الأربعاء, 26 كانون1/ديسمبر 2012 11:58

كيـــف يدبر الآبـــاء صداقــات أبنائهـــم؟

يؤكد علماء النفس أن تنمية مهارات الصداقة لدى الأبناء ضرورة تربوية مهمة ومسؤولية عظيمة لايدرك أهميتها إلا الأسرة الواعية، الأكثر حرصا على صحة أبنائها النفسية فهذه المهارات تتمثل فى دمج الأبناء منذ مرحلة مبكرة مع أقرانهم من أبناء الجيران والأقارب وزملاء المدرسة وما شابه ذلك فهو أمر من شأنه أن يخلص الأبناء من أمراض نفسية خطيرة مثل العزلة والانطواء اللذين يحولان الطفل إلى شخصية هشة وضعيفة حيث تسهم الصداقة والعلاقات الاجتماعية بصفة عامة فى نموه الحركى والاجتماعى والنفسى بشكل كبير. وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

ويبقى السؤال المطروح هو كيف يدبر الآباء أمر صداقات أبنائهم، وفي حالة فشل أبنائهم في الاختيار كيف يتدخل الآباء؟ أسئلة تحاول هذه الأسطر الإجابة عنها قدر الإمكان.

 

إهمال فاغتصاب

ريم طفلة في الخامسة عشر من عمرها صرحت لـ "التجديد" وهي تعتصر ألما أن إهمال والديها كان سببا في ما أصبحت عليه بعد تعرضها لاغتصاب من قبل أخ صديقتها.

تقول ريم: "لم يهتم أبي كما أمي بحالي وبحال إخوتي بل كل همهما مشاكلهما التي فرقت بينهما، وفي الوقت الذي كنت أبحث عن الحنان من والدي ولم أجده خرجت أبحث عنه في الخارج حتى سقطت ضحية، كنت أذهب عند صديقة لي وبدأ أخوها يتقرب مني شيئا فشيئا، ووجدت عنده من الحنان ما لم أجده عند والدي مما سهل علي الوقوع بين يديه والخضوع لرغباته، وكانت النتيجة أنه اغتصبني في بيت أسرته والكل غائب، وأنا الآن نادمة لكن بعد فوات الأوان، لو وجدت الحنان من والدي ما ذهبت أبحث عنه في الخارج".

إن هذه الصرخة وإن كانت بعد فوات الأوان بالنسبة لريم التي فارقت دراستها بعد ما وقع لها، لكنها ناقوس خطر يدق على مسامع الآباء الذين يهملون حاجات أبنائهم العاطفية ظانين أن المأكل والملبس هما غاية الغايات.رسالة ريم واضحة أن الآباء عليهم أن لا يهملوا أمر صداقات أبنائهم لكن دون المغالاة فى فرض سلطتهم على الأبناء فى اختيار أصدقائهم أو إعطائهم الحرية دون وضع الضوابط فى الاختيار؛ فلابد أن يتخذوا بين ذلك سبيلا.

 

تدخل مرفوض

يرى عمر (17 عامًا) أن تدخل الآباء فى اختيار أصدقاء الأبناء أمر يسبب ضيقًا شديدًا للأبناء حيث يشعرهم دائما بأنهم صغار لا يقدرون على تحمل مسؤولية أى اختيار مشيرا إلى أن علاقة الصداقة بالتحديد لابد أن تكون بمحض إرادة الأبناء لأن الأصل فيها الراحة النفسية والشعور بالارتياح ويرى أن كثيرا من الآباء يرفضون صداقات أبنائهم لأسباب غير مقنعة كالحكم على الصديق مثلا من خلال مظهره الخارجى مثل قصة شعره أو طريقة ملابسه أو مستواه الدراسى أو الاجتماعى وكلها مبررات غير مقنعة مادام هو شخصا صاحب خلق طيب ومن ثم لابد أن يحكم الآباء على أصدقاء أبنائهم من خلال المعاشرة لهم وتقييم سلوكهم ومن ثم يكون القبول أو الرفض.

 

الرفق والمرافقة

(ن. ك) أم لثلاثة بنات أكبرهن عمرها 19 سنة، تقول إنها لن تنسى جميل الجمعية التي أعانتها على تربية بناتها بما في ذلك اختيار صديقاتهن، فهذه الأم لا تتوانى في مرافقة بناتها إلى الجمعية في العطل وفي مختلف المناسبات، مما جعلهن يخترن صديقاتهن من الجمعية، وبالتالي فهي إلى حد ما مطمئنة ما دامت تعرف صديقات بناتها، بل وترافقهن إلى الأسواق وتستضيفهن في بيتها وتشارهن في بعض أمورهن حتى أصبحت هي الأخرى صديقة لهن.

