طباعة
الثلاثاء, 23 كانون2/يناير 2018 11:04

القدس هي البوصلة

وصلني من الدكتور عزيز العصا، مقرر الثقافة والإعلام بالهيئة العامة العلمية الإسلامية العليا بالقدس وعموم فلسطين، مقاله الأخير الذي عنونه: ”من القدس إلى الرباط.. مع التحية”، المنشور في جريدة القدس المقدسية، يحكي فيه عن زيارته الأخيرة للمغرب، والحفاوة التي أحيط بها خلال مقامه بين أبناء الوطن ومسؤوليه، مؤكدا على عمق الوشائج التي تربط المغاربة بأبناء القدس ويافا وعكا: “وقد صادف أن أعلن ترامب عن قراره نقل سفارة بلده إلى القدس، وأنا بين أبناء المغرب وعلى الطهور، فقرأت في عيونهم شزرًا ثراها وغضبًا وحنقًا وضيقًا، لا يقل كثيرًا عن مشاعر الفلسطينيين أنفسهم؛ وفي ذلك مثال حيّ على وحدة المشاعر لدى أبناء الأمة”.
وفي لقاء جمعني به مؤخرا تداولنا فيه قضية القدس وسألته عن رأيه من زيارتها، مبرزا له رأيي الخاص، الذي استقيته من لقاءات متكررة مع بعض الأصدقاء الذين يعيشون تحت نير الاحتلال الصهيوني، والذي يختلف كثيرا مع رأي العديد من فضلاء الصف النضالي الذين يتبنون فتوى الشيخ القرضاوي بتحريم الزيارة واعتبارها تطبيعا معلنا، اعتقادا مني أن حصار الأقربين أكثر مضاضة من حصار الأعداء، فقال لي: الزيارة حسب النية.
عديدة هي الدعوات التي تصدر عن بعض التيارات الهامشية، ولا وجود لها إلا في صفحات منابر الإعلام والتواصل الاجتماعي، التي تحاول النيل من القضية الفلسطينية والعمق المقدسي للمغرب. وفي كل مرة يثبت المغاربة أن اختيارهم لفلسطين قضية وطنية، منذ الاستعمار الفرنسي، ووفاءهم لها نظاما وشعبا، ليس قضية مزاجية أو تكتيكية تتغير بتغير الأحداث وموازين القوى، بل هي جزء من الوجدان المغربي وثابت من ثوابته التي لم تتغير على مر العقود والعهود. ويمكن الاستدلال على عمق الارتباط بالتاريخ القريب/ البعيد. فقدأشار ابن خلدون إلى العلاقة التي جمعت بين يعقوب المنصور الموحدي وصلاح الدين الأيوبي، والتي وصلت حد تجهيز الجيش الذي قاوم الصليبيين. وفي عهد الاستعمار الفرنسي، لم تمنع المواجهة ضد هذا الأخير من تبني موقف صارم ومساند للشعب الفلسطيني، قبل ظهور الأحزاب والتكتلات السياسية، عبرت عنها رسالة الاحتجاج التي رفعت بعد أحداث 1929 إلى رئيس الوزراء البريطاني ماكدونالد وجاء فيها: “نبلغكم استياء عموم المغاربة المسلمين استياء عميقاً للحوادث المؤلمة التي وقعت في فلسطين والظلم الفادح الذي أصاب المسلمين بتلك الناحية من جراء المساعي الصهيونية …. وان المساعدة التي تقدمها السلطة الانجليزية تجعل أربعمائة مليون من المسلمين في سخط تام على السياسة الانجليزية….».
