تعقد حركة التوحيد والإصْلاح الجمْع العَام الوطني السادس، أيام 3-4-5غشت 2008م، تحت شعار:"الإصلاح: أصالة وتجديد"، في ظل تحولات عميقة ومتسارعة يشهدها العالم عموما والمجتمع المغربي الذي تنتمي إليه خُصوصا، هذه التحولات تطبَع مسارات الفعل الإصلاحي للحركة في علاقاته المختلفة مع التحديات الخارجية، أو في تفاعلاتها مع الاستحقاقات الداخلية.

تروم هذه المقالة اجتراح جملة من الأسئلة والإشكالات المرتبطة بالمشروع الإصلاحي لحركة التوحيد والإصلاح، التي تُعتبر من أهم النماذج الإصلاحية في التجارب المعاصرة سواء داخل المغرب أو خارجه، بما راكمته من مقولات منهجية وأفكار تجديدية ومؤسسات تنظيمية استطاعت أن تحقق إنجازات مهمة، ينضاف إلى كسبها الدعوي والتربوي والتكويني والإصلاحي عموما.

من المهم التأكيد بداية أن الحركة ملتزمة بعقد الجمع العام في وقته المحدد في كل أربع سنوات، وهذا ما دأبت عليه منذ التأسيس الجديد المنبثق عن الوحدة المباركة سنة 1996 بين رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد، وهذا الالتزام التنظيمي يبرهن بأن حيوية الحركة وانشغالاتها بالمجالات الدعوية والتربوية وقضايا الإصلاح العام، لا يثنيها أو يمنعها من الالتزام بهذا الاستحقاق التنظيمي ذي المبدأ الديموقراطي والبعد التقويمي والأفق الاستشرافي في الوقت نفسه.

لعل التساؤل الأول الذي يُطرح الآن ونحن على مشارف الجمع العام السادس هو سؤال الهوية. ما هي هُوية الحركة؟ هل هي حركة إسلامية دينية أم مدنية؟ هل حركة شمولية أم متخصصة؟ وهل استطاعت الحركة أن تحقق التمايز بين ما هو دعوي وسياسي؟ سواء تعلق الأمر في الوثائق المرجعية أو الخطاب الإصلاحي أو المؤسسات والقيادات؟ وهنا نطرح السؤال الهُوياتي للحركة المتعلق بالميثاق، هل سيتم مراجعة الميثاق في بعض بنوده ومقولاته؟ أم سنكون أمام ميثاق جديد شكلا ومضمونا، أفكار ومنطلقات، رؤى وغايات.

التساؤل الثاني منبثق من التساؤل الأول، وهو سؤال الفكرة؟  بالرجوع إلى وثائق الحركة نجد بأن الحركة اجتمعت على "فكرة الإصلاح" بمعنى آخر أن الحركة فكرة إصلاحية. إذا كان الأمر كذلك فإلى أي حد استطاعت الحركة من خلال مناشطها وفعاليتها الدفاع عن فكرتها الإصلاحية المؤَسَّسة على التدافع السلمي والتشارك الإيجابي بدل الصراع  أو النزاع أو النفسية الصدامية  على حد  تعبير  الدكتور  فريد  الأنصاري؟ وإلى أي حد استطاعت المحافظة على جوهر الفكرة الإصلاحية التي تؤطر سلوك أعضائها الدعوي والاجتماعي؟ وهل من قراءة جديدة لفكرة إقامة الدين قبل إقامة الدولة.

أما التساؤل الثالث فيرتبط بالوظيفة والوظائف، بمعنى ما هي وظائف الحركة في المرحلة المقبلة؟ هل استنفذت الوظائف الأساسية: الدعوة - التربية- التكوين أغراضها؟ أم أن الجمع العام الوطني السادس سيجترح وظائف جديدة؟ أم أنه سيجدد في وسائل الوظائف السابقة؟ بعبارة أخرى ألم يحن الوقت للانتقال من الطرق التقليدية في الدعوة والتربية والتكوين إلى طرق أكثر إبداعا وفعالية وانجازا؟

التساؤل الرابع، يرتبط بقضية إصلاح الحقل الديني الذي تباشره الدولة منذ حوالي عقد ونصف، ذلك أن الحركة كانت لها الجرأة بداية الأمر في اقتراح جملة من المبادرات المتعلقة بتجديد الدين وترشيد التدين بل والإحسان في تنزيلها، والتفاعل الخلاق مع  بعض المبادرات التي أطلقتها بعض الجهات، خصوصا الرسمية منها، وبالتالي هل قامت الحركة برصد مسار إصلاح الحقل الديني ونقد الاختلالات التي شابته، خصوصا أن هيكلة هذا الحقل عرف أحادية التنظير والتنزيل؟ وإلى أي حد استطاعت أن تحافظ على روح الوسطية والمقاربة التشاركية في الاشتغال على هذه القضية المركزية في مسيرة الإصلاح والبناء.

التساؤل الخامس هو تساؤل التخصص، وهو المنهج الذي سلكته الحركة من خلال إبداع مقولة التخصصات التي تضطلع بأدوارها الإصلاحية  في استصحابٍ  للبعد  التربوي والدعوي، في  مجالات الطفولة  والشباب والمرأة والأسرة والثقافة والفن  والعمل  النقابي والسياسي والاجتماعي....بيد أن  السؤال  المطروح  ما هي  الإضافة  النوعية  للعمل  بالتخصصات  في  المجالات  السالفة  الذكر؟ أليس فيه استغراق  للطاقات والجهود؟ أوليس التحاق بعض الطاقات ببعض التخصصات فيه إفراغ للثغور الأساسية والمحاضن التربوية التي تؤهل الإنسان وتصنع العضو الرسالي؟ هل من تقويم وتقييم لمخرجات عمل التخصصات؟ و هل مِن قياس للأثر الإصلاحي للتخصصات على الفرد والمجتمع في إقامة الدين وترشيد التدين؟

آخر التساؤلات في هذه المقالة، وإلا فإن مسيرة حركة التوحيد والإصلاح حبلى بالتساؤلات لأنها وبكل بساطة حركة حية ومجددة ومتجددة، إنه سؤال النموذج الإصلاحي الذي ستقدمه الحركة والذي لا شك سيكون موضوع نقاشات عميقة ومستفيضة في محطة الجمع العام الوطني، وفي الجموعات الجهوية والمنطقية؟ وهذا التساؤلله الحضارية ومضامينه المعرفية والمنهجية، لأن المجتمع المغربي يبحث عن نموذج لبناء الإنسان وتشييد العمران؟ بعد أن أعلنت الدول فشل النموذج التنموي الذي أغرق الدولة والمجتمع في الفساد والتخلف والنكد والعبث.

وتزداد ملحاحية وراهينة النموذج الإصلاحي الذي يمكن أن تقدمه حركة التوحيد والإصلاح، خصوصا بعد مآلات الربيع الديمقراطي فهي سبع سنوات عجاف مرت على الأمة العربية والإسلامية ومنها المغرب، فهل من سبيل إلى عام فيه يُغاث الناس وفيه يُصلحون؟  ليكون هذا العام محطة لاستئناف مسيرة الأمة والمجتمع نحو الرشد والشهود والإصلاح والتنمية.

هذه بعض التساؤلات التي انقدحت في ذهني، على بعد أقل من شهر من الجمع العام الوطني السادس لحركة التوحيد والإصلاح، تحت شعار: "الإصلاح: أصالة وتجديد".