وترى (ن. ك) أن الآباء إذا رعوا صداقات أبنائهم فإنهم يتقون شرورا كثيرة قد تأتي من صداقات اختيرت عشوائيا.وتؤكد (ن. ك) أن العمل الجمعوي له دور مهم في موضوع صداقات الأبناء خصوصا إذا كان عملا هادفا ويسعى لنشر أخلاق حميدة بين المستفيدين منه.

 

اجتهاد الآباء

ترى صالحة بولقجام مستشارة في قضايا التربية والأسرة من خلال حديثها لـ «التجديد» أن: «من الأدوار التربوية التي ينبغي للآباء أن يولوها عناية خاصة جدا تدبير صداقات الأبناء لأن كثيرا من الأبناء يتأثرون بالأصدقاء تأثيرا هاما خصوصا في مرحلة المراهقة حيث يسمع الابن للأصدقاء أكثر من والديه، وبالتالي ينبغي تدبير هذه الأمر قبل مرحلة المراهقة أي في مرحلة الطفولة الوسطى والطفولة المبكرة.

وعلى الآباء أن يجتهدوا في ربط علاقات لأبنائهم وهم في أربع أو خمس سنوات مع أطفال أبناء أسر تكون حريصة على أمر التربية والتنشئة السليمة، عبر ربط العلاقات مع هذه الأسر، ويمكن تشجيع الأطفال على ربط علاقاتهم عبر تنظيم أسفار وخرجات جماعية، أو حضور مناسبات بعضهم البعض أو المناسبات الدينية، وعبر التهادي بينهم في مختلف المناسبات، حتى تنسج بينهم علاقات بتوجيه منالآباء بشكل غير مباشر، حتى إذا بلغوا مرحلة المراهقة تكون هذه العلاقات قد بنيت ونسجت من قبل، ومن هنا يسهل على الآباء تفادي مجموعة من المشاكل التي يمكن أن تأتي من صداقات أبنائهم التي تكون خارج رعاية وتوجيه الآباء».

وأضافت بولقجام أنه: «في الحالات التي تنسج علاقات صداقة الأبناء خارج رعاية الآباء يجدر بهؤلاء أن يتقصوا عن الوضع التربوي والأخلاقي والتعليمي لأصدقاء أبنائهم، فإن كان بالشكل المطلوب، فليشجعوا على هذه الصداقات وعلى استمرارها وإن لم يكن كذلك فليحاولوا بشكل غير مباشر أن يبعدوا أبناءهم عن هذه الصداقات لأن التوجيه المباشر يؤدي إلى العناد من قبل المراهق والتشبث بهذه الصداقات وتحدي الآباء والمضي فيها، مما سيترتب عنه إشكالات كثيرة جدا يصعب على الأبناء والآباء معالجتها معا».

وفي ما يخص دور الآباء مع المؤسسات التعليمية ما دامت الصداقات في أغلبها تأتي عبر هذه المؤسسات، تقول صالحة بولقجام: «الآباء يلاحظون ويسمعون عن أصدقائهم من خلال أبنائهم، وإذا كانت لهذه الصداقات تأثيرات سلبية يجب مناقشة الأمر مع المؤسسة التعليمية ومحاولة إبعاد الابن عن هذه الصداقات، بل وحاولة إصلاح هؤلاء الأصدقاء حتى لا يكون تأثيرهم سيء على أبناء المدرسة».

 

العمل الجمعوي

تؤكد صالحة بولقجام على أهمية المجتمع المدني، والجمعيات العاملة في مجال تأطير الأبناء وتنشئتهم تنشئة سوية، خاصة في هذه الظروف التي نعيشها الآن حيث أصبحت مؤثرات كثيرة سواء على المستوى الإعلامي أو الشارع، التي تؤثر على أخلاق أبنائنا وسلوكياتهم بشكل سلبي، ولذلك تقول المستشارة التربوية: "نهيب بالمجتمع المدني أن يمارس دورأ اكبر من الذي يمارسه، خصوصا في تربية الأبناء، فلابد للجمعيات الطفولية والجمعيات المهتمة بالشباب واليافعين أن تقوم بمجهودات أكبر، وكذلك لابد للمواطنين الذين يطمحون أن يكون المجتمع في وضع أحسن مستقبلا أن يدعموا هذه الجمعيات بأي شكل من أشكال الدعم لكي تتمكن من أداء مهامها التربوية لمساعدة الأسر، وللمساهمة في بناء مجتمع راشد، وكذا المساهمة في تخريج جيل فاعل معطاء قادر على تحمل المسؤولية.

