الجمعة, 08 كانون1/ديسمبر 2017 11:55

جيل الفرصة الأخيرة

على مقاعد الدراسة كنا يوم انطلقت الانتفاضة الأولى فكانت نقطة تحول في تربية وتفكير الشباب الإسلامي الذي تربى نظريا على مفاهيم التضحية والجهاد وقدسية الشهادة وحب الأوطان ومفردات العزة و الكرامة فرأى إمكانية تحقيقها واقعا ساطعا يعيد أمجادا غاصت وتوارت عن الذاكرة لتصبح مجرد صفحات في كتب التاريخ، أصبح نصر القلة عيانا أمام الأنظار، وأصبح المستضعفون سادة يأبه العالم لفعلهم و يربكون السياسة، وصار الحجر والسكين وحتى صوت التكبير جنديا من جنود الله وصانعا للنصر!

كانت مرحلة فارقة للشباب المسلم في تكثيف الوعي وتفعيل الشعور الجمعي بقضايا الأمة وتوجيه لبوصلة الأولويات نحو القضية الأقدس حينها، قضية فلسطين

إلا أن السن وبعد المكان يحددان إرادة الفعل ويحصران إمكانية التأثير في الميدان في القيام بأدوار الإسناد التي مهما ارتقت لن تكون بتأثير الفعل على الأرض ولن تسد تلك الجوعة العاطفية وذلك الفتق النفسي أن يكون المرء، ولو لمرة، في قلب صناعة الحدث وفي الأولين لا في الأطراف التي تظل في صفوف الاحتياط لزمن قد يجيء أو لا يدركه أصحاب الأعمار القصيرة!

انتهت الانتفاضة الأولى وقد رسخت حالة من الوعي النضالي واقتناعا مزيدا أن ما أوخذ بالقوة لا يسترد بغيرها ولكن حالة الوعي هذه أصبحت حالة ترف فكري وتنظير ونضال بالوكالة يقوم به أصحاب الأرض فرض عين فيتحول كفاية على الآخرين وخمدت جذوة التصعيد والتواتر لشعب وقضية لا تملك الانطفاء حتى يتحقق التحرير، وما بين الانتفاضتين وبعدهما انشغلنا في غربتنا الروحية عن حالة الاستعداد الدؤوب ودخلنا دوامة تكوين الأسرة والعمل وطموحات المستقبل وتوارى عند الكثيرين الهدف الواضح الذي يجب أن تصب في مصلحته كل الأعمال ودخلنا مرحلة الازدياد من كل متع الدنيا وكأن ليس يثقل كاهلنا أوطان محتلة ومقدسات مدنسة وأعراض منتهكة، وضعنا الضمير في حالة سبات قد يستيقظ أحيانا في الدعاء وبذل فضول المال رفعا للحرج عن نفس كانت في عز شبابها تنام وتقوم على أخبار الشهادة والشهداء وتعلق صورهم كالنجوم وتترنم بنشيدهم وسيرتهم!

لا ريب أن للأزمنة شرف ويزيد شرفها ما يفعله الإنسان حينها وللزمان كذلك انتكاسة يوم يخذله البشر بالتخلي والخنوع والذلة ولبصمات الأجيال عناوين في التاريخ فجيل دخل تحت اسم النكبة وظل يحمل تبعاتها وبعضهم عاش ومات منكوبا ولم يكن تابعيهم أفضل حالا في نكستهم ثم جاء جيل الانتفاضة الذي جعل من الطفل عملاقا يرهب عدوا مدججا، لم يختلف الاحتلال ولكن اختلف البشر تربية وعملا فدار الزمان دورة العز في ركابهم

الشباب شهود الانتفاضتين أصبحوا الآن جيلا على أبواب الأربعينات وجاوزها بعضهم والانتفاضة الآن إن قامت أو تحضرت لما هو أعظم فتلك فرصتهم الأخيرة لإظهار معدنهم واختبار تربيتهم لسنين من الغرس طالت كثيرا وقد ودع بعضهم الدنيا بموت الفجأة وما زال الإيمان سلبيا لم يتفعل وما زال في النفس شوق لموقف عز و خروج من دكة الاحتياط إلى ميدان الاستخدام في عين الشمس وعين العاصفة لا في وارف الظلال ودعة الأركان!

عندما نتمنى أن تقوم الانتفاضة وتتحرك المياه الراكدة أين نرى أنفسنا؟! متفرجين مشجعين أم عاملين مضحين؟! نحتفي بالشهداء ونطنطن لهم أم نعد أنفسنا وأبنائنا لنكون التالين؟ نطلب من الناس التضحية دون أن نحس بكسر اليتيم وفقد الأم ووحشة الأرملة أم نحمل معهم أوجاعهم بعد نسيان الناس وتفرقهم؟!

يا جيل الانتفاضتين لقد اكتمل شبابكم وبلغتم أشدكم وهذا ناقوس الفرصة الأخيرة يدق أبوابكم تنبيها وتذكيرا فهل لنا عظة في أبي ذر تأخر عن الركب ولكنه التحق بالنهاية مع كبر سنه وضعف قوته وعمرو بن الجموح يقتنص الفرصة الأخيرة في عمره في معركة أحد ليدخل بعرجته الجنة؟!

ما أشده من تقريع للراغب الاصفهاني يضع الموازين في نصابها في جردة حساب العمر " ومن لم يصلح لخلافة الله تعالى ولا لعبادته ولا لعمارة أرضه فالبهيمة خير منه" أو يكون هذا آخر المطاف أن نتساوى والبهائم في الميزان؟!

هذا الزمان زمان الاستدارة وتمكين الضعفاء وقد طالت أعمارنا لنكون إما من المصطفين أو من المتروكين.

إنها الفرصة الأخيرة فهل من مدرك؟! إنها الفرصة الأخيرة فمن يقبل على الاقتناص؟