السبت, 10 كانون1/ديسمبر 2016 10:28

السيـاسة والـدعــوة

يسر الله سبحانه وتعالى، في إحدى المناسبات التواصلية لحركة التوحيد والإصلاح،أن أكون (حول مائدة الغذاء)،أحدَ جلساء أخوين قياديين من ذوي الفضل والعلم والخبرة في العمل الإسلامي. وهي فرصة على ندرتها وقصر مدتها،يجد فيها الجليس مالا يسمعه في العروض والمحاضرات أو يقرأه في الوثائق الرسمية والكتب المتخصصة،مما يتعلق بتاريخ الحركة الإسلامية المليء بالأحداث، أو بحاضرها المتشعب المجالات والمتعدد الجوانب والتحديات..

وهي إفادات في مثل هذه الجلسات، بمثابة الروايات الشفوية في علم التاريخ؛ تحتاج قبل أن تطويها دائرة النسيان، إلى تقييد وجمع وترتيب.. فهي "من أفواه الرجال".(اسم لمصنف للعلامة المختار السوسي في عشرة أجزاء، "وهو عبارة عن كشكول، فيه الشيء الكثير من أخبار والده سيدي الحاج علي الدرقاوي الإلغي ومريديه والرؤساء والفقهاء والصوفية والحوادث والعادات ما يجعله في طليعة الكشاكيل، وغالب الكتاب جمعه مؤلفه من أفواه كل من جالسهم إثر نفيه إلى قرية بلدته إلغ ولهذا سماه بهذا الاسم.. طبع منه قبل وفاته الثلاثة الأجزاء الأولى منه، وبقيت السبعة الأجزاء الأخرى مهيأة للطبع وتنتظر الفرج عنها". دليل مؤلفات ومخطوطات العلامة المختار السوسي. ص:16).

1ــــ عرقلة السياسي للدعوي:

وقد جرى الحديث عن واحدة من العقبات الواقعية التي تعترض الوظيفة الدعوية في مشروع الحركة، جراء الشراكة السياسية مع حزب العدالة والتنمية؛إذ، أن كثيرا من الأعمال الدعوية الصرفة، التي هي باسم الحركة، تعترض بعض الإدارات العمومية على تصريفها داخل المؤسسات التي تشرف عليها(المؤسسات التعليمية نموذجا)، بدعوى أنها أنشطة حزبية تخدم المشروع السياسي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي..

ومن الآراء التي قيلت لاقتحام هذه العقبة وغيرها، أنه قد آن الأوان ـــ إن لم يكن قد تأخر لفك الارتباط مع الحزب خاصة، ومع السياسة عامة، لكن أحد الأخوين القياديين، أجاب بهدوئه المعهود: وكيف يمكن فك الارتباط؟ ثم أردف قائلا: إن فك الارتباط يعني أن تقول لمن يشتغل في الحركة: اُخرج من الحزب، ولمن ينتسب إلى الحزب لا تدخل إلى الحركة أو قدم استقالتك منها، إن كنت عضوا فيها.

وهذا، كما فهمت من نبرة الجواب، أمر في غاية الصعوبة؛ ولهذا، فما علينا إلا أن نقبل بالأمر الواقع ونسلم له، ونبحث في المقابل عن قنوات أخرى، تمكننا من تفادي تلك العقبات، وتصريف مشروعنا الدعوي ..!؟

إن صعوبةَ تنزيلِ انفكاك الدعوة عن السياسية، أحدُ الاعتراضات على دعوى الفصل، إضافة إلى اعتراضات أخرى؛ حاولت الإجابة عن اثنين منها، في المقال السابق: "السياسة ومحنة الحركة الإسلامية في الوطن العربي".

وقبل محاورة هذا الاعتراض الذي طُرح (حول مائدة الغذاء)، من الواجب التنويه إلى مسألة تتعلق بعنوان هذه المقالة، في المحور التالي:

2 ـــ استطراد لابد منه:

قال علماؤنا: من بركة القول نسبته إلى صاحبه، لذلك فعنوان هذا الموضوع: (حول مائدة الغذاء)، مقتبس من اسم كتاب قيم في التاريخ، للعلامة المحقق المختار السوسي( المتوفى: 1383ه/1963م)؛ والكتاب تقييد شفوي أملاه عليه، أحد رجالات البلاط السلطاني، في أوائل القرن الرابع عشر الهجري: "الباشا إدريس منو من ذكرياته، عن الحكومة الحسنية والأدوار التي يعرفها إذ ذاك، فسجل عنه بعضها مباشرة في جلستين ولم يتمم التسجيل، إلى أن نفي إلى إلغ، فسار يسترجع ما عرفه من الباشا، فدون ما هو موجود الآن في الكتاب، نشرناه(الكلام لابن المؤلف) في جزء وسط سنة 1986. أخيرا، ترجمه مركز طارق بن زياد بالرباط إلى اللغة الفرنسية، ونشره باتفاق مع أبناء المؤلف". ص:15 من دليل مؤلفات ومخطوطات العلامة المختار السوسي. أعده ونشره ابنه عبد الوافي المختار السوسي. الطبعة الثانية: 2005.

3 ـــ عودة إلى محاورة الاعتراض:

         أـــ توضيح:

أستهل هذه المحاورة بالإشارة إلى أن القول بالفصل الكلي بين الوظيفة الدعوية والعمل السياسي، ليس دعوة إلى "التخلي أو مراجعة خيار المشاركة"، وليس نداء من أجل "استدعاء خطاب النكوص والتراجع عن الخيارات الإستراتيجية..."، و "العودة إلى الصيغة القديمة التي تقوم على الضبط والوصاية والمركزة التنظيمية". (الرسالية في العمل الإسلامي.. ذ. محمد الحمداوي. ص: 120/121).

