×

Warning

JUser: :_load: Unable to load user with ID: 64
Saturday, 12 January 2008 00:00

تعقيب على مقال الشيخ عائض القرني/يحيى الكرامي

كتبه

انتقد الشيخ عائض القرني في مقال له بجريدة الشرق الأوسط تحت عنوان " الإسلام السياسي في مأزق"، منهج "المواجهة مع الحكام والصدام الدموي دون فهم لسنن التاريخ وتدبر للواقع"، كما انتقد "التصعيد الحاد في الخطاب، وطلب المنازلة، والحرص على المواجهة وطلب الحكم والحرص على الكرسي بأي ثمن"، وتساءل عن "كيف نجعل إقامة الخلافة من أهم مطالب الدين ومقاصد الملّة كما قالت الشيعة في الإمامة، مع أن أهم مطالب الدين كما قال الشيخ، "هو الإيمان بالله وحده وإفراده بالعبودية واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بطاعته".

وقد عزز الكاتب انتقاده بالسؤال عن الحصيلة التي "جنينا من المواجهة الدموّية مع النظام في مصر وسوريا والجزائر وتونس غير السجون والقتل ويُتم الأبناء وضياع الأسر وحظر الدعوة والتضييق على العلماء؟" ثم بعد ذلك قدم نموذجا للاقتداء حيث حيا حزب العدالة والتنمية التركي وشهد له بالحكمة والصبر والذكاء والدبلوماسية وفهم الواقع وفقه المناخ الدولي.

وهذا الكلام جدير بالتقدير ويستحق الاحترام، ولا يتصور أن يعترض عليه عاقل متتبع لواقع الساحة وتفاعلات أحداثها، لكن الكاتب إذا كان يتوجه بخطابه هذا إلى ما سماه بتيار الإسلام السياسي، فإنه في الحقيقة لا يضيف شيئا جديدا، لأن هذا التيار هو الذي يرجع إليه الفضل الأكبر في التأسيس لهذه الأفكار التي يدعو إليها الآن الكاتب، فتيار الإسلام السياسي كما سماه الشيخ، قد تجاوز هذا الفكر وقطع معه منذ زمان، وقد خاض من أجل ذلك مسارا طويلا من التقييم والمراجعات العميقة والنقد الذاتي، والنقاشات الساخنة والحوارات الطويلة، كانت حصيلتها، القطيعة مع فكر المقاطعة والعزلة الشعورية والمواجهة مع الحكام والأنظمة، والانتقال إلى المشاركة والمخالطة الإيجابية والصبر على الأذى والتعاون على الخير مع الغير.

فالإخوان المسلمين مثلا في مصر، قطعوا مع هذا الفكر منذ زمن بعيد، وانخرطوا في العمل السلمي، والمشاركة في الانتخابات، إلى جانب عملهم التربوي والتأطيري، ورغم تعرضهم للاعتقالات والمحاكمات العسكرية، ما فتئوا يعلنون عن نبذهم للعنف، وآثروا الصبر على الأذى والاحتساب. والإخوان المسلمين في سوريا كذلك، قد قطعوا مع هذا الفكر منذ أحداث حماة، وما فتئوا يعلنون عن نبذهم للعنف وتبنيهم للعمل السلمي.

وأما حركة النهضة في تونس فإن رئيسها الشيخ راشد الغنوشي يعتبر من أهم المؤسسين والمنظرين لفكر الوسطية والاعتدال، والمشاركة الإيجابية، ومن يرجع لكتاباته يجدها تفيض بذلك. وحتى الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، التي كانت ضحية لانقلاب عسكري على نتائج الانتخابات، قد وضعت السلاح منذ زمن، وحلت الجيش الإسلامي للإنقاذ، وبادرت إلى الإعلان عن وقف المواجهة من طرف واحد قبل حتى أن تأتي مبادرة الرئيس بوتفليقة التي سميت بمبادرة الوئام المدني، بل إن جزءا من هذا الإسلام السياسيي، وبالخصوص حركة مجتمع السلم، قد انخرطت في العملية السياسية بل وهي مشاركة في الحكومة، وهناك من انخرط في المعارضة من داخل البرلمان، وحتى مدني مزراق الأمير السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ يسعى الآن لتأسيس حزب سياسي، والدولة هي التي ترفض الترخيص لهذا الحزب.

