الجمعة, 25 كانون2/يناير 2008 00:00

حصار غزة في انهيار /يحيى الكرامي

ابتدأ المشاركون في إحدى الوقفات التضامنية مع الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة، أمام مبنى الأمم المتحدة بالرباط، والتي كانت بمثابة واحدة من أشكال الاستجابة للحملة الدولية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، برفع شعار يقول: رغم الجوع والحصار، غزة حرة لن تنهار. وكان المشاركون يرفعون الشعار بثقة ويقين، ويتفاعلون معه بحماس كبير. فهل كانوا يبالغون برفع هذا الشعار؟، أم أن في الأمر ما يجعلهم مؤمنين به عن وعي وإدراك؟.

 

هل انتهت الانتفاضة بعد مائة يوم أم انتهى شارون؟

 

للجواب على هذا السؤال لا بأس من الرجوع بالأحداث ولو قليلا إلى الوراء، حين أقدم مجرم صبرا وشاتيلا، الإرهابي شارون في عنجهية ووقاحة، على استفزاز المسلمين، عندما قام باقتحام المسجد الأقصى وتدنيسه بعجرفة منقطعة النظير، في استخفاف تام بكل العرب والمسلمين، فلسطينيين وغير فلسطينيين، حكاما ومحكومين، شعوبا ودولا، في تحد واضح لمشاعر لأمة بأكملها. فكان الجواب في الحينِ سريعا وفي نفس اللحظة، بإشعال انتفاضة شعبية انتقاما لحرمة المسجد الأقصى، وانتقاما لكرامة الأمة، وتعبيرا عن الغضب من ظلم الاحتلال الصهيوني. وقد شاهدنا في تلك اللحظة شارون وهو يقطع وعدا على نفسه ويراهن على إنهاء الانتفاضة في أيام معدودة حددها في مائة يوم. وقد مرت المائة يوم ولم تزدد الانتفاضة إلا اشتعالا وتوسعا، ومرت السنة والسنتين والثلاث سنوات... والانتفاضة مستمرة، رغم الاعتقالات والقتل والحصار واقتحام جنين، بقيت الانتفاضة مستمرة، بل أحيانا الله حتى شاهدنا نهاية ذلك المجرم شارون سياسيا ودماغيا (بالموت الدماغي)، دون أن تنتهي الانتفاضة.

 

فَشِلَ الجدار وأبدعت المقاومة.

 

كما شاهدنا ذلك حين أقدم الكيان الصهيوني العنصري على إغلاق الحدود، والسيطرة على المعابر بين الضفة الغربية والأردن، وبين قطاع غزة ومصر، بحجة منع تهريب السلاح للمقاومة، ثم أقدم على بناء جدار عازل، يشبه جدار بَرْلين الذي انهار مع انهيار الشيوعية، لمحاصرة الفلسطينيين وعزلهم عن العالم، بحجة منع تسرب الاستشهاديين، فكان الجواب من الفلسطنيين الذين حاصرهم العدو من كل جانب، وحشرهم في الزاوية، هو أنهم خرقوا الأرض عبر أنفاق تتجاوز الحدود لفك العزلة والحصار، وأنفاق أخرى تتجاوز الجدار العازل، لتزلزل الأرض من تحت أقدام العدو، في عمليات نوعية عديدة، مثل تلك التي أسفرت عن أسر الجندي الصهيوني "كلعاد شاليط" من قلب الثكنة العسكرية المحصنة. وكان الجواب أيضا مُفْحِمًا حين تَفتق العقل الفلسطيني في ظل حصار محكم وبإمكانيات جد متواضعة، وأبدع في إنتاج صواريخ تقليدية الصنع، عمل على تطوير مداها يوما بعد يوم حتى أصبحت تتجاوز الجدار وتؤرق العدو.

 

انتهى دحلان والجنرال دايتون وبقيت المقاومة.

 

وشاهدنا كذلك كيف راهن الأعداء والخصوم على إسقاط الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني، وحاولوا الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية التي كرست خيار المقاومة، من خلال حرب إعلامية شعواء، وحصار ظالم على جميع المستويات السياسية والاقتصادية وغيرها، ومنع المساعدات والمنح التي التزم بها المجتمع الدولي، عن الشعب الفلسطيني، و قتل واعتقال البرلمانيين والوزراء المنتخبين ديمقراطيا، والزج بهم في السجون، وزرع الفتن والقلاقل وتشجيع الانفلات الأمني، وحجز أموال الضرائب، وعملوا على كل المستويات وكل الجبهات حتى وصل الأمر إلى إعداد خطة عسكرية، أشرف عليها الجنرال دايتون شخصيا، لإسقاط الخيار الديمقراطي بقوة السلاح، وأوكلت مهمة التنفيذ لمحمد دحلان، بعدما لم تنجح أية واحدة من الخطط السابقة، لا الحملات الإعلامية، ولا الحصار، ولا الفتن الداخلية، فشلت كلها في تحقيق الهدف.