الإثنين, 09 تموز/يوليو 2018 09:53

تدويل قطاع غزة إنسانياً واقتصادياً

شاءت القوى السياسية الفلسطينية في قطاع غزة أو أبت، عارضت أو صمتت، ساهمت واشتركت أو استفادت وانتفعت، ظهرت في الصورة بشكلٍ مباشر أو وَكَّلت آخرين وناب عنها مستثمرون، وسواءٌ دفعها الشعب المُعنَّى والأهل المحاصرون وأجبرتها حاجتهم الملحة ومعاناتهم اليومية، أم حركتها منافعها الخاصة ودفعتها مكاسبها الحزبية، وأغراها البريق الواعد ودغدغت مشاعرها الأحلام الجديدة والوعود القريبة، وأسالت لعابها المشاريع الضخمة والاستثمارات الكبرى، وهي التي ترى مخططات المشاريع ومسودات الاتفاقيات، وتعرف حجم الرساميل وقيمة الاستثمارات، وتدرك الحاجة إليها وصعوبة الحياة بدونها، وأنها ستشكل رافعةً اقتصادية كبيرة لسكان قطاع غزة، مما سيحسن من شروط عيشهم الصعبة والقاسية.

وقبلت السلطة الفلسطينية في رام الله أو امتنعت، وباركت أو حذرت، وتشجعت أو خافت، وكانت طرفاً وشريكاً أو قبلت بالتهميش والتجاوز، وخضع العالم لشروطها أو أهمل محاذيرها، فإن قطاع غزة ماضٍ رغم أنف الطرفين معاً، أو بقبولهما ورضاهما ومباركتهما ومشاركتهما في مسار التدويل، فقد قطع المجتمع الدولي شوطاً كبيراً في مخططاته المستقبلية ومشاريعه الدولية والأممية الكبرى، وذلك بالاتفاق التام مع الكيان الصهيوني والتعاون معه، حيث تريد الحكومة الإسرائيلية استعادة مشاريع رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو في سلامٍ اقتصادي، ورخاءٍ مجتمعي، ورفاهية شعبية تنسي فلسطينيي قطاع غزة المقاومة، وتفضهم من حول فصائلها، وتشغلهم بحاجاتهم الشخصية ومشاريعهم الاقتصادية.

وعليه فلا يكاد يمرُ يومٌ دون أن تزور قطاع غزة وفودٌ دولية ومبعوثون أمميون، وسفراء وقناصل دول أوروبا الغربية وكندا واستراليا واليابان، فضلاً عن سفير دولة قطر ومبعوث الأمم المتحدة إلى الأراضي الفلسطينية، وغيرهم من وزراء الخارجية وكبار المسؤولين الدوليين الذين يزورون فلسطين المحتلة، وجميعهم يحرصون أن يكون لقطاع غزة نصيبٌ كبيرٌ من زيارتهم، وأن يشغل حيزاً مهماً من حواراتهم ونقاشاتهم، حيث يعتبرون أن قطاع غزة يشكل زاوية أساسية من مشاريع السلام المستقبلية، وركناً مفصلياً في مشاريع المقاومة الفلسطينية، وأنه ما بقي القطاع على حاله البئيس محاصراً ومضيقاً عليه، فإن المنطقة كلها لن تشهد استقراراً ولن تعيش أمناً، بل سيجد الكثير من الفلسطينيين ومؤيدوهم المبرر للثورة والانتفاضة، والمقاومة والنضال.

عمدت الدول الممولة والمشغلة للمشاريع الاقتصادية والإنمائية والإنسانية في قطاع غزة، إلى الحصول على ضماناتٍ إسرائيلية بعدم المساس بها أو تدميرها خلال أي عملياتٍ عسكرية تقوم بها في قطاع غزة، وألا تقوم بقصفها خلال أي عدوانٍ قادم، ذلك أن هذه المشاريع على اختلافها قد تمت بعلمها وموافقتها، وهي تعلم طبيعتها وتعرف مهماتها، ولديها علم تام بإحداثياتها ومواقعها على الأرض، الأمر الذي يجعل من استهدافها بالخطأ غير مبرر، ولا يمكن للدول المانحة والممولة أن تقبل بأي أعذارٍ إسرائيلية في حال قصفها أو تدميرها.

يبدو أن الدول المانحة ومعها الأمم المتحدة تريد أن تجعل من مشاريعها ومقراتها في قطاع غزة محمياتٍ سياسية تابعة لها، بما يشبه المقرات الدبلوماسية التي يفترض حمايتها وعدم المساس بها أو تعريض أمنها وسلامة العاملين فيها للخطر، وهذا الأمر يروق لسلطات الاحتلال تماماً، إذ تحقق من خلاله أكثر من هدفٍ تتطلع له، وتتمنى أن يكون ويتحقق، خاصة أنها تنسجم مع مشروع نتنياهو المعروف بـ "الرخاء الاقتصادي"، فضلاً عن أن جميع الدول المانحة ستكون راعية لمشاريعها، وحارسة على مقراتها ومؤسساتها، وستفرض على القوى والتنظيمات الفلسطينية، العسكرية والسياسية، عدم استخدام هذه المقرات في أي أعمالٍ أمنية أو عسكرية تضر بالكيان الصهيوني، سواء كانت هذه العمليات تخطيطاً أو إعداداً، أو استعملت المقرات كمستودعاتٍ لتخزين الأسلحة أو مقار للقاءات والاجتماعات، وغير ذلك مما تتطلع سلطات الاحتلال إلى تحقيقه بضمانةٍ أوروبية وأممية وعربية أحياناً، ويبدو أن لسلطات الاحتلال تجربة سابقة مطمئنة للضمانات الأوروبية والأممية.

شيئاً فشيئاً ومع مرور الوقت سنجد أن قطاع غزة الصغير المساحة، المحدود القدرة، الفقيرة ثروةً، قد أصبح مجموعة كبيرة من المشاريع الدولية، والمؤسسات الأممية الكبيرة، التي تقوم الدول الغربية وغيرها بحمايتها وإدارتها، وستسمح سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع الإدارة الأمريكية الحالية بالمزيد من هذه المشاريع، التي من شأنها مع مرور الوقت أن تجعل من قطاع غزة أرضاً تحت الوصاية، وإقليماً محمياً بالاتفاقيات والمعاهدات، ومصاناً بالالتزامات والتعهدات، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في أن يكون قطاع غزة منطلقاً لما يسمى بصفقة القرن، ونقطة انطلاق نحو كيانٍ فلسطينيٍ جديدٍ، تكون فيه هي القلب والعاصمة، وتعود إلى الواجهة والصدارة الأولى كما كانت عند توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.

لا نستغرب كثيراً عندما تطرح الدول المانحة والممولة، بموافقة الحكومة الإسرائيلية، ضرورة وجود قوات دولية في قطاع غزة، لحماية مشاريعها وضمان أمن مؤسساتها، فهي خطوة أولى حقيقية وعملانية نحو تدويل القطاع، حيث سيلزم هذه القوات بنى تحتية ومؤسسات خدمية، قد يكون المطار والميناء بعضاً منها، ولكن تحت إشرافها وبرعايتها، وهناك من يشجع على مثل هذا المشروع ويدعو له، ويوجد في نُظم الأمم المتحدة وتجاربها السابقة ما يجعل هذه الفكرة فكرةً عمليةً قابلةً للحياة، ولعل تجربة قوات الطوارئ الدولية التي عملت في قطاع غزة بعد العدوان الثلاثي عام 1956، ما يشجع كثيراً على تكرارها، خاصةً أن القطاع شهد في تلك الفترة استقراراً وهدوءً، في الوقت الذي رحب فيه بهذه القوات واستفاد كثيراً من التسهيلات التي وفرتها والخدمات التي قدمتها لسكان قطاع، الذين نهضت أحوالهم وتحسنت ظروفهم في ظل وجودها في القطاع.

