الجمعة, 04 تشرين2/نوفمبر 2016 17:21

جهود د. يوسف القرضاوي في خدمة السنة النبوية (1)

 السنة النبوية هي المصدر الثاني لشريعة الإسلام، وهي التفسير العملي للقرآن الكريم، وهي النموذج الذي يحتذى لتحقيق الحياة الإسلامية في أكمل صورها، والمثال الذي يقتدى به من أحب أن يضع موضع التنفيذ قول الله تبارك وتعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرٍ ".

والالتزام بالسنة النبوية هو معيار الحب الصحيح لله عز وجل: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " . بل إن النزول على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم ـ في حياته ـ وعلى الأحكام التشريعية الثابتة بصحيح السنة, بعد وفاته, هو مقتضى الإيمان نفسه، حتى إن القرآن الكريم ينفي الإيمان عمَّن رغب عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل عمَّن وجد في صدره مجرد حرجٍ مما قضى به أو لم يسلِّم لحكمه تسليما تاما: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " .

لذلك ـ ولغيره مما هو مذكور في مواضعه من مباحث مكانة السنة النبوية في التشريع ـ لا يكون المرء عالما إلا إذا جمع إلى علمه بأي فرع من فروع العلم الإسلامي يتخصص فيه أو يبرع في مسائله، العلم بالسنة النبوية، علما يمكّنه من الوقوف على صحيحها وضعيفها، ويتيح له التمييز بين ناسخها ومنسوخها، وبين ما كان منها خطابا للأمة كلها، على توالى عصورها وتتابع أجيالها، وما كان خطابا للحاضرين في « قضية عين لا عموم لها». وأعلى العلماء كعبا في العلم، وأبقاهم أثرا في الناس هم الذين يجمعون بين علوم الرواية وعلوم الدراية، فلا يقفون عند نقل المتون، ومعرفة طبقات الرجال، وعدولهم من مجروحيهم، بل يضيفون إلى ذلك النظر في النصوص نفسها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وينزلون كل نص منزلته وفق الضوابط العلمية المتقنة التي سبق بها المحدثون علماء الدنيا كلها، فأسسوا علما موطأ الأكناف لا نظير له في علوم أهل الأديان، فضلا عن علوم غيرهم من الناس.

وحين دعاني الاخوة الكرام القائمون على إصدار مجلد يهدى إلى الأخ الجليل الشيخ يوسف القرضاوي لمناسبة بلوغه السبعين ـ مدَّ الله في عمره ونفع بعلمه ـ تردداً متوالياً، وأبطأت على نفسي قبل أن أبطئ عليهم، فعلم الشيخ وعمله وجهاده أوسع من أن يحصر الحديث عنه في مقال، وفي أثناء هذا التردد أهداني الشيخ ـ حفظه الله ـ كتابه: (السنة مصدرا للمعرفة والحضارة) ووجدتني وأنا أقرأ أولى صفحاته أتجه إلى الكتابة عن خدمة الدكتور القرضاوي للسنة النبوية في كتبه المختلفة وبحوثه المتنوعة.

وليس في الوسع الإلمام بكل موضع من كتب الشيخ ـ التي بلغ عددها سبعة وستين كتابا ـ فيه خدمة للسنة النبوية الشريفة.

ولذلك اخترت من قائمة مؤلفاته كتباً أربعة رأيت أن أجعلها موضوعا لهذه الكلمة الوجيزة عن جهوده في خدمة السنة النبوية. والكتب التي اخترتها هي:

1- مشروعه لمنهج موسوعة الحديث النبوي ( 1404 = 1984 )

2- كيف نتعامل مع السنة النبوية ( 1409 = 1989 )

3- المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب للمنذري ( 1406 = 1986 )

4- السنة مصدرا للمعرفة والحضارة ( 1415 = 1995 )

(1) نحو موسوعة للحديث النبوي: مشروع منهج مقترح:

كان إصدار«موسوعة للحديث النبوي تضم صحاح الأحاديث، محققة، مبوبة مفهرسة، مخرجة إخراجاً عصرياً مشوقاً، معلقاً عليها بما يوضح المفاهيم، ويدفع الشبهات والمفتريات»، أملاً من الآمال التي روادت نفوس العلماء زمنا طويلا.

