طباعة
الأربعاء, 28 شباط/فبراير 2018 12:19

المشروع الفلسطيني.. أزمة الخيارات وآفاق الحل

لم يواجه المشروع الوطني الفلسطيني -طوال عقود الألم والمعاناة منذ النكبة الأولى عام 1948- أزمة بهذا العمق والتشابك والتعقيد كما يواجهها اليوم.

تبدو عُقَد وحلقات المأزق الوطني الفلسطيني الراهن شديدة الترابط والإحكام، فما إن يتهيأ للجميع أن عقدة ما حُلّت حتى تعقبها عقدة أو عُقَد أخرى، ومردّ ذلك أن الكيان الفلسطيني -المتشكل حاليا بنظامه وبناه ومؤسساته- تأسس على قواعد خاطئة، فجاءت إفرازاته خاطئة، وتبعا لذلك ارتبطت بها مواقف وسياسات خاطئة دارت في فلك شديد التعقيد، وما زال الفلسطينيون يدفعون ثمنها.

أزمة فتح وخياراتها
يشكل فشل المشروع السياسي للسلطة الفلسطينية أسَّ الأزمة الوطنية التي تعاني منها "حركة فتح"، فقد استنفدت جهودها ومعاركها السياسية دون أن تنتزع حلا مقبولا يلبي الحد الأدنى من الحقوق والتطلعات الوطنية الفلسطينية.

وبين عشية وضحاها وجدت "فتح" مشروعها غير ذي جدوى فلسطينيا، إثر إسقاط القدس من دائرة التفاوض بقرار دونالد ترمب الأخير، وباتت اليوم خاوية الوفاض من أي مشروع سياسي.

حاولت الحركة في البداية رفع سقفها السياسي بإعلان مقاطعة الإدارة الأميركية وإقصائها عن الرعاية الحصرية لعملية التسوية، والتهديد بتعليق الاعتراف بـ"إسرائيل" وإعادة النظر في اتفاق أوسلو وملحقاته ووقف "التنسيق الأمني".

لكن شدة التهديدات الأميركية، والخِذلان العربي الرسمي للموقف الفلسطيني الرسمي، وجبن الموقف الأوروبي عن احتلال موقع البديل للإدارة الأميركية؛ حملت "فتح" على البدء في التراجع المنظم.

وقد تجلت إرهاصات هذا التراجع في إدامة مظاهر "التنسيق الأمني"، وعقد لقاءات سياسية مع الاحتلال، واستئناف السلطة للاتصالات السياسية المحدودة مع الأميركيين، والدعوة لإشراك رعاة جدد لمسيرة التسوية جنبا إلى جنب مع الأميركيين.

ولعل في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) -الذي ألقاه مؤخرا أمام مجلس الأمن الدولي- ما يؤكد هذه المعادلة، التي سيحاول أبو مازن تسويقها دوليا في المرحلة القادمة.

ميدانياً، تبدو خيارات فتح شبه منعدمة؛ فقد طرح أبو مازن على قيادة "فتح" تفعيل مسار المقاومة السلمية ضد الاحتلال، لكن مستوى تفاعل الحركة واستجابتها للحراك السلمي بقي ضعيفا وقاصرا على المناسبات وأيام الجُمَع، كما تنكرت قيادتها لقرارات المجلس المركزي التي طالبت بوقف "التنسيق الأمني" مع "إسرائيل".

وفي المحصلة؛ فإن الهوامش تضيق تدريجيا أمام "فتح" وأبو مازن، وقدرته على مناطحة قرون الثور الأميركي تعتمد على الهجمات السياسية والدبلوماسية المرتدة، فهو يحافظ على مواقف سياسية ساخنة حينا وأقل سخونة حينا آخر، مع حرصه التام على عدم تغيير الواقع والمعطيات الميدانية في الضفة الغربية.

ومع هذه المقاربة؛ يحاول أبو مازن تحدي الموقف الأميركي والإسرائيلي بشكل هادئ ومتوازن، وإدارة الأزمة على أساس إطالة أمدها على أمل تبدّل بعض معطياتها.

وهو يعتقد أن الصبر والنفس الطويل كفيلان بتهذيب الغلو والشطحات الأميركية، وإعادة بناء وتحشيد موقف المجتمع الدولي تدريجيا لجهة الدخول الفاعل على خط الأزمة، وحرمان الإدارة الأميركية من تفردها القديم بصناعة القرار الخاص بالمفاوضات وعملية التسوية.

وفي هذه المقاربة جوانب قوة وضعف في آنٍ؛ فهي غير مكتملة الأركان ولا تستوفي كامل شروط نجاحها، لأن نجاح أبو مازن في المعركة السياسية والدبلوماسية -في ظل زحف البلدوزر الأميركي والتواطؤ العربي الرسمي- يستلزم تحصين الجبهة الفلسطينية الداخلية، وتعزيز المناعة الوطنية عبر إنفاذ الوحدة والمصالحة.