لنا أن نتساءل هل يرحب سكان قطاع غزة بهذه الخطوات أم سيرفضونها وسينقلبون عليها، ولن يوافقوا عليها وسيعتبرونها احتلالاً دولياً جديداً، أم أن واقع القطاع وسوء أحوال سكانه، وبؤس ظروفه وانعدام اقتصاده، سيدفع بالسكان إلى الترحيب بهذه المشاريع والدفاع عنها.

لعل قراءةً موضوعية منصفة لأحوال قطاع غزة، وانعدام المسؤولية الوطنية لدى القوى السياسية، سيجعل السكان يقبلون ويرحبون، ويفرحون ويسعدون، ويبتهجون بهذه القوات إن وجدت، ويبشون بمشاريع بلادها إن أسست، وعلى القوى السياسية أن تتحسس مواقعها، وأن تنتبه إلى أن الأرض من تحتها باتت تميد وتتحرك، وقد يتغير المشهد فتغيب وتهلك.

أكد الأستاذ خالد الحرشي رئيس اللجنة التحضيرية للجمع العام الوطني السادس خلال حوار خاص مع موقع الإصلاح، أن وثيقة الورقة السياسية غير معنية بالجمع العام السادس والجمع العام غير معني بها باعتبارها من صلاحيات مجلس الشورى، حيث أن الاشتغال عليها لا زال مستمرا وعندما تنضج ستعرض للمصادقة في مجلس الشورى .

أما أهم الوثائق التي سيصادق عليها الجمع العام هي ورقة التوجهات والأولويات، فهي الورقة التي تؤطر عمل الحركة خلال السنوات الأربعة المقبلة حيث يتم ترجمتها إلى مخططات سنوية وبرامج عمل.

الإصلاح

السبت, 07 تموز/يوليو 2018 10:55

صفقة ترمب ساقطة حتما

دائما المقاربة من جنس الجدلية، أو من جنس الافتراض الأساسي، وهذه قاعدة منطقية أساسية لا يتمكن صاحب العلم من التوصل إلى الاستنتاجات الصحيحة بدون أخذها بالحسبان.

لا مفرّ أبدا من ربط العلاقات المنطقية الجدلية بعضها ببعض إذا شئنا التوصل إلى تحليل علمي للظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومن لا يتقن ربط العلاقات الجدلية بعضها ببعض لا يمكن أن يتوصل إلى استنتاجات صحيحة. ولهذا لا يمكن أن يقوم المنافقون بإيصال مادة علمية منطقية للجمهور؛ لأن همهم الأساسي إرضاء المسؤول، وليس تقديم البيّنات سواء كانت منطقية أو وثائقية.

فإذا شئنا الوقوف عند تطورات مستقبلية فإن علينا أن نحسب أن الحصاد من جنس البذار، وما يقوم على افتراضات خاطئة لا يمكن أن ينتج سنابل قمح. وإذا شئنا مقاربة مشكلة، أي اتباع أساليب ووسائل متناغمة مع المشكلة التي نحن بصددها، فإن جهودنا تذهب سدى.

والمشكلة التي نحن بصددها تتكون غالبا من علاقات جدلية بنيوية متشابكة، لا يمكن حل جزئياتها أو اشتقاقاتها بدون اعتماد منطقي متبادل بين الأجزاء. فإذا أغفلنا الربط الجدلي فإن حلولا جزئية قد تنجم، ومن المحتمل أن تكون مدمرة؛ لأنها ابتعدت عن التعامل مع القضية التي نحن بصددها بكليتها، فأي حل للجزء قد يشكل تعقيدا للحل الكلي.

مشكلة صفقة ترمب أنها تتعامل مع القضية الفلسطينية كجزئيات وليس كقضية متكاملة تتطلب حلا متكاملا. هو يفسخها إلى قدس ومستوطنات ولاجئين ودولة، الخ. وفي هذا ما يعني التعامل مع القضية الفلسطينية كمًّا وليس كيفًا، والمقاربة للمشكلة الكمية لا يمكن أن تصلح كمقاربة لمشكلة كيفية.

قضية فلسطين ليست قضية كمية، أو قضية أفراد تشردوا، وإنما هي قضية شعب متكامل حضاريا وجذوره تمتد في التاريخ. إنها قضية وطن وجغرافيا وتاريخ وتراث وثقافة وأجيال متعاقبة توارثت الانتماء والتدفق الوطني العاطفي.

وحل مشكلة القدس وحدها لا تتم جزئيًّا بمعزل عن عوامل الترابط الكلي والعضوي بين الأجزاء. ولهذا فشل اتفاق أوسلو، وفشلت تاريخيا كل الطروحات الغربية للتوصل إلى حل لقضية فلسطين. وعلى ذات المنوال، ستفشل كل الطروحات التي لا تتعامل مع القضية بجزئياتها متكاملة.

السياسيون لا يفشِلون هذه الطروحات، وإنما يحاولون عادة إنجاحها، لكن ثقل الترابط العضوي بين الأجزاء يشكل قوة كبيرة تحول دون القبول الشعبي بما هو مطروح. لا ينجح حل لا يأخذ بالحسبان التكامل العاطفي للناس، والترابط الوطني بأبعاده التاريخية والدينية والثقافية والمجتمعية والقيمية.

شعبنا يتخوف كثيرا مما يسمى صفقة القرن، ووسائل إعلام فلسطين تركز على هذه الصفقة وتكاد لا تخلو نشرة أخبار فلسطينية من مواد حول هذه الصفقة. وأنا أريد طمأنة الشعب بأن الصفقة لن تمر حتى لو وافق عليها قادة العرب وسلطة رام الله.

طبعا نحن لا نعرف بنود الصفقة بالتحديد حتى الآن، لكن التسريبات من هنا وهناك تشير إلى انتزاع القدس من أيدي الفلسطينيين نهائيا، وتصفية قضية اللاجئين والبحث عن دولة فلسطينية خارج فلسطين الانتدابية. فإذا كان ابتلاع هذه الطروحات صعبًا على حكام عرب عرفوا بولائهم للدول الغربية والولايات المتحدة على وجه الخصوص، فهل من الممكن أن يبتلعها شعب فلسطين؟ ثقل الموقف الفلسطيني الكلي يتفوق على ثقل موافقة السياسيين. من الممكن أن يسبب ترمب للفلسطينيين إزعاجا، لكنه لن يلحق بهم هزيمة.

صفقة ترمب، فيما إذا أعلنت غبيةٌ من الناحية المنطقية، والتناقض المنطقي لا يشكل تاريخيا قاعدة للنجاح.

ربما يخطر على بال أحدٍ القولُ إن المنطق ليس ركنا أساسيا في السياسة الدولية. من يقول هذا يجهل؛ اللعبة السياسية ليست عنجهية وارتجالا وفهلوة، وإنما تستند إلى مقومات تندرج أغلبها تحت مسمى المنطق، والسياسي الجاهل في علم المنطق لا يمكن له أن يتقن اللعبة السياسية.

والحاكم الذي لا يعرف بالرياضيات لا يعرف بالمنطق وهو بالتأكيد فاشل. ترمب يعرف بالحساب لكنه لا يعرف بالرياضيات، أما الصبية العرب من أولياء العهود والملوك فلا يعرفون بالصياغة اللغوية للأفكار، وليس من المتوقع أن يكون لديهم منطق. محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد ومن لفّ لفهما لا يخيفونني لأنهم يفتقرون إلى أدنى حدود المعرفة.

ربما ينزلق الفلسطينيون القادة إلى منزلق خطر فيتعاملون ولو جزئيًّا مع طروحات ترمب، لكن مصير جهودهم لن يكون مختلفا عن مصير اتفاق أوسلو الذي تناقض منطقيا مع كل مقومات البقاء الفلسطيني.

