الخميس, 09 آذار/مارس 2017 10:13

الوسطية والاستقرار العقلي والنفسي

إن الوسطية ليست مفهوما فكريا باردا مجردا، ينفصل عن الحياة والأحياء والأشياء، بل هو منهج إلهي ثبته الله تعالى في وحيه المبارك من اجل أن تكون روحاً تسري في عقل ونفس الأمة المسلمة، بمعنى تترك أثرها الساطع في كل فعل عقلي أو نفسي أو حياتي بجميع مستوياتها، فهي من أخص خصائص هذا الدين، بل هي الخاصية التي لا يعطي الإسلام ثماره الحقيقية في الدنيا لو افتقدها المؤمنون به، هنا نحن نذكر دورها في مجال الاستقرار العقلي و النفسي وما تتركها من ثمار حلوة ..

فالنفسية المتوازنة تنتج عقلاً هادئا متوازناً، و العكس صحيح، الوسطية تكون عقلية مستقرة متوازنة بعيدة عن المشاكسة والهيجان والغضب المنفلت، كما تحفظها من الانغلاق على الذات وحمل الحقد والكره تجاه الآخرين المخالفين. لهذا إنَّ فهماً وسطياً للإسلام هو الضامن باستمرار والكفيل للقضاء على الأفكار المتشددة المحبة للشجار، وإن أكثر العوامل تأثيراً لتحقيق الأهداف النفسية والأخلاقية في الحياة هو الاعتدال في التعامل مع الخير والشر حتى، مع الأعداء والأصدقاء، مع المسلمين وغير المسلمين، في أوقات السلم والحرب، في السراء والضراء..و أي عامل يكون خلف توتير الحالة النفسية والعقلية للإنسان منهي عنه في الإسلام حتى لو كان تحت لافتة العبودية لله تعالى..

هذه الحقيقة لها اتجاهان، اتجاه نظري واتجاه عملي في الواقع، من الجانب النظري فإن الابتعاد عن الحكم وممارسة القضاء على الناس بدون تفويض شرعي قانوني، والابتعاد عن توزيع أحكام الكفر والفسق على الناس، تحويل الحكم الجزئي إلى الكلي، والكلي إلى حد تصويره على أنه حكم جزئي قاصر على ذاته، تحويل الفرض إلى النافلة و السنة إلى الواجب، إدراج القضايا غير العقائدية داخل الأسس العقدية ومحاسبة الناس عليها والتحقيق معهم حولها، كلها من مشاهد ومظاهر التشدد العقلي المتشنج البعيد عن العلم الصحيح والنفسية السليمة المتوازنة، والأصل في هذا هو الآيات والأحاديث الصحيحة التي تنهى عن التجاوز والتنطع في الفكر والفهم، من مثل { يا أيها اللذين آمنوا لا تغلوا في دينكم}، وقول الرسول – صلى الله عليه و سلم – { هلك المتنظعون}، { إياكم و الغلو في الدين، فلن يشاد الدين احدٌ إلا غلبه}، كما يجب التعامل مع المخطئين كطبيب رحيم، مهمته شفاءهم من كل الداء وليس إرسالهم إلى القبر، ومن هناك إلى جهنم..النفسية المتوازنة المعتدلة هي التي تسلك مسلك الإرشاد والتناصح، يقر بالمخالف وحقه في الوجود..يتبع معهم التواصي بالحق والمودة والأُلفة والمواطنة مع المجتمع وليس التخندق ضده..

وفي الاتجاه العملي، توجد خصلتان نفسيتان لهما علاقة مباشرة بالاستقرار النفسي العقلي، ومتانة القرارات التي تتخذ، يحمي المرء من الظلم والتجاوز و لتشدد، وهما:- الإنصاف والابتعاد عن المبالغة في تصوير الحقائق والأشياء..

