الأربعاء, 27 أيلول/سبتمبر 2017 12:17

مصر تستعيد الملف الفلسطيني

مجموعة أحداث تتعلق بالوضع الفلسطيني وقعت خلال الشهرين الماضيين أو أكثر قليلاً. وقد راحت أغلب التعليقات، أو المقالات التحليلية، تذهب مع كل حدث باعتباره حدثاً مفصلياً سيكون ما بعده غير ما كان عليه الوضع قبله.

عندما أطلق دونالد ترامب شعاره حول "الصفقة التاريخية"، في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو كما يقول هو في ما يتعلق بالصراع "العربي- الإسرائيلي" أو الصراع "الفلسطيني- الإسرائيلي"، ذهبت أغلب تقديرات الموقف، إلى اعتبار ما سيتبع خطوات متماسكة لتحقيق هذه "الصفقة".

ولكن التجربة أثبتت أن ما عند دونالد ترامب مجرد شعار لا محددات ولا خطة وراءه، وإنما سيبدأ بعملية استشارات. وقد راحت تتكرر الاستشارات لتدور في دائرة مفرغة حتى وصل الأمر إلى ما وصله الآن من ضياع في موقف ترامب ومستشاريه الذين كلفهم بمتابعة الموضوع. أي ما زال ذلك "الحدث" يدور حول نفسه، أو ما زال في مربعه الأول.

وقبل حوالي الشهرين أيضاً أعلن محمود عباس حملة شعواء على قطاع غزة من أجل إنهاء الإنقسام من خلال ضرب حصار غير مسبوق سيفرض على حماس أن تأتيه خاضعة مستسلمة. وذلك نتيجة لقطع الكهرباء قطعاً كاملاً، وحرمان قطاع غزة من كل أنواع المساعدة الطبية والصحية والاجتماعية، وحتى الحرمان من الماء الصالح للشرب. ولهذا صَحِبَت الإجراءات الأولى تهديدات من نوع "إن حماس سترى ما لم تره يوماً من قبل"، أو "على حماس أن تقبل الشروط وإلاّ...".

طبعاً كان من المشروع الاستنتاج بأن تكون تلك الحملة قد جاءت بالتفاهم مع ترامب ونتنياهو ولكن تبين أن هذه الحملة افتقرت للتشارور مع مصر، باعتبار السيسي (الرئيس المصري) في الجيب بسبب علاقته الاستراتيجية كما أعلن مع دونالد ترامب كما بسبب حربه الشعواء ضد حماس في غزة، أو ربما اعتبار علاقة مصر بالموضوع ثانوية.

أما الذي حدث فقد جاءت المفاجأة عبر ما جرى من لقاءات بين وفد حماس بقيادة يحيى السنوار مع وزارة المخابرات العامة المصرية، ثم إدخالها محمد دحلان على الخط (هو دخول إماراتي أيضاً)، وعقد تفاهمات مع وفد حماس تتعلق بفتح المعابر وتزويد القطاع بالكهرباء المصري، والعمل على حل ما تركه صراع 2007 في قطاع غزة من ثارات وعداوات عائلية اجتماعية، خُصص لها خمسون مليون دولار.

من يُراجع التعليقات والمقالات التي تناولت هذا الحدث الذي اعتبره البعض زلزالاً، وغضب البعض من حدوثه أشد الغضب، ثم بدأت التكهنات حول الاحتمالات المتوقعة من وراء هذه التفاهمات وكأن مصيراً جديداً قد أخذ يتشكل في الحياة الفلسطينية والصراع الداخلي الفلسطيني.

لو كان ثمة من يراقب من القمر ولا يعرف التفاصيل لشاهد محمود عباس يشن ما يشبه حملة حرب على قطاع غزة. وفي الآن نفسه لشاهد وفداً لحماس يزور القاهرة بضيافة وزارة المخابرات العامة المصرية ومعها دحلان، وبعيداً عن أي تفصيلات أو تأثر بوضع كل طرف، سيعتبر الناظر من القمر أن الحراك المصري باتجاه هذه التفاهمات كان بمثابة "اعتراض عسكري" في وجه حملة عباس ضد قطاع غزة. بل لرآه بمثابة مواجهة حربية مع محمود عباس. فعلى التأكيد جاءت هذه التفاهمات في القاهرة لتبطل مفعول حصار التجويع والتركيع الذي شنه محمود عباس، ومن ورائه دونالد ترامب ونتنياهو.

