الإثنين, 28 تشرين2/نوفمبر 2016 15:42

"سوبرمان" و "سوبر وومن"

لازالت مجتمعاتنا العربية تتخبط في تناقضاتها الصارخة ، بتشييء الرجل والمرأة وخلق نوع من الهوة بين الجنسين، وكأن كلا منهما يعيش في كوكب بمنأى عن الآخر، تطالب الرجل بآداء أدوار خارقة وتطالب المرأة في المقابل بالمستحيل، كتلك الأفلام الكرتونية، حتى صرنا نصقع بأن رجلا أنجب جنينا وامرأة أنجبت بلا رجل، وهكذا دواليك وانقلبت الموازين، بيد أن الحقيقة الصماء أنه لا سبيل إلا للتعايش السليم ، وأن يؤدي كل دوره بعيدا عن تلك الطابوهات ...

"سوبرمان الرجل "، الذي يقفز إلى أبعد نقطة جغرافية لينقذ البشرية من الأشرار والدمار، فولاذي لا يعرف المستحيل " وسوبر وومن المرأة " بطلة ( دي سي كومكس ) التي اخترعها ( ويليام مولتون ) امرأة تشتهر بترسانة سلاحية ، لها مهارات خارقة لا تحتاج لأي كان ، و التي كانت حسب ( مولتون ) حلا جذريا لمعضلة النموذج الأنثوي الذي يفتقر للقوة والنفوذ ، فابتكر شخصية كرتونية أنثوية تحمل كافة مميزات الرجل الخارق، بالإضافة إلى الجاذبية الكاملة للمرأة الطيبة والجميلة ، وبهذا نكون قد ارتقينا في مدارج التقدم والتحرر، ولامسنا الحداثة في تجلياتها … للأسف كلها صور وهمية و لا علاقة لها بالواقع ولا المنطق ....

في المنظور العربي المتقدم إن صح التعبير " سوبرمان " هو رجل له ما له من أموال، ورصيد قوي في البنك، وسيارات آخر صيحة أو آخر موديل، يملك كل ما يخطر على البال ومالا يخطر، مثقف وكل أملاكه خالدة وليست معرضة للفناء و " و سوبر وومن " امرأة   جميلة مثقفة وكل جمالها مطلق ينطق بالسحر واليناعة، تزوج الشيك البنكي بالجسد المتناسق، و كانت النتيجة انفصال ... والسبب ... أن الشيك البنكي أفلس والجسد تغير مع تقدم العمر وتعاقب الفصول الأربعة، ففقد بريقه المعتاد .... ولأن الفكرة بنيت منذ الأصل على الوهم وعلى قناعة أن "سوبرمان " سيخلد له ماله، و أن "سوبر وومن" لن يتقدم بها العمر ولن يذبل جمالها ... مع العلم أن التغيير سنة الله في الكون ... لكنها أحبت ماله فقط وأحب هو الآخر جمالها فقط ... متجاهلين أن حب الروح للروح يدوم مادامت الأرواح فيها أنفاسها ، وحب الجسد للجسد يزول ، طالما الأجساد زال جمالها كما قيل ....

لنرجع للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته اليومية وسيتبين لنا من خلالها الدور الطلائعي للمرأة والرجل، وكيف أن تعاونهما يحقق النفع ويعود على المجتمع بالخير ...

كان عليه الصلاة والسلام يتاجر بمال أمنا خديجة، فيأتيها بربح ما لم تحصله من قبل وازدهرت تجارتها مع وجوده، فلم يزدها هذا إلا تشبتا به وحبا له، ليس بالكلام المعسول فقط بل بمواقفها الشجاعة ونبلها المنقطع النظير، إذ يشهد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا بحنان وإخلاص دافقين ( آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد الناس ( ....

العلاقة بين الرجل والمرأة يجب أن تبنى على المبدأ الإنساني، المتشبع بقيم التسامح و المحبة والتعاون والتكامل ، لا على منطق الصراع والتشاحن، والتباهي على الآخر بأنه الأقوى و أنه المطلق الذي لا يفنى، وكلما كان الرجل أرحم بالمرأة، وبخصوصياتها البيولوجية والسيكولوجية والفيزيولوجية وقدراتها العقلية، بمزاياها وعيوبها، بمحاسنها وأخطائها، وأنها الشجرة الوارفة التي يستظل بظلها و الوطن الذي يأويه ويسكن إليه ، وكانت المرأة أرحم بالرجل وباختلافه عنها ، وبخصوصياته وقدراته التي ميزه الله بها ، وبأنه البنيان القوي الذي تستند عليه وتستمد منه القوة كلما أصابها الفتور، والدرع الذي يحميها ويصونها من البراكين والزلازل ، كلما ارتقينا بالإنسان ... فمنظمومة الأسرة ... فالمجتمع ... فالوطن ... فالأمة جمعاء، وكلما تجنبنا الوقوع في مخالب الطلاق والتفككات الأسرية والظواهر المجتمعية العويصة التي تقف سدا منيعا أمام النهضة .....

لقد بنو أسرا وهدمت لأن أساسها أعوج وقوامها مشوه، وهنا يأتي الشيخ الغزالي ليبرز أنه لا مكانة لأمة ولا لدولة ولا لأسرة إلا بمقدار ما تمثل في العالم من صفات عالية ، وما تحقق من أهداف كريمة ...

الأسرة هي المحضن الأمين ، للرجل والمرأة ....

أما المفاهيم التي ترى في الرجل " سوبرمان " يملك القصور الشاهقة ويعرف كل شيء ، ويحمل كل الأثقال ولو كانت تحتاج لمئة رجل " سوبرمان " الذي لا يذرف الدمع لو تعلق الأمر بموقف إنساني، لأنه رجل والرجال صخور لا تبكي، "سوبرمان " الخالي من الأحاسيس والمشاعر ، وليس من حقه إكرام زوجته بكلمات المحبة والتشجيع، لأنه رجل والرجال حازمون و لا يخوضون في التفاهات، وفي المرأة "سوبر وومن " تتحمل التربية والتعليم والأولاد ومسؤولية الداخل والخارج ولا يحق لها أن تخلد للراحة أو ... لأن النساء هن من يقفن على قدم وساق .... فإنها لا تسعى إلا لإسقاط الأسرة (معقلا من معاقل الدين ) لأن الأساس هو التكامل بينهما ... فالرجل يكمل المرأة والمرأة تكمل الرجل ، وبهذا يتحقق مبدأ التساكن والتآلف و مبدأ الإستخلاف ، لذا صرنا نحتاج لبراديغم جديد يرد الأمور إلى نصابها ...