامية.

فانغماس هذه الأخيرة في بحر السياسية أو الوقوف على شاطئه، لهما آثار وخيمة عليها وعلى البلد برمته؛ ومن ذلك، كما هو مشاهد:

أولا: انشغالها عن مشروع الهداية والرحمة الذي تحمله للناس، فهو طوق النجاة غدا يوم القيامة، وعمود كل مشروع إصلاحي يريد النجاح، أكان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا... فالتربية والدعوة تشتغل على تخريج الإنسان الصالح المصلح الذي يعتبر الصخرة الصلبة التي يقف عليها العمل النهضوي للأمة. ويكفي دليلا على هذا الانشغال، الفجور الأخلاقي الذي تمكن من المجتمعات العربية اليوم، في غفلة من الحركة الإسلامية..

ثانيا: إيجاد نوع من الغبش والتوجس من مشروع الحركة الإسلامية، عند عموم الناس والنخب السياسية والثقافية.. وكذلك عند الدولة أو على الأقل، عند طرف فيها. وكأن لسان حال هؤلاء المتوجسين يقول: هل أنتم رجال دعوة أم رجال سياسة؟ ولن أنس يوما، كنا ـ أي أبناء حركة التوحيد والإصلاح بتازة ـ نجمع توقيعات المواطنين للمطالبة بسحب رخصة بيع الخمور، من أحد المتاجر الكبيرة بالمدينة، إذا ببعض العامة يرفضون التوقيع، بدعوى أن العريضة فعل سياسي وحملة انتخابية للعدالة والتنمية، قبل الأوان...؟

ثالثا: وهو أثر ناتج عن الأثر الثاني، إذ يجعل الأبواب مُفَتَّحة لتعصف من خلالها الرياح الهوجاء، فتضرب الحركة الإسلامية ضربات موجعة إن لم تكن مميتة؛ وما التحريض على حركة التوحيد والإصلاح، بالاستيراد البليد للسيناريو المصري، إلا نموذج مصغر لهذا الأثر...

ولهذا، فقد أثبت الواقع ولا يزال، أن اشتغال الحركة الإسلامية بالسياسة، أصبح عبئا ثقيلا وخطيرا على كاهلها، يجب أن تطرحه عاجلا، إن هي أرادت صون نفسها ووطنها، ولمشروع التربية والدعوة أن يقلع من جديد.

5ــاعتراضات:

إنّ على الدعوة إلى الفصل المطلق بين الدعوي والسياسي في مشروع الحركة الإسلامية،عدةَ اعتراضات سيحاول هذا المحور الإجابة عن اثنين منها:

الاعتراض الأول:

إن قيل: هل السياسة رجس من عمل الشيطان، حتى يطلب من الإسلاميين التطهر منه، وعدم معاودة قربه؟ وهل يعقل هذا الرأي في الوقت الذي نجد الليبراليين واليساريين وغيرهم، يشتغلون بالسياسة؟

قلت: بل العمل السياسي وظيفة إصلاحية ـ دون تحرير القول فيها من حيث مجالها وحجمها وقوتها، فهذا ليس موضوع المقالة ـ على الإسلاميين الاشتغال بها، بكل نضج واحترافية (العدالة والتنمية المغربي نموذج لذلك)، إما من خلال الدخول في هيئات قائمة أو عبر تأسيس حزب أو أكثر.. فلا شك أن أبناء الحركة الإسلامية، الذين يتحلون بصفتي القوة والأمانة،لما دخلوا إلى ميدان السياسة أكسبها المزيد من المصداقية والفاعلية.

لكن الحركة الإسلامية عليها أن تبقى بعيدة عن ساحة الصراع هذه، بأن تعلن بكيفية صريحة لا تقبل التأويل، أنها تقف على مسافة واحدة من كل الأحزاب السياسية، مهما كانت مرجعيتها، ولا ترتبط مع أحد منها بأي علاقة أيا كان شكلها؛ وأن همها منحصر في التربية والدعوة ولا يخالطه هم السلطة والحكم.

وهذا كله، يقتضي منها مراجعة فكرية جريئة، لعدد من المسلمات التصورية لديها، أهمها: مسلمة إقامة الدولة ومسلمة ارتباط الدعوة بالسياسة.

الاعتراض الثاني:

أما إن قيل: إن سبيل العمل الإسلامي محفوف بالمحن والابتلاءات، وما تعرض الحركة الإسلامية لذلك، إلا أمر طبيعي،فمشروعها يستلزم ذلك؛ ألم يقل الله عز وجل"أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ" العنكبوت:2.. ثم إن الحركة الإسلامية مستهدفة حتى وإن ابتعدت عن السياسة وطلقتها طلاقا بائنا، خاصة وأنها تشتغل في ظل نظام سياسي متغلب وغير عادل.

قلت: إن تمحيص إيمان المسلمين بالخير والشر، أمر الله وقضاؤه بل سيرته سبحانه،في عباده قبل الإسلام، قال تعالى "وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ " العنكبوت:3. وقال تعالى:"وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" الأنبياء:35.

لكن هل خلط الدعوة بالسياسة في زماننا، هو الطريق الحق الذي يمتحن عليه، الله عز وجل، عباده المؤمنين؟ وهل هو الابتلاء المطلوب شرعا، الصبر عليه والثبات عند وقوعه؟ أم شتان ما بين الامتحان على جادة التربية والدعوة، والامتحان على جادة السياسة والحكم؟ ثم أليس ما حصل ويحصل للحركة الإسلامية من نكبات، هو ما جنته على نفسها، نتيجة تقديرها الخاطئ، المتعلق بالاشتغال بالسياسة وأمر الحكم؟

خاتمة:

لقد كان استرجاع الخلافة الإسلامية أو إقامة الدولة الهدف الرئيس الذي قامت من أجله الحركة الإسلامية في الوطن العربي؛ أما التربية والدعوة فكانتا وسيلة خادمة لهذا الهدف، بل حتى الحركات التي قامت بعد ذلك، بمراجعات عميقة لمشروعها، ظلت مسألة الدولة والحكم حاضرة ــ ولو على استحياء ــ في أوراقها التصورية ومن ثم في قوانينها التنظيمية وعلى منابرها الإعلامية..

فلو أنفقت الحركة الإسلامية سنوات عمرها الطويلة، في التربية والدعوة، بدل السعي وراء الحكم والصراع عليه، لكان خيرا لها ولأمتها.

ولهذا، أعتقد أن المشروع الدعوي والتربوي للحركة الإسلامية لن يستطيع التحليق عاليا وطويلا، ما دام لم ينفك عن القيد السياسي، انفكاكا تاما ودون رجعة فيه.