وفي سبيل وضع هذا المشروع موضع التنفيذ أعدّ الدكتور القرضاوي مشروعا لمنهج مقترح للموسوعة قال عنه إنه يعرضهُ «على أهل العلم في عالمنا الإسلامي، ليبدوا ملاحظاتهم عليه.. والموسوعة إنما هي للمسلمين جميعا، فمن حقهم أن يكون لهم رأيٌ فيها. وما تشاور قوم قط إلا هُدوا لأرشد أمرهم.... والمسلم لا يكتفي بطلب الحسن من الطوائف بل يسعى إلى التي هي أحسن...».

وقد بدأ الدكتور القرضاوي منهجه المقترح بتوطئة ذكر فيها أهم الكتب الموسوعية التي جمع أصحابها فيها ما ضمته كتب شتى من مصنفات الأئمة المحدثين، ووصف كل كتاب وصفاً مختصراً. فذكر أولا أهم الكتب الجامعة بين الصحيحين (ويجب أن يضاف إليها الآن كتاب محدّث مصر الشيخ محمد أحمد بدوي، حفظه الله، وقد سمّاه كفاية المسلم في الجمع بين البخاري ومسلم واستوعب فيه رواياتهما مع المحافظة على تراجم أبواب صحيح البخاري المعبّرة ـ كما وصفها العلماء ـ عن فقه الإمام البخاري، وذكر كل حديث أخرجاه بلفظيهما. كما ذكر متابعات البخاري وتعليقاته، والآثار الموقوفة والآيات القرآنية التي اشتمل عليها صحيحه، وقد صدر في مصر أربعة في مجلدات عام 1990.)

ثم ذكر الدكتور القرضاوي الكتب الجامعية بين الصحاح وغيرها من مدونات الحديث، فذكر كتاب:«التجريد للصحاح الستة» للحافظ أبي الحسن رُرَيْن بن معاوية العبدري السرقسطي الأندلسي، وكتاب «جامع الأصول في أحاديث الرسول» للحافظ الإمام مجد الدين بن الأثير الجزري، وأسهب في التعريف به وبمنهج صاحبه. وذكر كتاب «جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن» للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير، الزرعي ثم الدمشقي، ثم ذكر«مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» للحافظ نور الدين الهيثمي، ثم كتاب «جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد» للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم كتاب«إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» للحافظ شهاب الدين البوصيري، ثم كتاب «الجامع الصغير» و«زيادته»للإمام السيوطي، ثم«الجامع الكبير» أو«جمع الجوامع» له أيضاً، ثم كتاب «كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال» للمتقي الهندي، ثم كتاب«الجامع الأزهر في حديث النبي الأنور» للعلامة عبد الرؤوف المناوي.

وقد وصف الدكتور القرضاوي هذه الكتب جميعاً وصفاً مختصراً كافياً للتعريف الوجيز بكل منها. ولكن الأهم من هذا الوصف هو المآخذ التي بينها عليها جميعاً، والتي من أجلها كان لابد من مشروع موسوعة عصرية للحديث النبوي الصحيح. فقد ذكر الدكتور القرضاوي أن آفات هذه المحاولات التي ذكرها هي:

1- تجريدها الأحاديث من أسانيدها.

2- الجمع بين المقبول والمردود من الحديث.

3- أن بعضها فيه الشديد الضعف والمنكر والموضوع.

4- أن بعضها لم يبين درجة الحديث تصحيحاً وتضعيفاً.

5- أن البعض الذي عني ببيان درجة الحديث لم يسْلَم من انتقاد وتعقب.

6- عدم الاستيعاب.

7- عدم مناسبة التبويب لهذا العصر.

