طباعة
الأربعاء, 01 آب/أغسطس 2018 13:07

ربيع العرب الذي صار خريفا

استبشر الناس برياح ما سمي بالربيع العربي على أساس ما كانت تعيشه المجتمعات من استبداد وجور الحكام وغياب العدالة الاجتماعية، وعدم الشعور بالكرامة. وقد كان من تداعيات هذا الحراك، إسقاط مجموعة من الأنظمة القائمة وخاصة في تونس ومصر وليبيا واليمن ومازال مشتعلا في أرض الشام.

 تنفس الناس الصعداء في أرض تونس ونادى المنادي الذي اشتهر كنار على علم بقوله:"لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية"...وذلك لحجم الظلم والقهر الذي كان يعيشه الشعب التونسي، وكان كبش الفداء الذي أطلق شرارة الثورة محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده احتجاجا على الظلم وشظف العيش وغياب الكرامة.

انتقلت الثورة إلى أرض الكنانة التي كان واقعها السياسي متأججا وتعيش على رجع صدى التوريث. حيث كان حسني مبارك يمهد لابنه جمال كي يخلفه على رئاسة مصر في سابقة لم يشهدها المجتمع العربي. وبتنا نتداول مصطلح الجمهوريات الملكية كعجيبة من عجائب النظام العربي الموغل في الاستبداد والأثرة وحب الرياسة. قاوم العسكر ولم يجد بدا من التنازل للشارع الذي كان يشتعل احتجاجا وسخطا مقتديا بنظيره التونسي وانتخب الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر لأول مرة في التاريخ عبر انتخابات حرة ونزيهة بنسبة لم تكن 99.99 %، وإنما 51% .

ثم اشتد الحبل وضيق الخناق على نظام القذافي الذي كان يحكم ليبيا وفق نظام غريب على القانون الدستوري لم يرد في فقه المؤسسات الدستورية عبر تاريخها. وأطلق على نظامه "ملك ملوك إفريقيا" تسمية الجماهيرية العظمى، وحكم البلاد مدة 42 سنة. بل وشرع على غرار النهج المصري، يفكر في توريث ابنه سيف الإسلام القذافي الذي فوض له مجموعة من الصلاحيات وبات يمارس السلطة ولو جزئيا. قاوم باب العزيزية مقاومة شرسة، لكن الثوار بمساعدة حلف الأطلسي اقتحموا معاقل الأخ قائد الثورة الذي فر فرار الجرذان وقتل شر قتلة بعد العثور عليه مختبئا بمجاري المياه. ثم جاء الدور على اليمن الذي صمد نظامه إلى حد ما حتى سقط في آخر المطاف. ثم سوريا ومازالت الحرب مشتعلة في هذين القطرين إلى يومنا هذا.

ليس الغرض من هذه المقالة هو التأريخ لثورات الربيع العربي وإنما أخذ العبر والدروس بعد المرحلة الانتقالية في هذه الأقطار التي بات المواطن فيها يتمنى أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء فيحكمه الأشد استبدادا من الحكام الساقطين ويتوق إلى دولة آمنة ولو كانت ظالمة.

ماذا جنت الشعوب في هذه الأقطار غير الخيبة وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وسيادة الفوضى؟ لقد عاد العسكر بكل قوته إلى أرض مصر واشتد الخناق على الحريات وتم الزج بالآلاف من خيرة أطر البلد في السجون وتم المناداة على السيسي بصفته نبيا مخلصا !! بل وصدر ذلك من قلعة الإسلام من الأزهر. ولو أن الوضع التونسي لا يقارن مع الأنظمة الأخرى بفعل رشد الفاعل السياسي وخصوصا الحركة الإسلامية ممثلة في حزب النهضة التي قدمت تنازلات لمصلحة الوطن ودخلت في حكومة ائتلاف وطني رغم تبوئها الصدارة في الانتخابات التشريعية.

باقي الدول تعرف أوضاعا لا تحسد عليها، حيث تردي الوضع الاقتصادي وغياب الأمن وتفشي الجريمة ودخول سرطان العصر الإرهابي، الدواعش الذين أفسدوا في الأرض فسادا، واتخذوا جميع المسلمين أعداء لهم ولم يشيروا في بياناتهم أو غزواتهم الدونكيشوطية إلى العداء مع الصهاينة بل زعيمهم البغدادي جاسوس يهودي عمل مع الموساد. وبذلك تكون داعش صنيعة قذرة من صنائع أعداء الأمة.