ترمب يطرح مقاربة منسجمة مع قناعاته، أو مع ما يود أن تكون قناعاته. هو مؤيد للصهاينة ويدعم وجود الكيان الصهيوني، ويرعى أمن هذا الكيان. وهو يعادي الفلسطينيين والعرب والمسلمين. مقاربته صالحة للصهاينة وليس للفلسطينيين، والقرار في النهاية بيد الفلسطينيين الذين لا يملكون السلاح، وإنما يملكون سلاح البقاء العضوي. لقد سبق لأمريكا أن حاولت تصفية قضية اللاجئين، وكذلك فعلت الأمم المتحدة، لكن الفشل الذريع أحاط بهم.

المعنى في النهاية أن التاريخ يحمل في داخله عوامل قوة الشعوب، والحروب تحمل قوة السلاح القاتل، والتاريخ دائما ينتصر. وهناك من يقول إن العقل الفلسفي لا يحسم المعارك، وأنا أقول إن العقل البلطجي هو المهزوم دائما.

استمرارا لفعاليات مسيرة العودة الكبرى، دعت الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة الكبرى الفلسطينيين للمشاركة الواسعة بفعاليات الجمعة الـ 15 التي اتخذت هذه المرة اسم جمعة "موحدون من أجل إسقاط صفقة القرن وكسر الحصار"، للتأكيد على وحدة الموقف في مواجهة مخططات تصفية القضية الفلسطينية، واستمرار المسيرات الشعبية حتى رفع الحصار المفروض على غزة بشكل كامل والتأكيد على فلسطينية القدس. 

وتوافد الفلسطينيون صباح الجمعة 6 يوليوز 2018 نحو مخيمات العودة المُقامة على طول السياج الحدودي الفاصل بين شرقي القطاع والأراضي المحتلة، حيث عرفت الفعاليات كما كل مرة توترا على الحدود مع الكيان، أدى إلى استشهاد شاب فلسطيني وجرح 396 آخرين بجروح مختلفة أو بالاختناق، ومن بين المصابين 24 أصيبوا بالرصاص الحي.

وهكذا ارتفعت حصيلة الشهداء الفلسطينيين منذ بداية المسيرات نهاية مارس الماضي إلى 144 شهيد، بالإضافة لأكثر من 15 ألفا جراحهم مختلفة.

وجددت الهيئة تأكيدها الصارم على رفض ومواجهة كل محاولات تصفيه القضية الفلسطينية، أو الالتفاف على حق العودة إليها تحت أي عناوين أو مسميات، أو حلول تنتقص من هذا الحق واستمرار الحصار الظالم على قطاع غزه، مؤكدة على سلمية مسيرات العودة رغم المحاولات المتكررة من قبل الاحتلال لتشويه صورة هذه المسيرات الجماهيرية واستمرار القصف الليلي على غزة لإخافة الناس وصرفهم عن المشاركة فيها.

س.ز/ الإصلاح

موضوع هذا المقال موضوع تخصصي وربما أيضا موضوع فلسفي . رأيت أن أدرسه وأعالجه، لأنه يسعى إلى تصحيح النظر في قضية كبيرة من قضايا الشريعة ومقاصدها وأولوياتها. وهى قضية تنجم عنها – بوضعها الشائع غير السليم إشكالات كثيرة في الفقه الإسلامي ، والفكر الإسلامي ، والسلوك الإسلامي.

والقضية هي : جلب المصالح من جهة ، ودرء المفاسد من جهة أخرى ، أيهما السابق وأيهما اللاحق ؟ أيهما يقدم وأيهما يؤخر ؟ أيهما الأصل المتبوع وأيهما الفرع التابع؟..

وسبب آخر لتناول هذه القضية وهو أنها ذات صلة وثيقة بما قلته في حلقات سابقة عن حاجة الحركات والأحزاب الإسلامية إلى الاجتهاد والتجديد وما ذكرته عن مشكلات الاجتهاد الفقهي المعاصر..

من قبل ألقيتُ محاضرة بمقر ( الندوة العالمية للشباب الإسلامي ) بجدة حول التعريف بمقاصد الشريعة. وذكرت فيها كلمة عابرة حول موضوع هذا المقال. وفى ختام المحاضرة لخص المُسَّير بعض ما جاء فيها ، ثم قال : ولكن المُحاضر قلب علينا الطاولة ،  لقد كنا نعتقد أن " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" ولكنه أتانا بعكس ذلك ! فقلت في نفسى : أماَّ : هذا فقد فهم المقصود . فعلا، لقد فهم الإشارة وأحسن العبارة.

نعم هناك قاعدة شهيرة ومسلمة – أو شبه مسلمة – في الفقه الإسلامي ، بل هي سيارة على ألسنة الدعاة والوعاظ وكثير من الناس ، وهى قاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".

وهى تعنى أن المكلف إذا كان بصدد جلب مصلحة لكن تلازمها أو تعترضها مفسدة فليترك تلك المصلحة حتى لا يقع في المفسدة الملازمة لها. وهكذا كلما اختلطت علينا المصالح بالمفاسد ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ... ، أي أن الأولوية للسلامة من المفاسد والمحظورات ، ولو بالتضحية بالمصالح والمشروعات . ويعبر عن هذه القاعدة بعبارات أخرى مثل قولهم " الاجتناب مقدم على الاجتلاب " أي اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح.

ومما يستدل به على هذه القاعدة الحديث النبوي المتفق عليه : ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ). فالحديث جازم في ضرورة اجتناب كافة المنهيات، بينما المأمورات خففها وعلقها بالاستطاعة.

والحقيقة أن الاجتناب إنما كان لازما في جميع المنهيات ، لكون الاجتناب دائما في الإمكان وفى المستطاع لأنه عبارة عن الإمساك وعدم الفعل . وعدم الفعل يستطيعه الجميع فلا يحتاج إلى قدرة أو جهد ، أو سعى أو وسائل .. بخلاف المأمورات فهي بحاجة إلى جهد وسعى وبذل ، ووسائل وإمكانات .. وكل هذا قد يكون بالإمكان وقد لا يكون ، ولذلك علقت الأوامر بالاستطاعة.

فليس في الحديث دلالة صريحة ولا صحيحة على أفضلية درء المفاسد على جلب المصالح وليس فيه دلالة على أولوية الاجتناب .

وقد تناول أبن تيمية هذه القضية في بحث فلسفي عميق ومفصل ، قال في مطلعه ( قاعدة ) في أن جنس فعل المأمورية به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وأن جنس ترك المأمورية أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وأن مثوبة بنى آدم على أداء الوجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات ، وأن عقوبتهم على فعل المحرمات ( مجموع الفتاوى ( 20/85)

وقد استدل رحمه الله على هذه القاعدة من وجوه عديدة أوصلها إلى اثنين وعشرين وجها ، وفى كل وجه عدد من الأدلة : ( مما يبين أن اتباع الأمر أصل عام ، وأن اجتناب المنهي عنه فرع خاص ( ويؤكد ) أن فعل المأمور به  أصل وهو المقصود وأن ترك المنهي عنه فرع وهو التابع ).( مجموع الفتاوى 20/116).

ومما يستدل به القائلون بأفضلية اجتناب المنهيات والمفاسد كون التقوى – وهى عماد الدين وجماعه عبارة عن التقوى والاجتناب للمعاصي والمنكرات والمفاسد ، وعلى هذا فالخير كله في الاجتناب.