وما لم يحلق أبو مازن بفضاء الوحدة ويستجلب "حركة حماس" وكافة الفصائل الفلسطينية والشرائح والمنظمات الشعبية إلى صفها، فإن مآلات سعيه في هذا المسير الوعر محكومة بالفشل.

لذا فإن ما يجري هو إعادة تدوير أو تموضع للمشروع السياسي للسلطة و"فتح" لا غير، وأقصى ما يتمناه أبو مازن لا يتعدى تغيير الإطار الناظم للتسوية وبعض عملياتها الإجرائية، وهو يعتقد أن إشراك الأمم المتحدة أو أوروبا في رعاية المفاوضات كفيل بتحسين واقع المفاوضات ومخرجاتها.

لكن ذلك لا يبدو كافيا وسط تقلبات المرحلة، والمخطط الخطير الذي ينتظر القضية الفلسطينية خاصة والمنطقة العربية عامة، ويمتزج بنوع من الغرور والثقة المفرطة في الذات بما لا يستقيم في التعاطي مع المفاصل الخَطِرة والقضايا الكبرى.

إن استدعاء ثقافة الانتظار أو شراء الوقت طمعا في تحسين الواقع والشروط الناظمة له، لا يمكن أن يُفيد أو يؤتي أكله إلا في إطار تدابير وقائية حامية للقضية الفلسطينية من نزعات الانتقام الأميركي والإسرائيلي، ودون ذلك فإن التغوّل الأميركي والإسرائيلي سيزداد، وسيكون أبو مازن و"فتح" في صلب العقاب وقلب الاستهداف.

ومن هنا؛ فإن نجاح "فتح" والسلطة في إدارة المعركة السياسية والدبلوماسية ضد إسرائيل والإدارة الأميركية تبدو ضئيلة، وكل يوم تتعزز الخشية الفلسطينية الشعبية والفصائلية من الضعف المطرد لـ"فتح" والسلطة، بما يتضمن إمكانية التساوق مستقبلا مع "صفقة القرن".

وهكذا تسير فتح اليوم وسط حقل من الألغام والرمال المتحركة، فهي تعيش داخليا تحت ثقل الضغط الشعبي والفصائلي، وفي ذات الوقت هي مقيدة ذاتيا بروابط ومقتضيات العمل السياسي والدبلوماسي التي تكبحها عن حرف بوصلتها إلى مسارات كفاحية أخرى.

وهي مجبَرة -بحكم وظيفتها الأمنية- على إدامة العمل والالتزام بـ"التنسيق الأمني"، لأنها تدرك تماما أن أي اتجاه آخر نحو وقف التنسيق الأمني والسماح بالعمل الكفاحي ضد الاحتلال خارج النطاق السلمي؛ معناه انتهاء السلطة، وهو ما تنأى "فتح" بنفسها عن الاقتراب منه كليا.

أزمة حماس وخياراتها
في المقابل، تعيش "حماس" أزمة موازية لا تقل عمقا وتعقيدا عن أزمة "فتح"؛ فقد انتهى مشروعها الحاكم في قطاع غزة إلى الفشل، واضطرتها الانهيارات المريعة للقطاعات الحيوية في غزة -جراء الحصار والعقوبات المفروضة على أهالي القطاع- للجلوس مع "فتح" لتطبيق اتفاق المصالحة بهدف إنقاذ الأوضاع، في وقت يخيم فيه شبح الحرب مع "إسرائيل" في سماء القطاع.

وليس خافيا أن مشروع المقاومة -الذي تتبناه "حماس"- قد وصل إلى طريق مسدود، في ظل الحصار المفروض والانقسام السياسي والجغرافي العميق بين شقيْ الوطن الفلسطيني، وتواطؤ دول عربية على تركيع الفلسطينيين ودفعهم نحو قبول "صفقة القرن" الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، وعجز بعضها الآخر عن إسناد الفلسطينيين في ظل التحديات لتي يواجهونها.

لكن "حماس" -التي تعاني من أزمة مالية مستعصية بسبب إحكام الحصار- فوجئت بتلكؤ "فتح" في تطبيق المصالحة، وأيقنت أنها تتعامل معها بمنطق الابتزاز، وتحاول استنزاف قواها وصولا إلى فرض رؤيتها واشتراطاتها الخاصة بالمصالحة عليها.

في ضوء ذلك، لم تعد "حماس" ذات خيار في هذه المرحلة؛ فهي لا تملك صناعة الحدث أو التقرير الأحادي بشأن مصير القطاع، فكل خياراتها مرتبطة بالمكونات الفاعلة والمحيطة، وأهمها المكوّن المصري المركزي الذي بات المحدد الأساسي لاتجاهات وخيارات غزة المستقبلية، وهو -بطبيعة الحال- مرتبط بدوائر إقليمية ودولية.