وأما في المغرب، فتكفي الإشارة إلى جزئية صغيرة ولكنها مهمة، قد لا يعلمها البعض أو لا ينتبه إليها، وهي تؤشر على تجذر الوسطية والاعتدال في الفكر والممارسة السياسية وما يقتضيه ذلك من نبذ للعنف، وهي أن حزب العدالة والتنمية التركي، الذي أثنى عليه الشيخ وقدمه كنموذج للاقتداء، والذي أسسه رجب طيب أردوغان وعبد الله غول سنة 2001م، قد أخذ اسمه وحتى شعاره الذي هو رمز المصباح، من حزب العدالة والتنمية المغربي، وذلك بعد زيارات للمغرب واطلاع على ووثائق الحزب وعلى فكره وتجربته ومنهجه في الإصلاح، دون أن ينقص ذلك بطبيعة الحال أو أن يبخس الإسلاميين الأتراك دورهم الكبير في إنضاج الخطاب والممارسة عند ما اصطلح عليه بتيار الإسلام السياسي، وخاصة مع الأستاذ نجم الدين أربكان ومع الأستاذين أوردوكان وعبد الله كول.

وبالتالي فإن الشيخ حينما يتوجه بخطابه إلى تيار الإسلام السياسي فإنه لا يضيف شيئا جديدا، لأنه يصبح تحصيل حاصل، والأَولى بهذا الخطاب أن يتوجه إلى بعض التيارات التي تسمى بالسلفية الجهادية، كتنظيم القاعدة في الجزائر وما شابهه من التنظيمات التي لا زالت تفضل حمل السلاح والصعود إلى الجبال ومواجهة الحكام والجيش والشرطة وحتى المصالح الحيوية للدولة، تماما كما فعل الشيخ سلمان العودة حينما توجه بندائه مباشرة إلى الشيخ أسامة بن لادن، وبذلك يكون الخطاب قد توجه إلى وجهته الصحيحة.

أما إذا كان القصد من المقال هو توجيه الخطاب لحماس فإن الأمر يحتاج إلى نقاش، لتحديد ما يمكن انتقاده على حماس، هل موقفها المتصلب تجاه الاحتلال ورفض الاعتراف بدولته؟ أم ما أقدمت عليه مما سمته بالحسم العسكري في قطاع غزة؟ ففيما يخص الموقف من إسرائيل فإن حماس التي كانت تركز عملها بالأساس على المقاومة المسلحة وتنفيذ العمليات الاستشهادية في عمق أراضى 48، في تل أبيب ونتانيا وغيرها، قد دشنت خطا جديدا وهو خط العمل السياسي، وقبلت بإعلان الدولة على حدود 67، وقبلت بالدخول في هدنة طويلة الأمد، بل وانخرطت فيها عمليا والتزمت بها رغم أن الاحتلال كان يبادر أكثر من مرة لخرقه.

ألا يشكل هذا تحولا كبيرا لحماس ونضجا في الفكر والممارسة، وجب تقديره والثناء عليه، أليست هذه حكمة وفقها للواقع، حتى ظهر من يقول للأمة عظم الله أجركم في حماس، فلم يبق إلا الاعتراف بشرعية الاحتلال ودولته، وهذا ما لا يمكن تصور أن تقبله حماس، لأنها تعلم علم اليقين أنها حتى لو اعترفت فإن الاحتلال لن يكتفي بذلك ولن يتوقف عنده، والتجربة أثبتت ذلك وبالملموس، وما قصة ياسر عرفات رحمه الله عنا ببعيد، فرغم أن الرجل اعترف بإسرائيل، ورغم أنه ما توقف أبدا عن المفاوضات، والتقبيل، والعناق، ورغم توقيعه على اتفاقيات أوسلو وأخواتها، ورغم تقاسمه لجائزة نوبل للسلام مع إسحاق رابين، فإنه في آخر أيامه نعتوه ووصفوه بالإرهابي، وحاصروه بالدبابات والقنابل، ودمروا مقر المقاطعة فوق رأسه، وقطعوا عليه حتى الماء والكهرباء، وفي الأخير سمموه وقتلوه، وخلال الزيارة الأخيرة التي قام بها بوش للأراضي الفلسطينية رفض حتى مجرد الوقوف على قبره.

