الجمعة, 07 تشرين1/أكتوير 2016 11:32

هجرة وهجرة

إن نهاية عام وبداية عام جديد لفرصة ثمينة للوقوف مع ذواتنا توبة وجبرا لمواطن التقصير والخلل، وتعزيزا لمواطن الإنجاز والقوة، واستكشافا وتفعيلا للطاقات الكامنة والأخرى المعطلة فينا، و تصميما على الارتقاء بذواتنا في مدارج السالكين ٠

عام جديد، نفتتحه بذكرى هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة، ذكرى حبلى بالقيم و الدروس الخالدة، آثرت أن أستقيها من القرآن الكريم و حديثه عن الهجرة ٠

فكيف تحدث القرآن الكريم عن الهجرة؟ وما هي الهجرة المطلوبة في زماننا؟

إن القرآن الكريم كان يتنزل معلقا على الأحداث، موجها لسلوك النبي و صحابته الكرام، فسورة الأنفال مثلا نزلت في أعقاب انتصار بدر، و سورة آل عمران نزل نصفها الأخير بعد هزيمة أحد، و سورة الأحزاب نزلت بعد غزوة الخندق، و سورة الفتح نزلت بعد صلح الحديبية، و هكذا...

قد يطرح سؤال: حدث الهجرة النبوية، ما هي السورة التي نزلت تتحدث عنه؟

المفاجأة : هذا الحدث لم تنزل أية سورة تنقل أحداثه، لأن الله عز و جل أراد لهذا الحدث أن يكون مرجعيا، تؤخذ منه الدروس على ممر الأيام، و على اختلاف المناسبات٠

أسوق هنا بعض المناسبات التي استدعي فيها حدث الهجرة :

-         مناسبة نصر بدر في سورة الأنفال٠

-         مناسبة هزيمة أحد في سورة آل عمران٠

-         مناسبة الاستنفار لملاقاة عدو قوي، و تخلف بعض الصحابة عن النصرة في تبوك٠

في كل مناسبة يرجعنا الله تعالى إلى حدث الهجرة نستقي منه العبرة٠

في سورة الأنفال، بعد نصر بدر ، يذكر الله تعالى المؤمنين بحدث الهجرة، يذكرهم بأيام الكرب و الأذى، بليالي التعذيب و الاضطهاد، بالمكر الكبير برأس الدعوة الإسلامية :" و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك٠ و يمكرون و يمكر الله٠ و الله خير الماكرين٠" الأنفال:٣٠ .

يذكرهم سبحانه وتعالى- حتى لا يتسرب الغرور إلى قلوبهم فتسكرهم نشوة النصر- بأن النصر من عند الله، و بأن من نصرهم وهم مستضعفون لا يملكون أي سبب من أسباب النجاة والنجاح، هو من نصرهم في بدر، وأمدهم بجنود من السماء تقاتل معهم٠ قال تعالى :" و اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم و أيدكم بنصره و رزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون٠" الأنفال:٢٦٠.

وفي سورة آل عمران، بعد الهجرة بسنين، يسوق الله عز وجل الحديث عن الهجرة بعد هزيمة أحد، تنبيها إلى أن الذين يدورون حول مصالحهم الشخصية، و الذين لا يزالون مفتونين ببريق الدنيا، لا يمكنهم بأي حال من الأحوال أن ينصروا أو ينتصروا للدين، فيتحدث الله تعالى عن النموذج : عن المهاجرين، الذين استعلوا على مصالحهم في سبيل مبادئهم، ضحوا بدنياهم من أجل دينهم، استحلوا الحياة بالإيمان و استعذبوها رغم ضريبة هجرة الوطن، و فرقة الأحباب و الأموال.

بمثل أولئك ينتصر الإسلام و ينتشر ويثير الاقتداء، قال تعالى : " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض٠ فالذين هاجروا و أخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم و لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله، والله عنده حسن الثواب٠" آل عمران:١٩٥ ٠

والمناسبة الثالثة ذكرت آياتها في سورة التوبة في قوله تعالى :" إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا٠" التوبة:٤٠ .