وقد رد عليهم ابن تيمية ردا مطولا وبليغا ، قال فى بدايته : ( ومن الذي قال : إن التقوى مجرد ترك السيئات ، بل التقوى كما فسرها الأولون والآخرون ): فعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه. كما قال طلق بن حبيب لما وقعت الفتنة : اتقوها بالتقوى قالوا وما التقوى ؟ قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ، ترجو ثواب الله . وأن تترك معصية الله ، على تور من الله تخاف عذاب الله.

وقد قال تعالى في أكبر سورة في القرآن : ( الم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )  البقرة : 1-3

فوصف المتقين بفعل المأمور به من الإيمان والعمل الصالح من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة : 21.

 وقال : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) البقرة : 177 .

وهذه الآية عظيمة جليلة القدر من أعظم آى القرآن وأجمعه لأمر الدين . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن خصال الإيمان فنزلت .. وقد دلت على أمور :

أحدها : أنه أخبر أن الفاعلين لهذه الأمور هم المتقون ، وعامة هذه الأمور فعل مأمور به.

الثاني : أنه أخبر أن هذه الأمور هي البر وأهلها هم الصادقون ، يعنى فى قوله: (مَنْ آمَنَ ).

وعامتها أمور وجودية هي أفعال مأمور بها . فعلم أ المأمور به أدخل في البر والتقوى والإيمان من عدم المنهي عنه.  وبهذه الأسماء الثلاثة استحقت الجنة كما قال تعالى : (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) الانفطار : 13 ، 14 .

  وقال : ( أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ص: 28.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ) القمر : 54.

 وقال : (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لّا يَسْتَوُونَ ) السجدة : 18 .

أ هـ ( مجموع الفتاوى 20 / 133 ).

وقبل ابن تيمية نجد الفخر الرازي – المفسر الأصولي المتكلم ؟ يسجل تنبيها عميقا عند تفسيره آية الحديد ( من سورة الحديد ) حيث قال رحمه الله : ( مدار التكليف على أمرين : أحدهما : فعل ما ينبغي فعله . والثاني ترك ما ينبغي تركه ، والأول هو المقصود بالذات ، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد لأن الترك كان حاصلاً في الأزل).

يعنى : لو كان القصد الأساسي من الخلق ومن التكاليف هو ترك المنهيات واجتناب الفاسد ، لكان أفضل تحقيق لذلك هو عدم خلق البشر. ومعنى هذا أن الناس خلقوا أساسا ليفعلوا لا ليجتنبوا .. وإنما يجب اجتناب المنهيات ومفاسدها ، بسبب ضررها بالمأمورات ومصالحها . وهذا ما عبر عنه ابن تيمية بقوله : ( فعل المأمور به أصل ، وهو المقصود وأن ترك المنهي عنه فرع ، وهو التابع )

ومن لطائف التشبيهات للمسألة، ما قاله الرازي عند تفسير قوله تعالى :  (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )   النساء : 165.

حيث قال : ( وإنما قدم البشارة على الإنذار ، لأن البشارة تجرى مجرى حفظ الصحة ، والإنذار يجرى مجرى إزالة المرض . ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر ). وهى الفكرة التي فصلها ابن تيمية وابن القيم ، حين اعتبرا أن الأوامر والمصالح بمثابة الغذاء ، وأن اجتناب الناهي والمفاسد بمثابة الحمية والدواء . ولا شك فى أولوية الغذاء ، وأنه هو الأصل في صحة الإنسان وقيام حياته ، وأن الحمية والدواء فرع واستثناء.

التخلية قبل التحلية

هذه القولة شائعة في الثقافة الإسلامية وهى حجة ومحجة عند عامة المسلمين، بسبب كثرة ترديدها والتسليم بها، خاصة عند الدعاة والوعاظ وأهل التربية والتزكية.

ومقصودهم بها : أن تخليص الإنسان من المفاسد والأدران والآفات ، سابق ومقدم على تحليته وتزكيته بالفضائل والمحاسن. وهذا يستدعى بدء الدعوة والإصلاح والتربية ، بالتخلية عن المفاسد والمنكرات والانحرافات ... أي : مواجهة المفاسد أولاً وإزالة المفاسد أولاً . ثم بعد ذلك تأتى المصالح والخصال الحميدة ، فتغرس في أرض طيبة نقية.

ومن أقوالهم في ذلك : ( أزل الموانع أولاً ، ثم أثبت. فأولاً فرغ قلبك من كل خشية لغير الله ، ثم مكن خشية الله من قلبك ، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلاً ، فإذا كان المحل قابلاً فحينئذ يكون الوارد عليه وارداً على شيء لا ممانعة فيه).

وقالوا : ( رهبوت خير من رحموت ، أى لأن ترهب خير من أن ترحم ، وذلك لأن التخلية قبل التحلية).

وقال بعضهم  في توجيهاته لطلاب العلم : ( التخلية قبل التحلية : ينبغي لطالب العلم أن يتهيأ لطلب العلم بتطهير قلبه التخلية قبل التحلية : ينبغي لطالب العلم أن يتهيأ لطلب العلم بتطهير قلبه من الغش والغل والحسد ، وفساد المعتقد ، وسوء الخلق ، ليصبح أهلا لطلب العلم وقبوله ، فإن القلوب تطيب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة).

وأنا أتساءل : إذا كان الإنسان قبل أن يتهيأ لتلقى العلم الشريف ، عليه أولا أن يكون قد تطهر من الغش ، والغل والحسد وفساد المعتقد وسوء الخلق فماذا بقى أن يستفيده من تلقى هذا العلم ؟ وإذا لم يكن العلم هو الذي يطهره من كل هذا فما جدوى هذا العلم ؟

(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ  ) هود : 114

وقد دلت أداة الشرع الصحيحة على أن التحلية هي التي تحقق التخلية أو تساعد عليها ، وأن استنبات المصالح والفضائل هو الذى يمكن من دفع المفاسد والرذائل ، وأن إظهار الحق وإثباته هو الذى يطرد الباطل ، وأن الحسنات هي التي تزيل السيئات.

قال الله عز وجل : (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا )  الإسراء : 81

وقال سبحانه : (  وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ  ) هود : 114

فالحسنات لا تنتظر التخلية وإفراغ المكان لها بل هي التي تنجز التخلية بوجودها ، وهى التي تزيل السيئات وتحل محلها.

وكذلك الصلاة ، لا تنتظر أن يتطهر الإنسان من الفواحش والمعاصي ، قبل أن يقدم عليها بل هي التي تطهره بعد ممارستها والتلبس بها: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت : 45

وكذلك الصيام لا ينتظر حتى تتحقق له التخلية بل هو صاحبها . فالتحلي بالصيام هو سبيل التخلية ووسيلتها:  (   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة : 183

والزكاة أيضا : تتحقق وتنفذ أولا ، ثم هي التي تطهر وتنقى وتزكى أي تنجز التخلية والتحلية معا لأن هذا بعض من مقاصدها وحكمة مشروعيتها. قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) التوبة : 103

فالتطهير يحصل بها ومعها لا قبلها.

إنجاز البدائل مقدم على مقاومة الرذائل

من المعلوم – كما يقول ابن تيمية وغيره من العلماء – ( أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ). وهذا هو المقصود بالعبارة الأخرى ، الأكثر اختصارا واشتهارا وهى : ( جلب المصالح ودرء المفاسد ).

وقد بينت في أول كلامي أن تحصيل المصالح وتكميلها هو الغرض الأصلي الأساسي ، وأن ( تعطيل المفاسد وتقليلها ) ، إنما هو فرع متمم ومرمم لإقامة المصالح وتمامها ودوامها وبينت أن ما هو سائد من القول بأولوية درء المفاسد على جلب المصالح ، وأن الاجتناب أولى من الاجتلاب وأن التخلية سابقة على التحلية... هي مقولات غير صحيحة وغير مسلمة.

