الأربعاء, 31 أيار 2017 11:54

جلسة شاي على شرف الفكر السياسي الإسلامي

منذ مدة انكب صديق لي على كتب معاصرة حول الفكر السياسي الإسلامي، وعن تمثل الحركات الإسلامية لهذا الفكر، وخاصة فيما يتعلق بالديمقراطية والشورى وعلاقة السياسة بالدين وعلاقة الدولة بالدين وغير ذلك سواء الكتب المتحاملة منها أو الموضوعي. وهو ما حفّزه لخوض مغامرة الرجوع لمصادر التراث السياسي الإسلامي.

وبعد قرابة ثلاث سنوات من القراءة المتقطعة - بسبب العمل والتزاماته الاجتماعية- شملت المشتهر من تلك المصادر بين الباحثين في هذا المجال، تولدت لديه قناعة بأن طروحات عدد من المتقدمين في الإجمال أكثر انفتاحا في فهم العمل السياسي وطبيعته ومقتضياته، سواء عند من يوصفون بالأدباء كالجاحظ وابن المقفع وابن قتيبة الدينوري، أو الفقهاء ما قبل القرن الرابع الهجري كأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، أو الفلاسفة والأخلاقيين كالفارابي وابن رشد، أو عند الفقهاء في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري.

ويقول لي الصديق الباحث في جلسة شاي إن هذه الفترة تعد بمثابة العصر الذهبي لما يصطلح عليه بالفقه السياسي على وجه التحديد، عرف فيها ازدهارا بظهور كتب تخصصت في ما عرف بالأحكام السلطانية، وحمل بعضها الاسم نفسه كما هو الحال مع كتاب الماوردي -وهو الكتاب الذي يعتقد البعض خطأ أنه بقراءته قد امتلك ناصية مرجع أساسي في الفقه السياسي الإسلامي تاريخيا- أو كتاب أبي يعلى الفراء، ثم الجويني بكتابه "غياث الأمم في التياث الظلم" ومن سار سيرهم كابن جماعة وغيره.

شهية الرجل انفتحت على المزيد، فاطلع قدر استطاعته على كتب المرحلة الموالية التي وصفها بكتب السياسية الشرعية، مع ابن تيمية في كتابه الشهير "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" وتلميذه ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" الذي سلط الضوء على التعريف النوعي لابن عقيل الحلبي  لمصطلح "السياسة"

بأنها "الأفعال التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي". وكان هذا التعريف عنوان تحول مهم في الفكر السياسي الإسلامي.

ومن بين ما أثار انتباه الصديق في جولته بين مؤلفات في الفكر السياسي الإسلامي:

أن عددا من الباحثين والدارسين المشرقيين عموما لايهتمون كثيرا بمصادر الفكر السياسي في الغرب الإسلامي، باستثناء بضعة كتب على رأسها مقدمة ابن خلدون و"سلوان المطاع" لابن ظفر الصقلي و"بدائع السلك في طبائع الملك" لابن الأزرق الغرناطي.

أن كثيرا من الكتابات المعاصرة في الفكر السياسي الإسلامي لم تعكس الانفتاح والاجتهادات النوعية التي تضمنها عدد من كتب المتقدمين، وركزت على كتابات ومواقف بعينها، وأبرزتها لأنها تخدم الصورة السلبية التي أرادت ترويجها عن المتقدمين عموما، وتقديم التراث السياسي الإسلامي بطريقة سيئة كما فعل محمد أركون وتلامذته ومن سار على نفس منهجه.

أن الأكثر كتابة في الفقه السياسي كانوا الأكثر "انغلاقا" في الممارسة (الشافعية مثلا)، وأن الذين كانوا إلى حد ما أقل كتابة في المجال كانوا أكثر انفتاحا (المالكية مثلا)، وهذا مفهوم بالنظر لاختلاف المذاهب الفقهية ومصادر التشريع المعتمدة عند كل مذهب.

أن عددا من الإشكاليات والثنائيات التي طرحت في القرن العشرين ولا تزال تطرح، سبق أن طرحت في القرن الخامس الهجري فما فوق بصيغ وعبارات مختلفة (السياسة والشريعة، السياسة بين النص والمصلحة، من الذي يحدد المصلحة النص أم الواقع وظروفه؟)

أنه يوجد في تراثنا من تحدث عن العقد السياسي -ويقصد فكرة التعاقد بين الحاكم والمحكوم مثل الماوردي والجويني وأبي حامد الغزالي وغيرهم، قبل جون جاك روسو وطوماس هوبز ومنتسكيو، وهذا أمر مثير للاهتمام.

يوجد في تراثنا من كتب وأبدع في فن السياسة قبل ميكافيلي في كتابه "الأمير" بأربعة قرون تقريبا، كما فعل ابن ظفر الصقلي في كتابه "سلوان المطاع في عدوان الاتباع". فكل ما "تميز" به المفكر الإيطالي أنه جرد السياسة من الأخلاق والقيم، وجعلها آلة صماء متوحشة لا ترحم بمبرر أن "الغاية تبرر الوسيلة".

الخلاصة التي وصل إليها الصديق بعدما اطلع على عدد من المصادر -التي تبقى قليلة وربما قليلة جدا بالنظر لسعة مصادر التراث السياسي الإسلامي- دفعه للاعتقاد بأن أغلب ما كتب في القرن الأخير لم يحط بعمق الفكر السياسي الإسلامي وتراثه وغناه وثرائه، من حيث مدارسه واجتهاداته وما ألف فيه، وبالتالي عجزت هذه الكتابات عن التجديد والتطوير والإبداع بما ينسجم مع روح هذا الفكر وهويته وسياقه الحضاري.

ورأى  أن هذه الكتابات عانت في الأغلب الأعم من عيبين رئيسيين: الأول منهجي، لأن أصحابها انطلقوا من منهجية غربية استشراقية، وكأن المناهج صماء محايدة وليست وليدة بيئتها الحضارية! واشتغلوا بعقلية التلميذ الخاضع لهيمنة التراث الغربي السياسي فكرا وممارسة، ولم يحرصوا على أصالة المنهج وقراءة التراث السياسي الإسلامي من منظوره الحضاري وبرؤية مستوعبة للأصول المرجعية لهذا الفكر.

والعيب الثاني أنهم اشتغلوا على بضع مصادر وأطلقوا أحكاما كبيرة على تراث غني شاسع خلافا لقواعد المنهج العلمي.