×

Warning

JUser: :_load: Unable to load user with ID: 64
Sunday, 11 May 2008 00:00

رسائل في الذكرى الستين لنكبة فلسطين/ يحيى الكرامي

كتبه

تحل على الأمة ذكرى حزينة وأليمة، تعد من أسوأ الذكريات في تاريخنا المعاصر، إنها ذكرى نكبة فلسطين، التي وقعت في قبضة الصهاينة الغاصبين المحتلين، بعد أن عملوا في أهلها تقتيلا وتشريدا، وفي محاصيلهم نهبا وإحراقا وإفسادا، وفي منازلهم ومساجدهم تهديما وتخريبا، وفي أراضيهم وحقولهم اغتصابا واحتلالا.

فلا ينبغي أبدا أن تمر مثل هذه المحطة مرورا عابرا، بل لابد أن تكون مناسبة لإحياء ذاكرة الأمة، ووعيها الجماعي، ومناسبة للإبقاء على جذوة القضية متقدة، حية في وجدانها، وفي وعيها الجماعي، تحملها الأجيال جيلا بعد جيل، حتى يرجع الحق لأصحابه، وتعود للأمة عزتها وكرامتها، وهيبتها ومكانتها.

إن استحضارنا لهذه الذكريات وإن كانت حزينة وأليمة، فهي تذكير للأجيال، لأن الذكرى بكل تأكيد تنفع المؤمنين، فهي تُحَصِّن الأمة من النسيان وتُقَوِّي مناعتها ضده، وتُبْقي على الذاكرة حية وحاضرة، وتُذَكر الأجيال بالأرض التي اغتصبها الأعداء، وبالمقدسات التي سرقها المحتل ودنسها، وبالأرواح البريئة التي أزهقها، وبالدماء التي استباحها وأراقها.

علينا أن نجعل من هذه المحطة مناسبة لتجديد العهد، على عدم النسيان، وعلى عدم التخلي، ومناسبة لتجديد العزم، على حِفظ الأمانة، وعلى مواصلة مشوار النضال والجهاد، على درب أشراف هذه الأمة وأبطالها الأحرار، على درب عمر ابن الخطاب وخالد ابن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، على درب عز الدين القسام وأحمد ياسين، على درب عشاق الحرية، وعشاق الشهادة في سبيلها.

إن مرور ستين عاما على احتلال فلسطين، لن يزيدنا إلا إصرارا على مواصلة الجهاد والنضال، بكل الأشكال والأساليب، دون كلل ولا ملل، إن ستين عاما لا تساوي شيئا في تاريخ الأمم والحضارات، فالجزائر وحدها على سبيل المثال، بقيت تقاوم ضد الاحتلال طيلة قرن وثلاثة عقود من الزمن، حتى تمكنت من انتزاع استقلالها، بفضل الإصرار على الاستمرار في طريق المقاومة، وعدم الاستسلام للأمر الواقع مهما طال الزمن، لأن حق الشعوب في أراضيها لا يسقط بالتقادم، ولأن الحق ينتزع ولا يعطى.

إن استمرار المقاومة في فلسطين لحد الساعة، رغم مرور كل هذه المدة على احتلالها، لا يزيدنا إلا يقينا في أن هذه الأمة لا تستسلم للعدو أبدا، ولا تعترف بالأمر الواقع أبدا، ولا تنسى حقها مهما طال الزمن أبدا.

وإن تصاعد خط المقاومة والممانعة واتساع رقعتها يوما بعد يوم، وسنة بعد سنة، لا يزيدنا إلا ثقة وثباتا، ولا يزيدنا إلا عزما وإصرارا.

صحيح أن هذه الأمة قد ابتليت ابتلاء عظيما، وتسلط عليها حكام فاسدون، وأمراء مترفون، وخونة مرتزقون، باعوا القضية وتخلوا عن الأرض، وعن العرض، وتخلوا عن الشرف، وسلموا في الكرامة، وتجردوا من كل نخوة، ومن كل أَنَفة، ومن كل عزة وكبرياء، ورضوا بالذل وبالهوان، ورضوا بالتبعية والاستسلام.

وصحيح كذلك أن هذه الأمة قد تكالب عليها الأعداء، وتداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، واحتلوا أراضيها، وسرقوا خيراتها، ونهبوا ثرواتها، وأهانوا أبناءها وأعملوا فيهم بالتقتيل وبالتنكيل، وعملوا على تفريقهم وتشتيتهم، ولم يدخروا جهدا في إذكاء الفتنة وإشعال الحروب بينهم.

ولكن بالرغم من كل ذلك، فإن تاريخ هذه الأمة، يخبرنا عن التتار، الذين وإن تمكنوا من هزيمتها عسكريا، في فترة من الفترات، إلا أنها سرعان ما هزمتهم، ليس فقط عسكريا، على يد المماليك، بقيادة قطز وبيبرس، بل هزمتهم حضاريا، حيث انتهى التتار، وبقيت الأمة مستمرة.

كما يخبرنا التاريخ عن الصليبيين، الذين وإن احتلوا القدس، ما يقارب القرن من الزمن، إلا أن الأمة سرعان ما هزمتهم، في معركة حطين، بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وطردتهم من القدس، وحررتها وأعادتها إلى حظيرتها.

بل إننا نلاحظ حاليا ونرى بأم أعيننا، أن المشروع الصهيوني في تراجع مستمر، يوما بعد يوم، ورأينا حلم الصهاينة في إقامة دولة إسرائيل الكبرى قد تبخر، بعدما كانوا يسعون لجعلها دولة من النيل إلى الفرات.