وهذه القضية تناولها بعض العلماء من زاوية آخري وتحت اسم آخر كما في قول الشاطبي عن طريقة الشرع في رعاية المصالح وحفظها : ( والحفظ لها يكون بأمرين : أحدهما : ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها . وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. والثاني : ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها ، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم ) أ هـ ( الموافقات 2/8).

فإذاً الشطر الأول والأساسي لحفظ المصالح هو ( ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها ) فهو صاحب الأسبقية والأولوية . ثم بعد ذلك في الأهمية والأولوية ، يأتي ( ما يدرأ الاختلال الواقع أو المتوقع فيها).

والذي نراه اليوم أن كثيرا من الدعاة والجماعات والأحزاب الإسلامية ما زالوا أسرى لنظرية ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، والتخلية تسبق التحلية ) يظهر ذلك في شدة الانشغال والاشتغال بالمواجهة مع : المنكرات ، والانحرافات ، والطواغيت ، والبدع والمعاصي ، والمفاسد ، .. ومع الجاهلية والعلمانية والصهيونية والإباحية والدكتاتورية..

وأنا لا أنكر ولا أعارض – من حيث المبدأ – الانشغال والاشتغال بأي شيء مما ذكر ولكنى أقول : إن ذلك كله فرع من قضيتنا الأصلية ، وليس هو القضية الأصلية ، ولا هو شطرها الأكبر ولا هو صاحب الأسبقية والأولوية.

القضية الأصلية ، ذات الأسبقية والأولوية هي بناء المصالح وتكميلها هي تحقيق الأعمال الإيجابية أو الوجودية بتعبير ابن تيمية ، أوهى الحفظ الوجودي بتعبير الشاطبي. فلو أن هذه القضية الفرعية – قضية درء المفاسد ومحاربتها – أخذت ربع عنايتنا وجهودنا وانشغالاتنا، لكان هذا كثيرا، ولو أخذت أقل من ذلك لكان أفضل...

لنتأمل هذه الآيات الكريمة ، ولننظر في المعاني والتكاليف الجامعة ، التي توجهنا إليها وتحثنا عليها:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) الإسراء : 9

(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ  ) المؤمنون : 51 ، 52

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء : 73

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) الحج : 77 ، 78

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك : 2

(وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر

وحتى سورة الفاتحة ، وهى أم الكتاب ، ونظل نقرؤها ونصلى بها ، لو تدبرناها ، لوجدنا أنها خصصت ست آيات ونصف الآية للأعمال الإيجابية ( المصالح ) ، وخصصت نصف آيتها الأخيرة للتنفير من التوجه السلبى العدمي ( أي المفاسد ) وهو قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، إهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) الفاتحة : 7)

وأما في مجال العمل الدعوى والإصلاحي خاصة، فإن من أبرز عناوينه ومداخله : ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ). وهما متلازمان غالبا في الخطاب الشرعي، ولكن من المعلوم قطعا أن الأمر بالمعروف دائما متقدم على النهى عن المنكر. والآية الجامعة في هذا الباب وهى قوله عز وجل : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران : 104

دالة دلالة واضحة على كل ما تقدم فالرسالة المحمدية والرسالة الإصلاحية تتضمن ثلاثة عناصر هي :

1 - الدعوة غلى الخير

2 - الأمر بالمعروف

3 - النهى عن المنكر

وهذه العناصر عادة ما تتزامن وتتداخل ولكن الترتيب المطرد في النصوص الشرعية الكثيرة يدل على الأسبقية والأولوية بصفة عامة.

وهذا واضح كذلك في الآية الجامعة التي تتحدث عن المضامين والخصائص الكبرى للبعثة المحمدية ، وذلك قوله تعالى : (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف : 156 ، 157

وأيضا فإن النظر والتأمل في الخطوات الأولى للبعثة النبوية، فيها إشارات ودلالات هادية . فمعلوم أن أول ما نزل من الهدى والنور :

قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ) العلق 1، 5

وقوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا ، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) المزمل 1 – 4

وبعد ذلك بدأت المزاوجة بين الأمر والنهى كما فى قوله عز وجل :

(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ، وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) المدثر 1 :7

وقبل هذا كله نجد ما ذكرته السيدة خديجة رضي الله عنها ، بعد الرجة والرجفة التي أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عند أول وحى نزل عليه ، فقالت له : ( والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل وتكسب المعدوم ، وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق).

ومعنى هذا أن الرسول الكريم عليه السلام كان صاحب إنجازات تأسيسية وتمهيدية بين يدى بعثته وكلها كانت من جنس جلب المصالح ، لا من جنس درء المفاسد.

وهذا يذكرنا بقوله عليه السلام : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ودلالته واضحة في الموضوع..

فهذا هو دأب الأنبياء جميعا : جاءوا أساسا وأصالة بالتأسيس والبناء والتشييد أي بالمصالح وعمل الصالحات كما تقدم في الآيات ، وكما يشير إليه الحديث النبوي الشريف : ( مثلى ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه . فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلاً وضعت هذه اللبنة . قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين).

فليس هاهنا ذكر للمفاسد أصلا لا مقدمة ولا مؤخرة وإنما ذكر البنيان والتحسين والتجميل والتتميم، وكل ذلك مرصع ومحلى بمكارم الأخلاق.

وهذا لا يعنى ولا أعنى به إغفال مسألة المفاسد وإخراجها من الحسبان ، ولكنه يعنى وأعنى به أنها مسألة ضمنية وفرعية وتابعة.

وقد يأتي في بعض الخطابات الشرعية إبراز قضية بعض المفاسد والتركيز عليها وتقديمها في الذكر أو في الاعتبار ، ولكن هذا منظور فيه إلى الحالات والأولويات الخاصة بسياقها وظرفها وغرضها ، مثلما قد يأتي على الإنسان المريض حين من الدهر يصبح الشغل الشاغل له ولطبيبه هو الدواء والحمية والاجتناب والحذر والاحتياط كما هو واقع لي هذه الأيام!

كما أن هذا كله لا ينفى أن كثيرا من المفاسد والشرور قد تصل في ضررها وخطورتها حدا يستدعى إعطاءها الأولوية في الدفع والاجتناب ولو بتفويت بعض المصالح التي تحتمل التفويت . فهذا معلوم ومسلم ولكن الغرض الآن هو تقرير الأصل والوضع الأصلي . وهو الأصل الذى يوضحه ويؤكده الإمام الشاطبي في هذا النص النفيس . قال رحمه الله : " الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعا فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج كالنكاح الذى يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات وكثيرا ما يلجئ إلى الدخول فى الاكتساب لهم بما لا يجوز ولكنه غير مانع لما يؤول إليه  التحرز من المفسدة المربية على توقع مفسدة التعرض ، ولو اعتبر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا ، لأدى إلى إبطال أصله ، وذلك غير صحيح . وكذلك طلب العلم ، إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرضى فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها ، لأنها أصول الدين وقواعد المصالح وهو المفهوم من مقاصد الشارع فيجب فهمها حق الفهم فإنها مثار اختلاف وتنازع ) .. ( الموافقات 4/210 – 211)

وختاما .. وباستصحاب ما قلناه قديماً وحديثاً – في أكثر من مكان وفى أكثر من مقال – حول الحاجة إلى الاجتهاد والتجديد ، وخاصة لدى الحركات الساعية إلى البناء والإصلاح على أسس ومنطقات إسلامية، فإن إعادة ترتيب الأولويات بصفة عامة . وقضية التقديم والتأخير بين الاشتغال بتحصيل المصالح ، والاشتغال بمحاربة المفاسد تبدو قضية ملحة وعاجلة حتى لا يستمر تقديم العربة على الحصان ولو في بعض الأحيان. ومقتضى هذا أن تعطى العناية والأولوية للأعمال والمبادرات والمشاريع الإيجابية البناءة والمفيدة ولو اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعا على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج " على حد تعبير الشاطبي .

