الجمعة, 28 تشرين1/أكتوير 2016 13:09

دور الحركة الوطنية والفكر الإصلاحي في بناء الوفاق الوطني

تمثل هزيمة الجيش المغربي في موقعة إيسلي أمام الجيش الفرنسي (1844)، وتراجعه أمام الجيش الاسباني في حرب تطوان (1860)، وما ترتب عنهما من معاهدات وتنازلات وديون، عن تأخر المغرب ونظمه العتيقة التي لم يفكر المغاربة في تطويرها وإصلاحها.

من هنا بدأ التفكير في ضرورة الإصلاح. لكن أي إصلاح وبأي منطق؟ ووفق أي تصور؟...

الحديث عن المسألة الإصلاحية يثير عدة إشكاليات، منها ما يتصل بالجانب النظري (المفهوم والتصور)، وما يتعلق بالواقع والتدابير كما مورست على أرض الواقع. فضرورة الإصلاح تنشأ نتيجة الوعي بخلل ذاتي وتدهور للأوضاع الداخلية، كما يمكن أن يكون ناتجا عن وعي بالأخطار الخارجية المحدقة بالمجتمع، وقد يكون ناتجا عنهما معا، وهذا شأن المغرب منذ احتكاكه المباشر بالغرب الأوربي.

بيد أن كل المحاولات الإصلاحية التي شهدها مغرب ما قبل الحماية، انتهت بالفشل سواء تلك التي تبناها السلاطين أو تلك التي دعا لها الفقهاء والمثقفون آنذاك، لأنها لم تجنب المغرب نكبة الاحتلال. ذلك أن الإصلاح لم يكن يعني معنى واحد بالنسبة للمخزن من جهة، وبالنسبة للرعية أو من يتكلم باسمها من جهة أخرى، – كما ذهب إلى ذلك "عبد الله العروي" في كتابه مفهوم الدولة- فالإصلاح بالنسبة للدولة يعني تقوية السلطة بالتذرع بلزوم مواجهة العدو، أما بالنسبة للعلماء فيعني القضاء على أسباب الانحطاط وفي مقدمتها الاستبداد وتحقيق المصالح العامة وهو الطريق لمواجهة العدو.

لكن الأكيد أن كل هذه المحاولات الإصلاحية لم تكن فاشلة عموما، لأنها أفرزت بداية المسار الإصلاحي السياسي لإشراك الشعب في التسيير، وهو ما أثبتته بيعة السلطان المولى عبد الحفيظ الذي بايعه علماء فاس بيعة مشروطة بعد نزع البيعة عن أخيه مولاي عبد العزيز (1908)، وظهور النخبة المثقفة التي ستقود مشروع الإصلاح والدفاع عن حوزة البلاد بعد توقف المقاومة المسلحة التي واجهت الاحتلال في بداياته.

تجسد الفكر الإصلاحي للحركة الوطنية الناشئة مع مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، في قوتها المجتمعية باعتبارها حركة جماهيرية شعبية عبرت عن لسان الشعب وقيادة كفاحه، وإتباع سياسة التدرج في مطالبها وتحركاتها، حيث اعترفت بالأمر الواقع الذي فرضته سلطات الحماية، لكنها بالمقابل طالبت سلطات الحماية بالقيام بالإصلاحات التي نصت عليها وثيقة الحماية (مطالب الشعب 1934) في مرحلة أولى، قبل أن تنتقل للمطالبة بالاستقلال (تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال 1944)، كما حاولت التقرب من السلطان وتنسيق نضالاتها معه واعتبرته رمز البلاد وضامن وحدتها.

لقد لعب الفكر الإصلاحي الذي تبناه رجالات الحركة الوطنية دورا أساسيا في بناء الوفاق الوطني قبيل وخلال وبعد فترة الاستعمار، وهو ما جسدته مجموعة من المواقف الذي يمكن سردها كالتالي:

-         وفاق العلماء وإجماعهم على بيعة المولى عبد الحفيظ المشروطة.

-         وفاق رجالات الحركة الوطنية رغم اختلاف مشاربهم الفكرية على تبني فكر إصلاحي أفضى إلى استقلال البلاد.

-         وفاق رجالات الحركة الوطنية والمؤسسة السلطانية على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال.

-         وفاق الملك والشعب بعد نفي السلطان محمد الخامس والذي جسدته ثورة الملك والشعب.

-         الوفاق الوطني من أجل استكمال الوحدة الترابية الذي جسده حدث المسيرة الخضراء.

-         وفاق تجربة التناوب التوافقي الذي تمثلت في إشراك المعارضة الاتحادية في الحكم.

-         الانتقال السلس للسلطة والعرش بعد تولية الحسن الثاني ومحمد السادس للعرش.

-         وفاق دستور فاتح يوليوز 2011، بعد الوضع الذي أفرزته حركة 20 فبراير.

هذه المحطات التوافقية حول مصلحة الوطن والبلاد والأمة وغيرها، جسدها فكر إصلاحي توافقي جعل من الحوار منهجا من المصلحة العامة هدفا، رغم ما شاب المرحلة من صراعات وتنازعات. لكن الأكيد أن هذه المحطات والمواقف تطرح على مواطن اليوم ومغرب ما بعد دستور 2011، مجموعة من الإشكاليات التي يجب مناقشتها ومراعاتها للسير على سكة الإصلاح والتي يمكن جرد بعضها في الإشكالات التالية:

-         ما هي المرجعية الفكرية التي انطلقت منها الحركة الوطنية لبناء فكر إصلاحي توافقي؟

-         كيف ساهم فكر الحركة الوطنية الإصلاحي في بناء توافقات ما بعد الاستقلال؟

-         كيف يمكن الاستفادة من تجربة الحركة الوطنية لبناء توافق يتجاوز الصراع الإيديولوجي إلى التنافس حول البرامج الإصلاحية للقوى الاجتماعية والسياسية لما بعد دستور 2011؟