بل هو رأي ينحصر، في الدعوة إلى تمام التمايز ونهائيته، بين الحركة وحزب العدالة والتنمية خاصة، والحركة والعمل السياسي عامة، وهذا في إطار "تقويم المسار لتثبيت المكتسبات ومعالجة الأعراض الجانبية.. وفي نفس الوقت، الاجتهاد في إبداع الحلول الضرورية". المرجع نفسه: ص: 122

         ب ـــ صعوبة لا استحالة:

إن عسر إيجاد تمايز تام بين الدعوة والسياسة أمر صحيح، فسنوات عديدة من الارتباط والشراكة بينهما، تجعل الأمر ليس بالهين، ولا الفعل باليسير..

لكن صعوبة التمايز الكامل لا تعني استحالته، بل إمكانية تحققه متى حصل الاقتناع به، بعد مناقشته وإنضاجه؛ علما، أن حركة التوحيد والإصلاح قطعت أشواطا عدة، على جادة التمايز مع الحزب على مستوى الوظائف والهياكل والمسؤولين والرموز؛ وهذا ما يسهل عملية الانفكاك الكاملة، ويساعد عليها.

ولتأمين انتقال سلس وتحول هادئ، يمكن اعتماد مبدأ التدرج والمرحلية، فعملية القطع مع الحزب والسياسة تدخل تحتها جملة من القضايا المهمة والمسائل الحساسة التي تحتاج أولا، إلى حصر، وثانيا، إلى ترتيب باعتبار يسر الانفكاك عنها وسهولة التخفف منها، أثناء رحلة العبور إلى ضفة التمايز المطلق.

ج ـــ من قضايا ومسائل الفصل:

سأذكر بعضها فيما يلي، لكن دون ترتيب أو تبويب، تاركا ذلك، لأهل الشأن، فهم أعلم وأدرى. فمنها:

-         فسخ عقد الشراكة مع حزب العدالة والتنمية، والوقوف على مسافة واحدة، من حيث الدعم والمساندة، من جميع الأحزاب كيف ما كانت مرجعيتها الفكرية وصفة سلوكها السياسي.

-         حذف كل ما له علاقة بالسياسة وإقامة الدولة من إعلام الحركة ووثائقها التصورية الرسمية (الميثاق نموذجا)،

-         حصر العضوية في الهيآت التنظيمية المركزية للحركة، في الأعضاء المنتسبين لها، دون المنتمين للحزب.

-         استثناء أعضاء العدالة والتنمية والأحزاب عموما، من الانتماء إلى الحركة، وهذا لا يعني حرمانهم من الاستفادة من الخدمات التربوية والدعوية التي تقدمها الحركة، فخدماتها مفتوحة في وجه كل المغاربة الذين يريدون التفقه في دينهم والعمل به.. إلى غيرها من القضايا والمسائل المرتبطة بعملية التمايز هاته.

د ـــ الغاية من كمال التمايز:

وصفت (الرؤية الدعوية) للحركة، العمل الدعوي بالمجال الأساسي والحيوي في ديننا، واعتبرت أن هناك حاجة كبيرة لتحريره من الرؤى والأفكار المضيّقة، ومن العادات والنفسيات المكبلة... (ص: 47).

لكنه كذلك، مجال يحتاج، كما يدل الاحتكاك اليومي، إلى عملية تحرير أخرى تخلصه من القيد السياسي، الذي يحبسه عن التحليق إلى آفاق رحبة، ويحجزه عن التوسع في حقول خصبة، ويغلق دونه أبوابا ومداخل شتى، كما يقيده في قفص الجمود والتقليد بدل أن يطلقه إلى فضاء التطور والتجديد في "الوسائل والمداخل والمسالك"، كما عبرت (الرؤية الدعوية). ص: 47.

ويعتبر كمال التمايز وتمامه، بين الحركة والحزب، الأداة الأساس للانفكاك من القيد السياسي والتحرر منه؛ إذ بلوغ هذه المرحلة من الاستقلال، هو ثمرة التمايز الكامل وغايته.

خاتمة:إعادة الجواب عن السؤالين:

تثبت الممارسة اليومية، خاصة في العقد الأخير، أن الوظيفة الدعوية لحركة التوحيد والإصلاح تعرف أنواعا من التضييق، وصورا من العقبات والتحديات، على رأسها توجس وريبة البعض منها، أكان من عموم الناس أو كان من السياسيين والمثقفين والإعلاميين.. أو من مسؤولين في هياكل الدولة.

وهو ارتياب وتخوف يعود إلى الطابع السياسي الذي يسم الحركة ويظهر جليا عليها، بسبب انحيازها إلى حزب العدالة والتنمية.. وانتماء عدد لا بأس به من قيادييها وأعضائها إلى هذا الحزب..

فعلى ضوء كل هذا، قد يكون من اللازم إعادة الجواب، وبكيفية أدق وأعمق، عن سؤالين مركزيين، هما: من نحن؟ وماذا نريد؟ وهما سؤالان يجب أن يبقيا مفتوحين دائما وأبدا، حتى يستمر الفعل الاجتهادي في العمل الإسلامي لدى عموم الحركة الإسلامية؛ ولا تدعي هيأة أو شخصية ـــ مهما كانت منزلتهما أو المسؤولية الملقاة على عاتقهما ـــ لنفسيهما بلوغ كمال الاجتهاد ونهايته.