"لماذا سمح الغرب لـ "داعش" بالحضور والمرور والانتشار؟ الواقع أنه أراد تشويه الإسلام، والقيادات الإسلامية من جهة، وإعطاء مبرر لبعض أعماله وتصرفاته من جهة ثانية، وبذلك يقطع الطريق على الربيع العربي وقياداته وطروحاته الإسلامية" (1)

"لقد أصبحت الفتن ظاهرة ملازمة لمسيرة العرب فى التاريخ، ولم نتعلم من تكرارها شيئا. وها هي الفترة الانتقالية لما بعد ثورات وحراكات الربيع العربي المبهرة الساطعة فى سماء العالم تبتلى بكثير منها، بل لم تبق فتنة فى قاموس الفتن إلا وتم إشعالها. لقد استعمل حطب التاريخ والجغرافيا والعرق والدين والمذهب والجنس لإشعال فتن لم تخطر قط على البال السوي". (2)

"استهدف مشروع "ملالي إيران" عدة أهداف منذ العام 1979، أبرزها تغيير بنية الأمة وتركيبتها التاريخية، لذلك فهو ساهم في توليد الصراع الطائفي، وتفتيت الوحدة الثقافية، وهو بهذا التقى مع "المشروع الغربي الصهيوني".

"ولكن الأبرز في دور المشروع هو إثارة النعرات الطائفية التي زلزلت كيان الأمة، وحرفتها عن مواجهة الخطر الأساسي المتمثل في المشروع الغربي الصهيوني. " نفسه

   بفعل هذا الكيد الخارجي والمؤامرات المرتكزة على تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ، لم تفلح هذه الثورات في استتباب الأمن داخل بلدانها ولم ينعم المواطن بنسيم الحرية والانعتاق. وبات المواطن يحن إلى فترة حكم المستبد مفضلا ظلم الحاكم على واقع الفتنة التي أتت على الأخضر واليابس. فتهدم الإنسان نفسيا بفعل الحرب المستمرة داخل الأوطان وتهدم العمران الذي يؤرخ لآلاف السنين من الحضارة كما حصل بأرض العراق وأرض الشام.

وفي نظري الشخصي ودون دخول في البولميك العقيم والحماس الزائد عن اللزوم، فإن العيش تحت ظلم الحاكم المستبد والظالم أهون وأخف من العيش في الخوف والرعب وعدم الاستقرار.

ولا ننكر أن جميع الثورات عبر التاريخ قد سالت فيها الدماء وقدمت الشعوب خلالها الأرواح فداء للحرية والانعتاق، لكن الثورة تكون حاسمة والشعب معبأ من قبل نخبه ومثقفيه مستعد للتضحية بالمهج والأرواح.

يقول الله تعالى:" فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" سورة قريش.

ويقول رسول الله صلى  "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا " رواه البخاري.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان. (مجموع الفتاوى28/290).

والتجربة تبين ذلك ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان..

وما أحسن قول عبد الله بن المبارك:

لولا الأئمة لم يأمن لنا سبل *** وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

والمستفاد من هذه الأقوال أن الفتنة والفوضى شر مستطير ولا يعني ذلك البتة الاستكانة للظالم والركون له، يفعل بالرعية ما يشاء مصداقا لقوله تعالى:"ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار". ومدار ذلك في الموازنة بين المصالح والمفاسد، فإذا كان الخروج عن الإمام الظالم حاسما لن تطول الثورة عليه مع ما يستتبع ذلك من فوضى وخوف على الأموال والأنفس، تم ذلك. وإذا خيف على الناس من الفتن بعدم الحسم بإزاحة الظالم عن الحكم تم العدول عنه، والواقع المر أكبر شاهد على ما نقول خصوصا بأرض سوريا التي لم تحسم السبع سنوات العجاف الأمر لا للحاكم ولا للثوار، فأصبحت أرض الشام خرابا ودمارا بعد عراقة حضارة وإعمار.

 

 

الهوامش:

1 - الدكتور غازي التوبة في مقال دور داعش وملالي إيران في تدمير الربيع العربي. موقع الجزيرة نيت.

2 - الأستاذ محمد علي فخرو في مقال تحت عنوان ممارسة السياسة من خلال الفتن في جريدة الشروق بتاريخ 8 يونيو2013.