ورأيناهم يتراجعون ويندحرون، من جنوب لبنان. كما رأيناهم يتراجعون ويهربون من قطاع غزة، تحت ضربات المقاومة، وها نحن نسمع هواجسهم وتفكيرهم في الخروج من الجولان، ونراهم يتراجعون ليتحصنوا ويختبئوا خلف الجدار لعله يحميهم، من الضربات الموجعة، ولكن هيهات، بعد أن أبطلت المقاومة مفعوله بصواريخها التي تقض مضجعه، وبأنفاقها التي تربك كل حساباته، وتنغص عليه حياته.

إن هذه الذكرى مناسبة لتحية المقاومة في فلسطين، وفي العراق، وفي أفغانستان، وفي الصومال وفي كل العالم، ومناسبة لتحية كل الأحرار الذين يقولون لا للاستسلام، وكل الذين يقفون في وجه الظلم والظالمين، وفي وجه الطغاة والطغيان، وكل الذين يرفضون الذل والهوان.

إنها مناسبة لتحية أطفال فلسطين، أولئك الأبطال العمالقة، الذين يُعَلِّمون العالم الدروس البليغة كل يوم في عشق الحرية، وفي حب الوطن، وفي صناعة أحداث التاريخ وتسطير فصوله، أطفال على الفطرة رضعوا حليب العزة والكرامة، ورووا الأرض المباركة بدمائهم الزكية، أطفال رفعوا رأس الأمة في زمن الذل والهوان، أطفال رفضوا الخضوع والنسيان، أطفال ولكنهم رجال.

وإنها مناسبة كذلك لإدانة الحكام الأقزام، الذين تخلوا عن فلسطين، وشاركوا في محاصرة شعبها، وتواطئوا على بيعها، وقبضوا أثمانا بخسة وبئس ما فعلوا، لقد تخلوا عن كل شيء، وباعوا كل شيء، وفرطوا في كل شيء. وهُم أمام الأعداء ، لا يتجرؤون حتى على مجرد أن يحدثوا أنفسهم بالصمود والثبات، فلا يعرفون إلا التنازلات تِلْوَ التنازلات، لقد أهانوا الأمة أمام أعدائها، ومرغوا كرامتها وعزتها في الوحل، تراهم في مواجهة شعوبهم كالوحوش الضارية، التي تبطش ولا ترحم، يَسْتَأسدون على شعوبهم، ويتجبرون عليها، يكتمون الأنفاس، ويتفننون في التعذيب والقهر، ونهب الأموال، وإذا رأيتهم أمام الأعداء لا تراهم إلا كالنِّعاج والخِراف، لا يهشون ولا ينشون، يصدق فيهم القول: "أَسَدٌ علي وفي الحروب نعامة"، يتكالبون على الأموال وعلى الكراسي، ويُفَرِّطُون في الثغور وفي الحِمى، إنهم جزء من الداء وجزء من البلاء، وهذه مناسبة لتذكيرهم بِخِزْيِهم وبالعار الذي يغرقون فيه.

وهي مناسبة لفضح المطبعين والمهرولين نحو العدو، وفضح الخونة المستسلمين، الذين باعوا ضمائرهم، ولا يتوقفون عن تحبيط الأمة، وتثبيط عزائمها وتيئيسها، ولا يتورعون عن خذلان أمتهم وخيانتها بالارتماء في أحضان الأعداء، إنها مناسبة لكشف أهدافهم وفضح مخططاتهم، قبح الله سعيهم.

إنها مناسبة لتجديد الثقة في خيار المقاومة والممانعة، وخيار الرفض والثبات، والتمسك بخيار الصمود والتحدي.

مناسبة لِتُجَدِّدَ الأمةُ العهدَ والعزمَ على دعمِ المقاومة ماديا ومعنويا، ودعمها ميدانيا وإعلاميا، ودعمها في السراء والضراء، والدفاع عنها في المحافل والمهرجانات، وفي الكتابات والمقالات، وبالصوت والصورة، وبالمال والدواء والغذاء، وبالمسيرات والمواساة والدعاء، وبإطلاق المبادرات لرفع الحصار الظالم، وإيصال المساعدات، وبكل شيء صغير أو كبير.

إنها معركة حضارية، تدور في الأرض المباركة، وعلى الأمة أن تكون في مستوى الحدث، وإن المعول في هذه المعركة على الشعوب وعلى الأبطال، أما الأقزام، فلا يصنعون نصرا، ولا يُعَوَّلُ عليهم في الشدائد، وإننا إذا تخلينا عن واجبنا، وتخاذلنا وتقاعسنا، فَلَسَوْفَ يستفرد بنا الأعداء واحدا بعد الآخر، ولَسَوْف يأتي الدور علينا جميعا، وحينها سيقول كل واحد منا، كما قال الثور الأسود، يوم جاء عليه الدور: "أُكِلْتُ يوم أكل الثور الأبيض".

ولكن ما دام باقٍ في الأمة، من يعرف معنى العزة والكرامة، ومن يعرف معنى النخوة والكبرياء، وما دام باقٍ في الأمة من يرفض الركوع إلا لله، ويرفض الخضوع إلا لله، وما دام باقٍ فينا أحرار يرفضون الذل والهوان، فلن تهون هذه الأمة ولن تضيع.

وما دام باقٍ فينا تلاميذ لِمحمد، يحفظون وصيته، أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، ويحفظون وصيته حين مثل المؤمنين بالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ويحفظون وصيته حين مثل المؤمنين بالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ما بقي فينا أمثال هؤلاء فلن يُضَيِّعَ الله هذه الأمة أبدا.

{ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }محمد7

{ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج40.