ورأينا دحلان الذي كان يتوعد بأن يجعل حماس ترقص على "الشّنَاكِل" وبأن نهاية حماس ستكون على يديه، فأحيانا الله حتى رأينا نهاية "دحلان" من غزة ثم من الساحة الفلسطينية بأكملها. وفي المقابل رأينا الشعب الفلسطيني يحتضن المقاومة، ويكرم حماس بالحضور المكثف في أكبر حشد جماهيري في تاريخ الفصائل الفلسطينية، ذلك المهرجان الذي أحْيا وخَلد الذكرى العشرين لانطلاقتها.

 

غزة تحت الحصار، هل نتفرج؟

 

فهل سينجح العدو هذه المرة في إخضاع قطاع غزة تحت وطأة الحصار والجوع، أم أن إرادة الشعب الفلسطيني وكرامته لا تسمح له أن يقبل بالظلم مقابل الحصول على الخبز. هل سيعجز عن أن يبدع أشكالا ووسائل جديدة لفك الحصار والعزلة، أم أنه سيتحدى الحصار والاحتلال كعادته بصموده، وعزيمته القوية وإرادته الصلبة.

فعلا إن هذا الشعب لا يتوقف عن صنع المعجزات فها هو يبدع فعلا في أساليب كسر الحصار حينما ثار واقتحم بوابة معبر رفح على الحدود مع مصر في تحد واضح للحصار الظالم ولكل من يقف وراءه. في الوقت الذي كان الصهاينة وأعوانهم يضيقون الخناق على السكان ويمنعون عنهم أبسط متطلبات العيش ويراهنون على أن يثور السكان في وجه حماس إلا أن أملهم خاب، عندما أثبت لهم الشعب أنه يعرف جيدا في وجه من يجب أن يثور ولذلك كانت ثورته ضد الحصار وأصحابه وليس ضد المقاومة و أبطالها.

ولكن ما موقع الشعوب العربية والإسلامية مما يجري لإخوانهم تحت أنظارهم على يد أعداء الإنسانية. هل ستهب هذه الشعوب لكسر الحصار، كما عودتنا دائما في المحطات الحاسمة، أم أنهم سيتابعون الأحداث عن بعد.

لقد عملت أمريكا وكل من حالفها على منع جمع الأموال والتبرعات للفلسطينيين في كل أنحاء العالم تحت ذريعة تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، فأغلقت الحسابات البنكية، وحلت الجمعيات الخيرية، وحاكمت كل من يجمع التبرعات للشعب الفلسطيني الجريح، وأرهبت الناس وتوعدت، ولاحقتهم في كل مكان في العالم، ورغم ذلك فإن الشعوب العربية والإسلامية لم تعدم الحيلة للاستمرار في الدعم، فأبدعت في الوسائل والأساليب، ولم تبقى مكتوفة الأيدي.

لذلك يبقى الأمل معقود الآن في أن تتواصل هذه المبادرات وتتضافر في حملة دولية عالمية لكسر الحصار الظالم على سكان قطاع غزة، ينخرط فيها كل شريف في العالم بأكمله، شرقه وغربه، شماله وجنوبه. ورغم أن المبادرة جاءت متأخرة إلا أن الأوان لم يفت بعد، ولابد من الانخراط فيها بكل قوة وكثافة، والاستمرار فيها إلى أن تحقق هدفها.

ولكن هل هذا يكفي، لا شك أن الأمر يحتاج إلى تظافر الجهود على جميع المستويات، وعلى جميع الأصعدة، دون كلل ولا ملل. للضغط في اتجاه تحقيق الهدف وكسر الحصار، ورفع الظلم، الذي يمارسه الإحتلال. فما رأي حكامنا، الرؤساء والملوك، فيما يجري من قتل بطيء وجماعي لمليون ونصف المليون إنسان فلسطيني. أم أن الأمر لا يعنيهم؟!.