كما أن هذا النهج سيقتضى حتما تقليصاً في مقدار الاشتغال بمحاربة المفاسد والرذائل ، لفائدة إنجاز المصالح البدائل.

إن القيمة الحقيقية أو القيمة المضافة لأعمالنا وجهودنا هي أن نوقد شمعة لا أن نلعن الظلام. فلعن الظلام يحسنه كل أحد ، ويمارسه كل أحد.

للأسف ، فإن كثيرا من الحركات والأحزاب الإسلامية ، قد حشرت ، أو حشرت نفسها ، في مربع المعارضة ، وفى منطق المعارضة ، بمعناه الديمقراطي الحزبي التقليدي، ومنطق المعارضة هذا يلزمك أن تقف دائما بالمرصاد لكي تنتقد وتستنكر وتدين وتستهجن وتقاوم وتعارض وتفضح وتسب وتلعن..

الاشتغال بالمعارضة والمناهضة ينبغي أن يكون مهمة عرضية، لا مهنة دائمة. أما الأصل الدائم، فهو الاشتغال بالبناء والإنجاز وتحقيق المصالح والمنافع. وبالله تعالى التوفيق.

توفي اليوم الجمعة 6 يوليوز 2018 المفكر الإسلامي الأردني والوزير السابق إسحق الفرحان عن 84 عاما في الأردن، وقالت جماعة الإخوان المسلمين في بيان نشرته على صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، إنها تنعى العالم المجاهد والمربي الفاضل معالي الدكتور اسحق الفرحان، الذي قضى حياته عاملا ورائدا في خدمة دينه ووطنه وأمته.

والدكتور إسحق أحمد الفرحان سياسي وتربوي أردني ذو أصول فلسطينية من مواليد عين كارم (القدس) عام 1934، درس الكيمياء في الجامعة الأمريكية في بيروت ثم دكتوراه من أمريكا.

ويعد الفرحان، واحدا من قيادات الحركة الإسلامية، ورئيس الجمعية العلمية، وهو عضو أول مجلس استشاري أردني.

وعرف الفرحان في المجالات الإعلامية والأكاديمية وله العديد من الكتب والأبحاث، كما ساهم بتأليف غالبية المناهج التعليمية في الأردن، وقد كانت له عضوية التحرير والاستشارات لمجلات علمية محكمة، وساهم في العديد من الأعمال العلمية والفنية والمؤلفات والأبحاث والتقارير الفنية والمقالات العلمية والمترجمة.

تسلم الفرحان منصب وزير التربية والتعليم والأوقاف عام 1973 وشرف فيها على صياغة مناهج التعليم في الأردن، قبل أن يتسلم رئاسة الجامعة الأردنية.

وتولى أمانة "جبهة العمل الإسلامي"، وكان عضوا بمجلس الأعيان 1989-1993، قبل أن يترأس جامعة الزرقاء الخاصة منذ العام 1994 وحتى العام 2007.

وساهم الراحل بالعمل في عدد من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الشعبية في مجال العمل الخيري والتطوعي والإسلامي العام، وعضو مؤسس في جمعية المركز الإسلامي الخيرية في الأردن منذ عام 1975م، ورئيس لجنة الصدقة الجارية فيها حتى اليوم.

حاصل على وسام التربية الممتاز (وزارة التربية والتعليم، في الأردن)، ووسام الاستقلال الأردني من الدرجة الأولى (الديوان الملكي الأردني).

الإصلاح

الجمعة, 06 تموز/يوليو 2018 11:55

معلومات حول الجمع العام الوطني السادس

تاريخ انعقاد الجمع الوطني السادس : أيام  3 ، 4 و 5  غشت 2018 

مكان انعقاد الجمع العام الوطني السادس : مدينة الرباط

شعار الجمع العام الوطني السادس : الإصلاح أصالة وتجديد

 

طريقة انتخاب الرئيس:

ينتخب الجمع العام الوطني الرئيس ويصادق على نائبيه ويتم الجمع العام أعماله تحت رئاسة الرئيس الجديد، ويرشح لرئاسة الحركة من بين أعضاء الجمع العام الوطني من لهم أقدمية عشر سنوات (10) على الأقل في التنظيم وسبق لهم أن كانوا أعضاء في هيئات مركزية أو وظيفية أو تخصصية، وكل من تولى رئاسة الحركة لدورتين عاديتين كاملتين متتاليتين، لا يرشح لدورة أخرى إلا بعد انقضاء دورة عادية كاملة تحت رئاسة غيره.

 

شروط العضوية في الجمع العام الوطني :

يشترط في المندوبين للجمع العام الوطني أولا المحافظة على واجبات العضوية، وثانيا التوفر على أقدمية ثلاث سنوات (3) على الأقل في عضوية التنظيم العام.

 

تكوين الجمع العام وانعقاده :

ينعقد الجمع العام مرة كل أربع سنوات بدعوة من المكتب التنفيذي بحضور ثلثي أعضاءه عل الأقل، ويحدد عدد المندوبين للجمع العام الوطني ونسبة توزيعهم على المناطق أساس بالتمثيل النسبي بمقرر تنظيمي يصدره المكتب التنفيذي، ويتكون الجمع العام من أعضاء مجلس الشورى وضعف عددهم على الأقل، ومن مندوبين منتخبين في المناطق ومن يضيفهم المكتب التنفيذي في حدود 10 % على الأكثر.

 

المصادقة على باقي أعضاء المكتب التنفيذي :

يرشح الرئيس أمام الجمع العام الوطني نائبا أول له ونائبا ثانيا له والمنسق العام لمجلس الشورى، أما باقي أعضاء المكتب التنفيذي فيقترح الرئيس عددا من المرشحين لا يقل عن أحد عشر (11) عضوا ولا يتجاوز خمسة عشر (15) عضوا، ويمكن لرئيس إلحاق ثلاثة أعضاء (3) على الأكثر بالاستشارة مع أعضاء المكتب وتتم المصادقة على الأعضاء الملحقين بأغلبية ثلثي أعضاء المكتب التنفيذي.

تحت شعار "من أحل عمل تنظيمي مستوعب لأدواره منسجم مع وظائفه"، انطلقت فعاليات الملتقى الجهوي للقيادات الطلابية – دورة البناء وذلك يوم 6 يوليوز 2018 بمدينة فاس، والذي تنظمه التنسيقية الجهوية لمنظمة التجديد الطلابي جهة القرويين.

وسيعرف النشاط الذي سيمتد على مدى 3 أيام، مشاركة 60 من قيادات فروع منظمة التجديد الطلابي بالجهة الكبرى للقرويين.

ويهدف هذا الملتقى إلى تأهيل القيادات المحلية لجهة القرويين الكبرى من خلال أهداف إجرائية :

  • ترسيخ مقومات وأساسيات المنهج الإصلاحي لدى القيادات الطلابية المحلية
  • مدارسة ومناقشة بعض التحديات التنظيمية الداخلية
  • إعداد مشاريع خطط وبرامج جهوية للموسم القادم 19/20.

الإصلاح

الجمع العام التأسيسي 1996

انعقد الجمع العام التأسيسي في غشت 1996 وانتخب الدكتور أحمد الريسوني رئيسا والأستاذ عبد الله بها رحمه الله نائبا له، وتميزت هذه المرحلة الأولى، التي دامت سنتين وسميت بـ"الانتقالية"، باستكمال الدمج بين الحركتين على جميع المستويات، وصياغة الأوراق التصورية. وقد ارتكز إنجاز عملية الوحدة على أسس ثلاثة: المرجعية العليا للكتاب والسنة؛ اعتماد الشورى الملزمة وسيلة لاتخاذ القرارات؛ اعتماد الانتخاب آلية لتولي المسؤوليات.