هذه الآية نزلت بعد الهجرة بتسع سنوات، عندما دعي المسلمون لمقاتلة الروم في غزوة تبوك، و الروم آنذاك قوة عظمى، ذات جيش جرار، و خارجة لتوها من نصر على دولة فارس.

نزل القرآن يعاتب المخلفين الذين خافوا العدو، و استصعبوا ظروف الجهاد من حر و بعد مسافة٠ قال تعالى : " يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم الله عذابا أليما و يستبدل قوما غيركم و لا تضروه شيئا٠ والله على كل شيء قدير، إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا٠" التوبة: ٣٨-٤٠ ٠

يذكر الله المتثاقلين بالبداية كيف كانت مع رجل واحد، مطرود من وطنه، مطارد، رصدت للقبض عليه وقتله الجوائز، كيف كافح، وثبت، وثبت من معه، كيف كان يستشعر معية الله في أحلك الظروف، ويثق كل الثقة بأن الله ناصره ولو بعد حين، فكان له ذلك، واستطاع ومن معه أن يصنعوا حضارة أضاءت الدنيا عدلا و رحمة٠

إذن حدث الهجرة هو أكبر فعلا من أن تؤطره سورة، اختار الله تعالى أن ننهل من ينابيعه دائما حتى نستعيد البوصلة التي قد تضيع منا في تيارات الحياة٠

إن الهجرة النبوية ليست فقط ذلك السفر من مكة إلى المدينة، و ليست ذلك الحدث الذي نستدعيه كلما لاح هلال محرم ، إنها منهج حياة٠

الهجرة دائمة دوام الامتحان الذي نخضع له كل يوم، امتحان سؤاله المحوري : هل نحن مع المبدأ أم مع المصلحة؟

أصحاب المبادئ يحيون لدينهم، يحيون لربهم، يدورون مع الحق حيث دار، رغم المساومات والإغراءات.

أصحاب النفوس الكبيرة مكافحون باستمرار من أجل دينهم، لا يملون و لا يكلون، لا يتشاءمون، و لا يكتئبون مهما تتابعت المحن.

المتأمل في حياة رسول الله، حمل الرسالة و هو في الأربعين، عانى ما عاناه من أذى وابتلاءات، وظل القرآن المكي يتنزل لمدة ثلاثة عشر سنة يبشره بالنصر القريب " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون٠" الصافات:١٧١، وقوله تعالى في سورة الروم:" وكان حقا علينا نصر المؤمنين" الروم : ٤٧ ٠٠

رغم كل ذلك، وبعد مرور ثلاثة عشر سنة، و حين كان الحبيب صلى الله عليه وسلم في الثالثة والخمسين من عمره، يجد نفسه مضطرا للخروج من وطنه متخفيا طريدا٠

كل هذا يوضح أن حبل الجهاد طويل، يحتاج إلى نفوس مكافحة لا تقهرها العوائق، ولا تثنيها العلائق٠

يحتاج إلى سواعد قوية تبذل وسعها في بذل الأسباب المادية كأنها كل شيء، وقلوب تتوكل على ربها كأن الأسباب لا شيء، لأن الأسباب ما هي إلا أدوات للقدرة الإلاهية٠

يحتاج إلى عقول تعي المساحات الجديدة للهجرة.

إن الهجرة المطلوبة في زماننا هي هجرة :

-         من التمركز حول المصلحة إلى التمركز حول المبدأ٠

-         من التقوقع على الذات إلى الانفتاح على المجتمع٠

-         من التنازع و الفرقة إلى التطوع و التعاون٠

-         من التبرير إلى النقد الذاتي البناء٠

-         من العشوائية إلى السننية٠

-         من الاستعلاء إلى التواضع و خفض الجناح

-         من الفتور إلى الفعالية

-         من الانتظارية إلى المبادرة

-         مما نهى الله عنه إلى ما أمر به٠٠٠

هجرة تعالج أدواءنا، فنصير بها أنقى و أتقى لله رب العالمين٠

و ختاما، كلما نضجت أفكارنا ومشاعرنا، وكلما تنوعت خبراتنا وتجاربنا، كلما ترشحنا إلى مستويات أعلى وأعمق من الهجرة٠ والله المستعان.