إن استدعاء التاريخ قد يفيد في حسن قراءة الوجدان المغربي ورسم معالم الانتماء الحقيقية. فالقدس ليست جدرانا أو بنايات، وليست فضاء يمكن استبداله أنى شاء الأقوياء، بل القدس في تمثل المغاربة هي اكبر من حجمها الترابي الجغرافي، هي عنصر من عناصر بناء الذات الوطنية، بل هي البوصلة المحددة لباقي العناصر. لذا فما عبر عنه الملك في موقفه الأخير، ومظاهرات المغاربة المكثفة كلما مست رمزيتها، تؤكد أن وجود المغرب مرتبط بوجود القدس. قد تختلف مع السياسيين في تدبيرهم للقضية لإكراهات الأنظمة، وقد تختلف مع رموز النضال الوطني ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني لأسباب تكتيكية، خاصة حين يتحول المنهج إلى آلية تفتيشية، لكن لا يمكنك أن تختلف مع أي كان حول إلزامية الاصطفاف في قلب المعركة ضد كل مس بالعمق الفلسطيني للمغرب. ومن هنا يبدأ الفرز الحقيقي وتؤسس القضايا الوطنية. فَوَاهِمٌ من يتصور تحقيق مصالح الذات المغربية باسم الواقعية السياسية خارج عمقنا المقدسي الأصيل، أو يتخيل أن العلاقات الدولية المؤسسة على التطبيع مع الكيان الصهيوني تغني عن ثابت قيمي عنوانه الأسمى فلسطين، فالقضية واحدة وعناوينها متعددة. لأن التطبيع لا ينظر إليه فقط على أنه مفارق للبعد الأخلاقي، أو أنه انسياق مع واقع يحافظ للمغرب على وجوده داخل العالم الحديث، بل هو تهديد للأمن الوطني. والدليل هو قائمة الذين زاروا الكيان الصهيوني وعادوا ليبشروننا بكيانات قزمية وبمشاريع انقلابية على ثوابت الوطن بعد أن تلقوا اللقاحات الضرورية. لذا نعتقد أن القدس بوصلة حقيقية للفرز الوطني وبناء قضايا الوطن.
 فالوحدة الترابية لا يمكن الاستناد فيها على أناس يبيعون الأوطان،
 والديمقراطية لا تتحقق بأناس يساندون قتلة الأطفال،
 والحداثة: كيف تدعي الحداثة وأنت تنافح عن أكثر الأنظمة تخلفا وتطرفا في العالم؟،
 والهوية الوطنية لا يمكن بناؤها مع أناس يتدثرون بالخصوصية القطرية لهدم المشترك المغربي…
وفي مقابل كل هذا أنظر إلى من يدافع عن المرتزقة من الصهاينة وقيمهم وحداثتهم، ويفتخر بالصور المأخوذة مع القتلة من جنودهم أو رموز عصاباتهم، وينتشي فرحا وهو يزور مبكاهم، عم يدافع وأي هوية يرافع عنها وأي غاية يرمي لها؟ فالقضية واحدة والقدس بوصلتها.
إن فهم الحدود الحقيقية للوطن هي التي جعلت الدبلوماسية المغربية تتحرك ولو متأخرة لأعماق المغرب المتعددة جنوب الصحراء وفي أعماق آسيا. وقد سبق لمحمد علي أن عرف حدود مصر بمنابع مياه النيل وسط إفريقيا. ومن تصور حدود المغرب الاستراتيجية مساوية لحدوده القانونية فقد فَقَد بوصلة القراءة الاستراتيجية التي تتيح الرؤية الاستشرافية لعناصر القوة الذاتية. فالدوائر المحددة لكل وعي استراتيجي تفترض الانتقال من النموذج المصغر للوعي المرتبط بالذات إلى مستوى النموذج الأكبر في المجتمعات والحضارات من خلال تحديد معاني الحقيقة داخل البيئة الوطنية. والحقيقة تتحدد في عمقنا السياسي والحضاري. فالانخراط في دينامية الوجود الإقليمي والقومي هو الذي يحدد مدى قوتنا الذاتية واستقلالية القرار لدينا. فمهما تغنينا بشعارات السيادة والاستقلال فعمقنا القومي هو المحدد لوجودنا. وبمعنى أوضح، إن وجودنا رهين بقضية فلسطين سلبا أو إيجابا، ويكفي أن نعرف بأن العدو الصهيوني انتبه منذ مدة طويلة للأمر عندما سخر العديد من الفعاليات المتدثرة بالأمازيغية وهي منهم براء لضرب عمق المنعة، كما سخر بعض العرب في المشرق والعروبة منهم براء. إذن فالوطنية لا تتوقف عند حدود القانون وإنما عند حدود الانتماء. وتظل القدس هي البوصلة.