 

الجمع العام الوطني الأول 1998 – 2002

بمقر الحركة المركزي بالرباط

تمثلت أولويات الحركة التي صادق عليها الجمع العام الوطني الأول لمرحلة (1998 – 2002)؛ في تقوية البناء التربوي والتنظيمي، وإرساء سياسة التخصصات من خلال تأسيس هيئات ومؤسسات متخصصة، أنشأتها الحركة أو تشترك معها في نفس المشروع المجتمعي، في مجالات العمل النسائي والاجتماعي والطفولي والطلابي والثقافي أو العمل السياسي والعمل النقابي. وقد عرف هذا الجمع العام انتخاب الدكتور أحمد الريسوني رئيسا للحركة والأستاذ عبد الله بها رحمه الله نائبا له.

 

الجمع العام الوطني الثاني 2002 – 2006

بمعهد مولاي رشيد للطفولة والشباب ببوزنيقة أيام 14 و15 دجنبر 2002

شكل الجمع العام الوطني الثاني المنعقد أواخر سنة 2002، محطة لإبراز الوظائف الأساسية للحركة، والمتمثلة في الدعوة والتربية والتكوين، وخلاله انتخب الجمع العام الدكتور أحمد الريسوني رئيسا والأستاذ محمد الحمداوي نائبا له.

 وقد حدد الجمع العام أولويات هذه المرحلة (2002 - 2006) فيما يلي:

- رفع المستوى التربوي وتقوية فعالية الأعضاء؛

- الاهتمام بفئة الشباب؛

- دعم وتعزيز انخراط التخصصات في المجتمع مع اصطحابها للبعد الدعوي والتربوي؛

- تقوية الدور الإعلامي للحركة.

 

الجمع العام الوطني الثالث 2006-2010

بمدينة المحمدية من 4 إلى 6 نوفمبر 2006

شكل الجمع العام الوطني الثالث الذي انعقد متم سنة 2006 وانتخب الأستاذ محمد الحمداوي رئيسا للحركة وبداية مرحلة تميزت بانطلاق العمل بالمخطط الاستراتيجي، الذي انبثق من وعي عميق بالأبعاد الحضارية الكبرى لعمل الحركة وبالأدوار الأساسية المنوطة بها انطلاقا من أدبياتها المؤسسة، الأمر الذي مكن من صياغة رؤية ناظمة لعمل الحركة وهي:" عمل إسلامي تجديدي لإقامة الدين وإصلاح المجتمع"

ورسالتها المتمثلة في:

"الإسهام في إقامة الدين وتجديد فهمه والعمل به، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة؛ وبناء نهضة إسلامية رائدة وحضارة إنسانية راشدة؛ من خلال حركة دعوية تربوية، وإصلاحية معتدلة، وشورية ديمقراطية، تعمل وفق الكتاب والسنة. وتعتمد الحركة أساسا إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحا مصلحا في محيطه وبيئته. كما تلتزم منهج التدرج والحكمة والموعظة الحسنة، والتدافع السلمي، والمشاركة الإيجابية والتعاون على الخير مع غيرها من الأفراد والهيئات".

كما حدد المخطط الاستراتيجي للحركة مجموعة من مجالات العمل الاستراتيجية وتوجهاتها، على الشكل الآتي:

الدعوة : تعزيز الانفتاح الدعوي للحركة في محيطها على مختلف الشرائح الاجتماعية ودعم الفاعلين الدعويين والتعاون معهم.

التربية والتكوين : إقامة منظومة تربوية ترتقي بالفرد إلى مستوى حسن الالتزام بالدين والدعوة إليه، ومنظومة تكوينية لتخريج أطر رسالية

الإنتاج الفكري والعلمي والفني : تجديد المشروع الفكري وإطلاق حركية علمية فكرية جديدة، واستيعاب التراث والإبداع المغربيين وتطويرهما.

الإعلام والتواصل والعلاقات العامة : بناء إعلام قوي ومتنوع وإعداد كفاءات إعلامية رسالية، وتقوية تواصل الحركة وعلاقاتها العامة وتفاعلها مع محيطها المحلي والوطني والدولي.

 

الجمع العام الوطني الرابع 2010 – 2014

المدرسة العليا لأساتذة التعليم التقني بالرباط من 16 إلى 18 يوليوز

خلال الجمع العام الوطني الرابع الذي انعقد شهر يوليوز 2010، والذي عرف انتخاب الأستاذ محمد الحمداوي رئيسا للحركة لولاية ثانية، وقد تم اعتماد التوجه العام لمرحلة (2014-2010) والمتمثل في "الإسهام في ترشيد التدين وتعزيز سمو المرجعية الإسلامية في تدافع الهوية والقيم"؛ وذلك لمواكبة التوسع والانتشار الذي شهدته ظاهرة التدين في المجتمع من جهة، ولمواجهة تنامي استهداف سمو المرجعية الإسلامية من جهة أخرى.

في سنة 2012؛ واستحضارا للتحولات التي عرفها المغرب إبان مرحلة الربيع الديمقراطي وتفاعلا مع نتائج الحراك الشعبي من إصلاحات دستورية جسدها دستور 2011، وانتخابات تشريعية كان من نتائجها تحمل حزب العدالة والتنمية، الشريك الاستراتيجي لحركة التوحيد والإصلاح، مسؤولية تدبير الشأن العام، وكذا عدد من الإصـلاحات شهدتها البلاد في إطار خيار "الإصلاح في ظل الاستقرار"، عملت الحركة على تحيين المخطط الاستراتيجي، الذي صادق عليه مجلس الشورى في دورة استثنائية بتاريخ 29 أبريل 2012.

وقد احتفظت الحركة برؤيتها ورسالتها المعتمدتين، وحينت تشخيصها للواقع ومجالات عملها، حيث تمت إضافة مجالين استراتيجيين، هما مجال العمل الشبابي ومجال العمل المدني.

 

الجمع العام الوطني الخامس 2014-2018

بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط من 8 إلى 10 غشت 2014

انعقد الجمع العام الوطني الخامس في غشت 2014 وانتخب المهندس عبد الرحيم شيخي رئيسا للحركة خلفا للمهندس  محمد الحمداوي، واعتمد هذا الجمع العام التوجهات الاستراتيجية الآتية:

الدعوة : التعاون على إشاعة الوسطية وتعزيز قيم الاستقامة.

التربية : توسيع التأطير التربوي العام ورفع الفاعلية التربوية لأعضاء الحركة وتقوية جهود التجدد العضوي.

التكوين : رفع فعالية مسؤولي وكفاءات الحركة وإعداد أطر المستقبل.

الإنتاج العلمي والفكري : تقوية جهود الاجتهاد في العلوم الشرعية، والتجديد الفكري لخدمة الإصلاح.

العمل الشبابي : توسيع تأطير واستيعاب وإشراك الشباب ودعم قدراته الدعوية والتربوية والتكوينية.

العمل المدني : تفعيل دور المجتمع المدني في ترسيخ قيم الإصلاح.

الإعلام : تطوير الإعلام لمواكبة التحديات والحضور النوعي في المشهد الإعلامي الجديد.

 

الجمع العام الوطني السادس 2018 – 2022

بمدنية الرباط، أيام  3، 4 و 5 غشت 2018 إن شاء الله

تحت شعار :" الإصلاح أصالة وتجديد".