وأرجع ذلك كله إلى سببين أولهما « أن تلك الجهود كانت جهودا فردية، وعمل الفرد ـ إذا لم يراجع ويناقش ـ لا يسلم من القصور والآفات» والثاني «أنها كتبت في زمن غير زمننا». وقد أدى ذلك بالدكتور القرضاوي إلى الدعوة إلى موسوعة «عصرية تقوم بجهود جماعية.... ويستخدم فيها ما وصل إليه عصرنا من إمكانات علمية وعملية... لتوازن الأمة بين ما كسبته من نتاج العلم، وما تتطلع إليه من رحيق الإيمان، ثم تكون هذه الموسوعة للصحيح والحسن من الحديث، وهما اللذان يقبلان ـ دون غيرهما ـ في الاستدلال على الحكم الشرعي. وهي موسوعة لكل مثقف مسلم في عصرنا ... تأخذ بيده نحو فهم سليم للإسلام ومصادره».

وقد اقترح الدكتور القرضاوي أن يكون ترتيب الموسوعة الحديثة العصرية ترتيباً موضوعياً يعطينا«تعالى من السنة في الموضوع الواحد مجتمعة مرتبة في موضوع واحد». وذكر طريقة ذلك التصنيف الموضوعي والأقسام الرئيسية الكبرى فجعلها اثني عشر قسما. وضرب مثالا واضحاً للتقسيم الداخلي أو الفرعي في كل قسم.

والحق أن الترتيب الموضوعي هو الذي يتفق مع هدف الموسوعة كما تصوره مشروع الدكتور القرضاوي لها. فإن الترتيب المعجمي ( الألفبائي ) لا يستفيد منه إلا من كان يعرف أول ألفاظ الحديث، وقد يكون للحديث روايات عدّة تختلف اللفظة الأولى في بعضها عن البعض الآخر فيصعب، وقد يستحيل، الوصول إلى الحديث حتى لمن عرف أولى كلماته ما لم تكن هي المروية في النص الذي ضمته الموسوعة. أما الترتيب الموضوعي فإن النظر في الباب أو الفصل أو الفرع يضع أمام الباحث النصوص النبوية الصحيحة كافة فيجد ضالته وإن لم يعرف ـ في الأصل ـ نصاً معيناً يبحث عنه، أو لفظاً بذاته يهتدي إلى الحديث به.

واقترح الدكتور القرضاوي أن «تضم الموسوعة الصحيح والحسن من الحديث فقط، وإذ هما اللذان يحتج بهما. تؤخذ منهما الأحكام، وتعرف في ضوئهما هداية الله تعالى، وهَدْيُ رسوله صلى الله عليه وسلم».

وهذا الكلام حق كله. ومثله في وجوب العمل به والاعتماد عليه الأسباب الثلاثة التي ذكرها في وجوب الاستغناء عن الحديث الضعيف وهي: أن في الصحيح كفاية وغنىً، وأن الشروط التي اشترطها العلماء لرواية الضعيف لا تراعى عند التطبيق عادة، فيظن القارئ أو السامع أن كل ما تسبقه عبارة تدل على نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح يحتج به، وأن الأحاديث الضعيفة، وإن كانت لا تثبت حكماً شرعياً، وكثيراً ما تتضمن مبالغات يرفضها العقل الصحيح، ويردها الدين الصحيح.

وأقوى من ذلك في وجوب رد الحديث الضعيف، وعدم روايته أو نقله في الموسوعة المنشودة بل في الكتب المؤلفة عامة، ما ذكره الدكتور القرضاوي ـ وهو صحيح ـ ومن أن العلماء الذي نقل عنهم التساهل في رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال إنما كانوا يعنون به ما عرف المصطلح المتأخر باسم (الحسن)، وعلى ذلك فلا عذر لأحد في الاحتجاح بالضعيف أصلاً.

والتفرقة التي يجريها كثير من العلماء ـ وقد ذكرها الدكتور القرضاوي ـ بين ضعيف لا ينجبر ضعفه، وضعيف خفيف الضعف تقوية الشواهد، وتفرقة محل نظر، لأن القائلين بها شرطوا في الشواهد المقوية أن تكون «سالمة من الضعف» أو من «سبب الضعف»، وهذا الاشتراط يجعل الحجة في الرواية التي خلت من سبب يضعفها لا في الرواية الضعيفة أصلاً. وقد أحسن الدكتور القرضاوي حين نهج منهج أئمة التحقيق فقرر أنه لا عبرة بتعدد الطرق وكثرتها، وإنما العبرة بسلامة الطريق التي يروي بها نص منسوب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، من العلل القادحة.

