طباعة
الأربعاء, 12 أيلول/سبتمبر 2018 10:09

قول في دلالات الهجرة النبوية

شكلت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة لحظة تاريخية فارقة في حياة الإنسانية ومعلما فاصلا من معالم تاريخ البلاغ النبوي وتحقيق الشهادة على العالمين غيرت مجرى التاريخ ومسار الحضارة. ولم تكن الهجرة فرارا من فوادح الابتلاءات لاذ به الرسول  وصحابته، والقول بذلك غفلة عن طبيعة رسالته ومقاصد دعوته، بل كانت أمرا إلهيا، وكان اختيار المدينة وحيا من الله،"إني أريت دار هجرتكم، ذات نخيل بين لابتين(وهما الحرتان)"البخاري. تجلت فيها بوضوح حكمة الله تعالى ورؤية النبي  المستقبلية في تدبير شأن المشروع الرسالي، وإتمام مهمة البيان والإصلاح.

اتجه نظر النبي صوب المدينة فكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية وما تحملانه من أبعاد إيمانية ودلالات سياسية وقيم حضارية تمهيدا للهجرة وإعدادا للصفوة المؤمنة الرسالية التي ستقود عملية الإصلاح والبناء بالمدينة المنورة، وقد كان ذلك من النبي بعد أن شعر أن الملأ المكي عازمون على إخراجه.

وقد قضت سنة الله في المتآمرين على رسله بإخراجهم من بلد إقامتهم، ومحاولة التأثير على الجماعة المؤمنة بإبعاد قادتها عن مراكز التغير والإصلاح وحملها على الرحيل أنهم إذا ما بلغوا مرحلة التخطيط لاستئصال منجزات النبوة والرسالة أن يجازوا بجنس ما سعوا إليه؛ وهو فقدهم لمركزهم الاجتماعي وعدم بقائهم كجماعة بشرية موحدة ومعارضة، فلم تلبث قريش خلف النبي بمكة إلا قليلا، وذلك قوله تعالى:"وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً(77) (سورة الإسراء)

وعندما هاجر النبي وصحابته إلى المدينة كان عليه الصلاة والسلام قد أنجز عملية البناء العقدي والقيمي الممهدة لتأسيس المجتمع الإسلامي، ورسخ الأوليات الأساسية للوعي السنني لدى الصحابة متمثلة في منهج الدعوة والإصلاح، وفي خوض معتركات الابتلاء والتدافع مع الملأ القرشي، وفي شحذ الفعالية الحضارية من خلال فهم حركة التاريخ، مع رؤية استشرافية للمستقبل تستجمع شروط التحول من المجتمع المكي إلى المجتمع والدولة بالمدينة. ولما استكملت شروط الهجرة، هاجر النبي وصحابته إلى المدينة وفق سنن الله تعالى.