الجمعة, 12 أيار 2017 20:19

قاعدة تنظيمية: تدبير الخلاف أولى من الوقوع في التنازع

الخلاف بين الناس أمر طبيعي، والاختلاف في الوجود أمر تكويني، (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [هود:118،119]، وفق إرادته وحكمته وعدله، وجلال قدره وعظيم سلطانه، فعلينا أن نستحضر كل صفات الجلال والكمال، وكل أسمائه الحسنى المقدسة، لتنكشف لنا بعض أسرار هذا الاختلاف، وينقشع أمامنا شيء يسير من تجليات الحكمة والرحمة العامة، ومثل هذا لا تظهر مقاصده بالتمحل والتطوح في خضخاض الكلام، وإنما بالتمعن والتدبر في حكمة الله ومراده من الخلق، وذلك بإدامة النظر والتدبر والتفكر في آياته القرآنية وآياته الكونية، في كتابه المسطور وكتابه المنظور. إذن فليس الناس على نمط واحد، وشكل واحد، وسلوك واحد، ونفسية واحدة، ومزاج واحد،... ولكن علينا أن نعرف حدود هذا الخلاف والاختلاف، فنحرر محل النزاع فيه، حتى نخلصه من الشوائب التي تلتف به، وتكدر صفوه، وتعرقل تفعيله نحو الإيجابية المطلوبة، والفاعلية المرجوة. ثم إنه من الرشد والتعقل أن نفرق بين الخلاف الحقيقي، والخلاف الوهمي، الناتج عن دواعي نفسية وتقديرات غير سديدة ولا رشيدة، التي تفضي بلا شك إلى التنازع الذي يترتب عنه الفشل، المؤدي إلى انفصام عرى الجماعة البشرية سواء كانت في كيان جمعوي أو حزبي أو دولي أو أممي، وأعني به الأمة باعتبارها وحدة تتسم بالشمولية والاستيعابية لكافة الكيانات المنضوية تحتها، فتندثر وتتناحر وتتنازع، وهذا الذي حذرت منه الآية الكريمة في قوله تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم." والمتأمل في هذا النهي المتضمن للتحذير، فإنه وقع بين أمرين جليلين عظيمين: الأول الأمر بطاعة الله ورسوله (وأطيعوا الله ورسوله)، هذه الطاعة تقتضي أن يرد الإنسان المؤمن كافة ما يقع في طريقه وحياته إلى الله ورسوله وهذا معنى الرد الوارد في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا." [النساء:59] فلا بد من استحضار الآيات الكريمات مع منهجية الربط بينها ومراعاة سياقاتها بحيث تمثل وحدة بنائية، نستلهم منها مسائل كثيرة نفعلها في واقعنا وحياتنا. ولو فعلنا ذلك لقل خلافنا وتنازعنا وتدابرنا.

والأمر الثاني: (واصبروا إن الله مع الصابرين)، فمعية الله مع الصابرين، فالله معك يسددك ويرشدك ويلهمك الصواب، لكن بشرط أن تكون طائعا وصابرا، فالطاعة امتثال والصبر احتساب، (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).

إن حرية التعبير الفردي، لا تعني البتة أن يذهب الإنسان فيها كل مذهب، فيسيء من حيث لا يدري، ويهدم من حيث لا يشعر، وإنما الصواب الحرية المقيدة بضوابط الشرع، ومن ضوابطها أن تجلب الخير والصلاح للناس كافة، وأيضا أن نفطن إلى مسألة في غاية الأهمية والخطورة، وهي أن حرية التعبير مع إلزامية القرار المؤسساتي، بحيث للفرد الحق في أن يعبر عن رأيه ووجهة نظره بكل حرية وبكل اطمئنان، وبكل أشكال التعبير المشروعة والمتخلقة، والراقية والمتحضرة، ولكن في نفس الوقت هو ملزم بالقرارات الصادرة عن المؤسسات التي ارتضى أن يعمل من خلالها، واشترط على نفسه أن يكون لها مخلصا ووفيا، فالمسلمون كما جاء في الحديث النبوي الشريف عند شروطهم، وهنا تبرز لنا قاعدة تنظيمية أخرى وهي: أولوية العمل المؤسساتي على العمل الفردي، أو إلزامية قرار المؤسسات على قرار الأفراد، وكل هذا يؤخذ بتوسط واعتدال، فنحتاج معه إلى أن نجد صيغة توافقية دقيقة، لا يهدر فيها حق الفرد، ولا يؤتى على قرار المؤسسات بالنقض والبطلان، وهذا في تقديري لا تنحل عقدته إلا بتفعيل آلية الشورى تنظيرا وتنزيلا. إن بناء الأفراد على قيم تدبير الخلاف وترشيده وتسديدة، وبناء المؤسسات على قيم العدل والإنصاف والشورى والحوار هو المورد المعين والمنبع الأصيل للخروج من الاضطرابات سواء في الأقوال أو الأعمال، لأن الخلاف بالأقوال إذا اعتاص أمره، واشتد وباله أفضى لا محالة ولا قدر الله إلى التفرق بالأبدان، وذلك هو التنازع المنهي عنه، ولا يخفى أن الأمة حين فقدت بوصلة بناء الفكر المؤسساتي المبني على القيم الكونية والعالمية التي جاءت بها الشريعة، فإن حالها تبكي العيون من أجله دماَ، ويموت القلب بسببه كمدا. والله المستعان.