وهذا المبدأ الذي قرره الدكتور القرضاوي وقرره من قبله المحققون من أئمة هذا الشأن يغني عن القيود الثلاثة التي ذكرها لتقوية الحديث الضعيف «بكثرة الطرق». فالحق أن كثرة الطرق الضعيفة لا يزيد الحديث إلا ضعفاً. وطريق واحدة صحيحة أو حسنة، سالمة من الشذوذ والعلة، تكفي ليثبت بها النص وليعمل بما تضمنه من حكم، أو يتبع ما فيه من توجيه، أو يصدّق ما فيه من خبر. فالحجة في الطريق الواحدة الصحيحة ولا حجة في طرق كثيرة ضعيفة بالغة ما بلغت كثرتها.

ومن أجمل ما تضمنه مشروع الموسوعة التذكير بعدم صحة المقولة الذاهبة إلى أن علماء عصرنا لا يجوز لهم أن يصححوا أو يحسنوا ما لم ينص الأئمة السابقون على حسن أو صحته. فالحق أن باب التصحيح في الحديث مثل باب الاجتهاد في الفقه، كلاهما غير قابل للإغلاق. وقد حفظت عن شيخنا العلاّمة محمد مصطفي شلبي قوله: «هذه مسألة اجتهادية، لا يقبل القول فيها إلا ممن بلغ رتبة الاجتهاد في الفقه أو رتبة النظر في الحديث رواية ودراية. فإن كان القائل بها من هؤلاء فوجوده يرد عليه قوله، إذ هو فكلامه لا قيمة له ولا عبرة به ». والشرط الوحيد لذلك هو الأهلية العلمية بشروطها المعروفة في علم أصول الفقه وعلم أصول الحديث.

وقد تناول الدكتور القرضاوي في مشروعه موضوع المصادر التي يؤخذ منها الحديث النبوي، ورأى أن الواجب الرجوع إلى المصدر الأصلي دون المختصرات أو الجوامع التي ضمت أحاديث كتاب واحد مجردة من السنة، أو ضمت أحاديث الكتب، وعن ترتيب ذكرهم عند بعض. وتحدث عن نسبة الحديث إلى من أخرجه من أصحاب الكتب، وعن ترتيب ذكرهم عند تعددهم، وعن كيفية انتقاء الروايات وذكر الزيادات والمخالفات. واقتراح أن تضم الموسوعة الأحاديث الموقوفة على الصحابة باعتبارهم:«نقلة القرآن والسنة، وأفهم الناس لهما لمشاهدتهم أسباب النزول والورود، ومعرفة القرائن والملابسات، والعيش في مدرسة النبوة، والتمكن من ناصية اللغة.... مع سلامة فطرة، ونور بصيرة، وقوة إيمان، وصدق التزام...».

ولا شك أن هذا العمل يقوي الموسوعة، ويزيد بمعاني الحديث التي يتداولها العلماء مما له أصل من فهم الصحابة أو عملهم، فإذا قدم كل باب ـ كما اقترح الدكتور القرضاوي ـ بآيات القرآن الكريم المتصلة به، كان أمام القارئ صورة، أقرب ما تكون إلى الاكتمال، للموضوع الذي يبحث فيه.

ولم يكتف الدكتور القرضاوي بالاقتراح النظري ـ بكل ما تضمنه من تفصيلات ـ بل زاد على ذلك أن ألحق به مثالين لحديثين نبويين، بيّن فيهما كيف يكون العمل في الموسوعة: جمعا ً بين الروايات، وشرحا للحديث، وتخريجاً له مع ذكر حال رجاله باختصار ولا سيما إن كان فيهم من «تُكُلِّم فيه».

وقد مهّد القرضاوي بهذا العمل، الصغير في حجمه، الكبير في قيمته ومعناه، طريق العمل في الموسوعة المعاصرة للحديث، والتي ندعو الله أن يتم إنجازها في أقرب وقت وعلى أحسن صورة.

#تسعون_عاما_على_ميلاد_القرضاوي
9 / 9 / 1926م - 9 / 9 / 2016م
#كلمة_حرة | حول #يوسف_القرضاوي