طبعاً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا يمكن أن يُتهم بأنه يريد إنقاذ حماس من الحصار فهو الأساس في ما واجهه قطاع غزة من حصار في عهده منذ 3 تموز/يوليو 2013. كما لا يمكن أن يُتهم بأنه ضد "الصفقة التاريخية" أو ضد "التسوية التاريخية" التي يريدها دونالد ترامب، كما لا يمكن أن يُتهم بالموقف ضد نتنياهو. الأمر الذي يفرض السؤال: كيف يمكن تفسير هذه التفاهمات مع حماس والإشراف على التفاهمات بين حماس ومحمد دحلان، الأمر الذي وجّه ضربة قاسية لمحمود عباس ومشروع الحصار الخانق على قطاع غزة؟

الجواب ببساطة: لا تستطيع مصر أن ترى أياً كان من ترامب، إلى عباس.. إلى نتنياهو يتصرف بالموضوع الفلسطيني عموماً، وموضوع قطاع غزة خصوصاً، بتجاهل لمصر والتعامل مع مصر كأنها متفرج لا علاقة له بالموضوع، فيما مصر تعتبر نفسها المسؤول الأول عن الملف، ومن يريد أن يفتح هذا الملف، بأية صورة من الصور، عليه أن يمر من خلال مصر، وإلاّ تحركت مصر لإعطائه الدرس المناسب لإدراك هذه الحقيقة واحترامها. فالمسألة هنا لا علاقة لها بالمحتوى السياسي.

ومن هنا يأتي الحدث الثالث وهو مجيء وفد فتح مبعوثاً من محمود عباس إلى القاهرة ليعيد أوراق المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية إلى مصر. وقد نُسيت تلك "العنتريات" التي خرجت من رام الله تتحدث عن "القرار الفلسطيني المستقل"، وترفض "التدخل المصري في الشأن الداخلي الفلسطيني" على إثر تفاهمات القاهرة ما بين المخابرات المصرية وحماس ومحمد دحلان.

لقد تلقى محمود عباس الرسالة، وأصبح الآن ملف المصالحة، أو العلاقات الفلسطينية- الفلسطينية بيد مصر. وهو ما صنع الحدث الثالث الذي أصبح مركزه القاهرة. وأصبح مصدر الأسئلة "الحائرة" من جديد. وقد طويت عملياً صفحة هجمة عباس- ترامب- نتنياهو على قطاع غزة، وطويت التفاهمات المصرية- الحماسية كما تفاهمات حماس- محمد دحلان. وكأن شيئاً لم يكن. وهكذا راحت تتوارى التحليلات التي تحدثت عن مصير مخيف للعلاقات الفلسطينية في ضوء تحليل حملة عباس على قطاع غزة والتي فرضت على قطاع غزة ظلاماً دامساً وحالة من الاختناق لا سابق لها منذ عشر سنوات. كما راحت تتوارى التحليلات التي قرأت التفاهمات بين وفد حماس برئاسة يحيى السنوار ومحمد دحلان، خصوصاً، قراءة خاطئة ومبالغاً فيها وفي مغزاها ونتائجها وذلك لنصبح الآن أمام أسئلة تتعلق بالمصالحة بين حماس وفتح بإشراف مصري وما سيتلوها من نتائج على العلاقات الفلسطينية الداخلية. والأهم تأثيرها في تطورات الأحداث اللاحقة سياسياً؟

لقد تعودنا في السابق أن نعتبر أن وراء كل حدث خطة. وهذه الخطة سوف تتتابع فصولاً. أما اليوم فالأحداث لا تقع ضمن خطة يمتلك الذي يشرف عليها متابعتها خطوة فخطوة لتصل إلى هدفها.

معادلة موازين القوى في هذه المرحلة مختلفة تماماً مما كان عليه الحال سابقاً. فقد انتهى زمن المخططات الكبرى ولا حتى المخططات الوسطى أو الصغيرة. فمؤتمر الرياض الذي ترأسه ترامب لم يُتابَع خطوة وراء خطوة. بل جاءت الخطوة "الرباعية" في محاصرة قطر في الاتجاه المعاكس له. وأصبح مؤتمر الرياض نسياً منسيا. وجاء التحرك المصري في الوصول لتفاهمات بين حماس ومحمد دحلان أو بين القاهرة وحماس لتجعل من حملة عباس- ترامب- نتنياهو ضد قطاع غزة نسياً منسيا. والآن تجيء مرحلة المصالحة المتجددة بين حماس وفتح بإشراف مصر لتجعل ما سبقها نسياً منسيا. ولكن أين سيكون موقعها في قادم الأحداث؟

إن ما فعلته القاهرة حتى الآن ينحصر في استعادة الملف الفلسطيني، وخصوصاً ملف قطاع غزة، ليعود إلى يديها، وليفهم القاصي والداني هذه الحقيقة و"يحترمها". أما ماذا ستفعل مصر كخطوة ثانية فهو مما لم يُفكر فيه بعد. فما أنجزته مصر حتى الآن كان استعادة الملف أما ماذا بعد ذلك فمتوقف على ما سينشأ من أحداث ومواقف نتيجة هذا الحدث. طبعاً صُرف هذا الإنجاز فوراً في مقابلة السيسي مع ترامب في إشارته إلى أن مصر الآن تشرف على المصالحة الفلسطينية كأنه يقول له "قل لجارايد كوشنر يبقى يمر بمصر عندما يأتي إلى المنطقة".

هذا يعني أن معادلة موازين القوى يغلب على أحداثها الارتجال وردود الأفعال وعدم وجود قوة تمتلك المخططات المتناسبة وتنفيذها. فكل ما يوضع على "النار" لا يستوي حتى الآن.