فمن أجل إيجاد عقلية موضوعية منصفة، قراراتها وتقييماتها تكون عادلة، تعطي لكل شيء و شخص حقه من غير نقصان ولا زيادة، عليك أن تكون منصفاً في أحاديثك وأحكامك، وهذا الإنصاف بهذا الشكل نابع من الاعتدال النفسي العقلي..

والمبالغة، لها صورتان، إما التكبير وإعطاء القضية أكبر من حجم تستحقه، في مدح الشخص أو المذهب أو الرأي والمدرسة الفكرية بحيث يخرجها عن حقيقتها، ويصفها بأوصاف لا يملكها، وهي صورة كاذبة فيها شيء من التشويه، وهذا النوع من المبالغة موجودة في أتباع الأديان خاصة من المقلدين للآراء والمذاهب الفقهية والمدارس الفكرية عبر التأريخ، وكذلك في عالم السياسة والخداع والمكر، وفي النهاية تنتج التشدد والتعصب و الطرفية والانغلاق بوجه الآخرين، وفي السياسة فإن التملُّق والتزلُف والفساد المالي والإداري يكون نتيجتها..

والصورة الثانية للوجه العملي للمبالغة، هي التحقير والتنقيص الظالم المخالف للعدل، وهذه أيضا في ميادين الدين والسياسة، من آثارها التعصب والتطرف في التصوير والتعامل، وإعطاء صورة سوداء كالحة منبوذة للآخرين، إلى درجة أن النفس تشمئز من مجرد ذكرهم أو التفكير بالتقرب والتعامل معهم، وبذلك يبخسون حقهم الطبيعي..وينتهي بالظلم..

من صور المبالغة – التعميم -، كالقول بأن الشخص الفلاني أو المجموعة الفلانية هم مخطئون في كل شيء وما من مَنفذ للتعاون معهم، ومن ثم غلق الباب أمام شريحة من المجتمع قد تكون أكثر فعالية منك، أو انك بحاجة إليها أكثر مما هي بحاجة إليك..و تتوسع الفجوات المجتمعية، والقلوب تنغلق..

إن وجه مخالفة افتقاد الإنصاف والاتصاف بالمبالغة للوسطية هو أن الوسطية عدل في كل شيء..

في مقابل المبالغة ومن أجل إزاحتها يأتي الإنصاف، وهو منهج قرآني في التعامل مع الأشياء والأفكار، والإنصاف ينبع من التعدد والطبيعة المركبة للبشر، لأن الحياة مختلطة معقدة، صعب أن يتمكن المرء في التحييد والتمييز المطلق بين الأشياء المرتبطة والمختلطة الخير فيها بالشر، كالألوان الزيتية لا تعلم متى ينتهي أو يختفي لون من ألوان اللوحة حتى يظهر اللون الآخر ليحل محله، وهكذا باستمرار، والإنصاف في هذه الحالة هو في إدراك الاختلاف بين الألوان، وحياة الإنسان أكثر تعقيداً تحتاج إلى التحديد والتدقيق والتصنيف، حتى تتضح المشهد بالكامل كما هو..

ولقد ضرب الله سبحانه، مثلاً رائعا في الاتصاف بالإنصاف عند الحديث عن الآخرين وإصدار الحكم عليهم أو إجراء تقييم بشأنهم، حيث يقول عن تقييم أهل الكتاب { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون كتاب الله آناء الليل و هم يسجدون} آل عمران:75 ..

أي:- ليس أهل الكتاب على شاكلة واحدة، لون واحد وأخلاق واحدة، ليس كلهم شرا، بل فيهم من يصلي بالليل ويسجد لله، و في آية أخرى عندما يتحدث عنهم، ويذكر خصالهم، يقدم – سبحانه وتعالى- الخصال الخيرة فيهم على الأخرى الشريرة، "ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لايؤده إليك إلا مادمت عليهم قائما".

هذا التوازن المنهجي، هو ثمرة للتوازن النفسي العقلي، ويقوم عليه، منهج العدل الإلهي في التعامل..