وأما فيما يخص موقف حماس من الساحة الداخلية، فإن حماس، كباقي مكونات ما يسمي بتيار الإسلام السياسي، سعت إلى الانخراط في خيار المشاركة السياسية والعمل من داخل المؤسسات الدستورية والشرعية، وشاركت في الانتخابات.

ورغم حصولها على الأغلبية الساحقة، فإنها ومنذ اللحظة الأولى عرضت على باقي المكونات المشاركة في حكومة وحدة وطنية، بعيدا عن أسلوب الإقصاء والهيمنة.

ولكن هناك من راهن على فشلها وعجزها عن تحمل المسؤولية فرفضوا المشاركة في حكومة تقودها حماس، فتحملت مسؤوليتها كاملة، وشكلت الحكومة وباشرت العمل، وحينما فشل الرهان على سقوطها عادوا للمطالبة بحكومة وحدة وطنية، فتنازلت حماس وقبلت، وقدم هنية استقالة الحكومة الأولى وشكل حكومة وحدة وطنية، وقبلت حماس بوثيقة الأسرى أو ما عرف بوثيقة الوفاق الوطني، ووقعت على اتفاق مكة، وعبروا عن مرونة سياسية بالغة، ولكن كل ذلك لم يكف ولم تتوقف أعمال التخريب والانفلات الأمني، حتى عمت الفوضى واستبيح الدم الفلسطيني، فجاء ما سمي بالحسم العسكري، الذي اعتبرته كآخر دواء الذي هو الكي. لأن الذي يده في الماء ليس كالذي يده في النار.

وحتى ما سمي بالحسم العسكري لم يكن انقلابا على نظام الحكم ولا على شرعية الرئيس، بل بقيت حماس ومنذ اللحظة الأولى تعلن تشبثها بشرعية المؤسسات، وتعترف برئيس السلطة، وتمد يد الحوار إليه، وسمع الجميع كيف كان عباس يعلن أن لا حوار مع القتلة، ويقصد حماس، في الوقت الذي يلتقي بـ"أولمرت" ويصافحه، ويقبل وزيرة خارجيته، وكأنه يعلن أن حماس قتلة وأن الصهاينة ليسوا بقتلة. فهل من الحكمة تحميل حماس أكثر مما تطيق أم أن الحكمة تقتضي مطالبة عباس الذي أدار ظهره حتى لنداء كل من مصر والسعودية والأردن التي تعتبر من دول الاعتدال، حينما عرضت عليه مبادرة للحوار الوطني الفلسطيني، وراح يهرول نحو جورج بوش وأولمرت.

المطلوب من كل الحكماء في هذه اللحظة، ليس هو التحول إلى أداة ضغط جديدة على حماس إلى جانب كل الضغوطات القائمة، وكأن الذي فيها لا يكفيها، وكأن كل المرونة التي أبدتها لا تكفي، بل المطلوب هو مطالبة عباس بشيء من التعقل وتلبية نداء كل من مصر والسعودية والأردن واليمن وجامعة الدول العربية، وكل الفصائل الفلسطينية، بالانخراط الفوري في حوار وطني مسؤول وجاد، وأن الحوار مع الصهاينة في أنابوليس أو غيرها ليس بديلا عن الحوار الداخلي، من أجل تمتين الجبهة الداخلية ورص الصفوف والاجتماع على كلمة سواء.