وحتى خيار الحرب لا كلمة نهائية لـ"حماس" فيه، لأنها تعمل بكل ما أوتيت من قوة لإبعاد شبحه الكارثي عن سماء القطاع الذي لا يحتمل حربا جديدة مدمرة، ولأن حساباتها العسكرية والميدانية والسياسية لا تجعلها بمفازة من مخاطر الحرب وانعكاساتها على قوتها العسكرية والأمنية، ومستقبل سيطرتها على أوضاع القطاع.

تحاول "حماس" -قدرَ استطاعتها- أن تعطي خيار المصالحة مع أبو مازن و"فتح" فرصة كبرى، فهي تدرك تماما أن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة -أيا كانت درجتها ومستواها- بين غزة والضفة، من شأنه أن يعزز الصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال، ويشكل قوة ضاغطة في وجه مخططات تصفية القضية الفلسطينية.

لكن "حماس" تدرك أن خيار الوحدة والمصالحة بات صعبا بسبب موقف أبو مازن، الذي يستمرئ التهرب من تحمل مسؤولية القطاع، ويعتبره عبئا عليه لا طائل من ورائه، وهو ما يجعل بعض قادة "حماس" أقرب إلى إثارة الخيار البديل القائم على التحالف مع تيار محمد دحلان وتسليمه إدارة ملف غزة.

تقف "حماس" -بِحيرة شديدة- أمام خيار الموافقة على مطالب السلطة و"فتح"، أو خيار الإقرار بانهيار المصالحة وتشكيل إدارة منفصلة للقطاع يشارك فيها تيار دحلان بكامل الفعالية مع من يرغب من الفصائل، تحت غطاء سياسي أميركي وعربي تتكفله مصر وبتمويل خليجي يتكفله دحلان.

تعي "حماس" ضرورة تحقيق المصالحة مع "فتح" لإنقاذ الوضع الفلسطيني عامة وغزة خاصة، إلا أن جملة شروط فتح لتحقيق المصالحة تضع الحركة في زاوية بالغة الحرج والاضطراب.

كما تعي الحركة مخاطر عودة دحلان إلى غزة وأنها ذات ثمن باهظ، وتدرك أن خيار التحالف معه يصطدم بموانع من مواقفها وأدبياتها الوطنية لا يمكن الاستهانة بها، وهو ما يجعلها أكثر ترددا في التعاطي مع هذا الخيار.

أما على المستوى الكفاحي؛ فلا تبدو "حماس" في وارد الاحتكاك المباشر مع الاحتلال قريبا، أيا كانت طبيعة الأوضاع داخل القطاع، إذ ستنزع نحو إعادة الاعتبار للبعد الوطني والجماهيري الواسع بعيدا عن المجال العسكري، وقد تتعاطى مع مقترحات إبرام هدنة طويلة المدى مع الاحتلال.

الأفق بين خيارين
لا يختلف اثنان في أن تقرير آفاق وسبل حل الأزمة الفلسطينية الداخلية تكمن في نزول "فتح" و"حماس" -ومعهما كل مكونات الشعب الفلسطيني وقواه الفاعلة- عند إستراتيجية وطنية موحّدة، تشتمل على وضع آليات حقيقية لتفعيل المشروع الوطني وإدارة الصراع مع الاحتلال، وآليات أخرى لحل الخلافات الداخلية.

ولذا فإن كل المؤشرات تؤكد أن الكرة اليوم في ملعب "حماس"، فلا مناص أمامها من تجاوز المرحلة الراهنة المشبعة بالتحديات، بما ينتقل بالوضع الفلسطيني المأزوم من انهياراته الراهنة إلى بر الأمان.

والمؤكد أن خيار التوافق مع أبو مازن و"فتح" أقل كلفة بكثير لدى قيادة حماس من خيار التحالف مع دحلان، وفتح بوابات غزة أمام سيطرته مجددا على زمام الأمور فيها، وهو الخيار الأكثر رجحانا الآن في ظل وجود وفد "حماس" بالقاهرة، والذي قد يعود بخلاصات مهمة ذات أثر مقرر في واقع ومستقبل القطاع.

ومما لا شك فيه، أن خيار المصالحة سيوفر فرصا أعلى أمام "حماس" وبقية الفصائل لمواجهة ضعف السلطة و"فتح"، وإمكانية رضوخها للابتزازات الأميركية والإسرائيلية والعربية لقبول "صفقة القرن"، ناهيك أن بقاء الأوضاع بغزة كما هي يشكّل تشريعا لحرب إسرائيلية جديدة على القطاع.

وختاما..؛ فإن اعتماد النهج التوافقي الوحدوي وسلوك سبيل الشراكة السياسية سيشكّل الخطوة الأولى نحو تفكيك عقد الأزمة الفلسطينية، ويعبّد الطريق نحو برنامج وطني جامع يستخلص العبر من أخطاء وخطايا الماضي، ويفتح الطريق للدفاع عن الحقوق الوطنية في مواجهة المخاطر الراهنة.

الجزيرة نت