Friday, 21 October 2016 16:46

رسائل افتتاح الدورة التشريعية

كتبه

جاء افتتاح الدورة التشريعية في 14 من أكتوبر الجاري، قبيل تشكيل حكومة بنكيران الثالثة وحاملا رسائل سياسية غير مسبوقة.

فهل يمكن اعتبار هذا الخطاب استثنائيا؟ وإذا ما كان بالفعل استثنائيا، فهل لوروده قبل فترة تشكيل الحكومة الجديدة صلة باستثنائيته؟ وما الذي جعل منه خطابا استثنائيا؟

يبدو لي أن عمق المشكلات السياسية على مر السنين تكمن في المنتخبين، "فإذا كانوا لا يريدون القيام بعملهم ولا يهتمون بقضاء مصالح المواطنين، سواء على الصعيد المحلي أو الجهوي، وحتى الوطني، فلماذا يتوجهون إذن للعمل السياسي؟"، فهم "يتجاهلون بأن المواطن هو الأهم في الانتخابات، وليس المرشح أو الحزب، ويتنكرون لقيم العمل السياسي النبيل".

إن التساؤل والكلام أعلاه ليس لي، بل هو مقتطف من خطاب صاحب الجلالة، ويكفي هذا التساؤل وذاك الكلام ليجعل من خطاب الدخول البرلماني خطابا استثنائيا. لكن الخطاب لم يتوقف عند هذا المستوى إذ تعمق في تشخيص أعطاب الحياة السياسية المغربية.

حسب علمي لم يسبق لأي خطاب ملكي أن أثار إشكالية استقبال المواكب الملكية من قبل المواطينين حاملين رسائل مطلبية، كما لم يسبق على حد اطلاعي أن فسر الملك لجوء المواطنين إليه بتراخي الادارة وتقصيرها بخدمة المواطنين. فاقرأ كيف يتناول القضية موظفا ضمير المفرد "أنا" و"ولاد الشعب" دلالة على تمسكه بالقرب من المواطن وتكريسا لمنهج جديد في الخطاب:

"أنا بطبيعة الحال أعتز بالتعامل المباشر مع أبناء شعبي، وبقضاء حاجاتهم البسيطة، وسأظل دائما أقوم بذلك في خدمتهم، ولكن هل سيطلب مني المواطنون التدخل لو قامت الإدارة بواجبها ؟"

نعم كانت الادارة محور الخطاب؛ فبعد اشارته إلى أهمية المرحلة مقارنة بسابقتها، فصل الحديث  عن تجاوزات الادارة، فذكر الاحجام عن أداء المستحقات للمستثمرين وبعد نزع الملكية، وعدم تنفيذ الاحكام، وتعقيد المساطر وبطء الانجاز والتنفيذ، والشطط في استعمال السلطة والنفوذ، كما أثبت الخلل في كل الادارات بما فيها الداخلية والقضاء والعمل القنصلي.

ولم يفته ذكر شروط الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص للولوج إليها، وضرورة تفاني الموظفين في خدمة المواطنين حتى لا تبقى "بالنسبة للعديد منهم مخبأ، يضمن لهم راتبا شهريا، دون محاسبة على المردود الذي يقدمونه". وإذا لم تسعى كل المؤسسات إلى خدمة الواطن "فإنها تبقى عديمة الجدوى، بل لا مبرر لوجودها أصلا".

إن ظاهر الخطاب يوحي بضرورة تسريع إصلاح أعطاب الادارة وتحسين خدمتها للمواطنين، غير أن عمقه يخفي رسائل سياسية كبيرة ترمي إلى إصلاح سياسي جذري، ويعلن نهاية مظاهر مرحلة وولادة خصائص مرحلة جديدة.

ففي البداية لا يعني إصلاح الادارة خدمة المواطن فحسب، بل يمتد إلى سمعة المغرب وتعزيز مكانته بين الأمم الصاعدة، "وما دامت علاقة الإدارة بالمواطن لم تتحسن، فإن تصنيف المغرب في هذا الميدان، سيبقى ضمن دول العالم الثالث، إن لم نقل الرابع أو الخامس."

لكن ما الحل الامثل لادراك الأمم الصاعدة؟ حين يَرِد كلام عن الالتزام السياسي ! وإثارة مرحلة تدبير التقنوقراط للوزارة الأولى ! ينبغي التقاط الاشارة ! فبعد أن هُرِّبت السياسية من السياسيين لردح من الزمن، أصبح اليوم من الضروري التأكيد على "الالتزام الحزبي والسياسي الحقيقي" الذي "يجب أن يضع المواطن فوق كل اعتبار، ويقتضي الوفاء بالوعود التي تقدم له، والتفاني في خدمته ، وجعلها فوق المصالح الحزبية والشخصية".

بل أشار الخطاب إلى رسالة بعثها الملك إلى الوزير الاول التقنوقراطي ادريس جطو سنة 2002 بخصوص الاصلاح الاداري والتي لم تؤت أكلها إذ قال:" فما جدوى الرسالة التي وجهتها إلى الوزير الأول منذ 2002 وما فائدة الجهوية واللامركزية واللاتمركز، إذا استمر الوضع القديم واستمرت المشاكل السابقة ؟ إن هذا الوضع غير مقبول ، ولا ينبغي أن يستمر." 

بات الوضع القديم في طور التلاشي، ولذلك أُسرع بالوزير أخنوش إلى لبس قبعة حزب الأحرار تمهيدا لانجاح التحالف مع بنكيران في المرحلة القادمة التي ستسعى إلى وضع الحل بيد السياسي وسحبه من يد التقنوقراطي.

اقترب هذا الخطاب أكثر من لغة الشعب التي نجحت باستقطاب أصوات الناخبين، لكن بموازاة ذلك أيضا يريد للقرارات السياسية القادمة أن تواكب احتياجات الشعب الملحة واختيارات النخب السياسية الجديدة.