ولكي نحقق الأهداف الكبرى لابد أن يكثف المجتمع المدني من مجهوداته لأن الأمر يتعلق بمستقبل المجتمع".

 

الاستشارة التربوية

تقول صالحة بولقجام في حديثها لـ "التجديد" :  "إذا تم ربط صداقات بين الأبناء واصدقائهم وتبين أن هذه الصداقات تترتب عنها مشاكل ينبغي بداية عدم التعامل مع المشكل بانفعال، بل نضع المشكل فوق الطاولة الأأسرية ليناقش الأب والأم حيثيات الموضوع من أجل البحث عن حلول بشكل هادئ وإذا عجزا عن احتواء المشكل، هنا لابد من طلب استشارة المستشارين المختصين في الموضوع أو يلجِؤوا إلى مراكز الإرشاد الأسري حيث يوجد أخصائيون نفسيون وتربويون من أجل معالجة المشكل معالجة صحيحة لأن أي تصرف انفعالي وبدون توجيه وحسابات دقيقة قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية، ونحن بصفتنا نمارس عملية الاستشارة نلمس ذلك إذ يزداد المشكل سوءا عند عدم حسن التدبير.

ومن خلال الممارسة يتم التعامل حسب طبيعة المشكل المطروح، ففي بعض الأحيان تتم محاورة الابن وحده والآباء وحدهم وفي أحيان أخرى تتم محاورة الطرفين في آن واحد، وفي بعض الأحيان تتم محاورة طرف دون آخر، وأذكر هنا أنه في بعض الحالات يجب معالجة المشكل لدى الآباء وليس لدى الابن إذا كان الخطأ من الآباء في سوء تقديرهم لأمر معين وإساءة التصرف مع الابن في شأن اختيار الصداقات.

وأؤكد أن الحوار مع الآباء والأبناء وتوجيههم يعطي ثمارا طيبة، فقط الأمر يحتاج إلى ترتيب وتهييء الفضاء المساعد على إجراء حوار مناسب لطبيعة المشكل دون إثارة حساسية المراهق بالخصوص، وهذا الأمر كفيل بتفادي الكثير من المشاكل في الحاضر والمستقبل".

 

توجيهي للأبناء

لا تتردد صالحة بولقجام في توجيه الأبناء إزاء آبائهم قائلة: "لابد أن نعرف أن العلاقة مع الوالدين ينبغي أن تحكمها مجموعة من الأمور، على رأسها أن الله تعالى قدس هذه العلاقة كي يطبعها الاحترام والود والثقة، وكلما توفر ذلك توفر للمراهق هامش من الحرية والاستقلالية، ولابد له لكي ينال تلك الحرية أن يكون صادقا مع والديه، وعلى الأبناء أن يعلموا يقينا أنه ما من أحد يحب الخير لأحد ويريد له التفوق والتألق في حياته أكثر مما يحب الآباء لأبنائهم".

 

حبيبة أوغانيم

الثلاثاء, 25 كانون1/ديسمبر 2012 10:55

لا تُزَكوا أنفسكم

 

قال الله تعالى: }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا{،( النساء ، 49)

المشهورُ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ أنها نزلتْ في الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِين قَالُوا: }نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ{، وَفِي قَوْلهمْ: }لَنْ يَدْخُل الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى{، وكَانُوايَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لا ذُنُوب لَهُمْ، وقولهم: "آباؤنا سَيشفعونَ لنا ويُزكّوننا"، وقد ذكرَ أهلُ العلمِ أنها نزلت في ذَمّ التَّمَادُح، وَالتَّزْكِيَة، وأنَّ لفظ الآيةِ عَامّ فِي ظَاهِره، وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ الْمِقْدَادِ بْن الأسْوَد قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَحْثُو فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب.

 وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– رأى رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُل؛ فَقَالَ: "وَيْحكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبك"، ثُمَّ قَالَ: "إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا صَاحِبه لا مَحَالَة؛ فَلْيَقُلْ: أَحْسَبهُ كَذَا، وَلا يُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا"، ولذلك قال الرَّبُّ–  جَلَّ ثَناؤه }بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ{، وقال في آيةِ النَّجْمِ }فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اِتَّقَى{، فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ مِنْ اللَّهِ للْمُزَكِّينَ أَنْفُسهمْ مِنْ الْيَهُود، وَالنَّصَارَى، وغيرهم؛ أَيْ الْمَرْجِع فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، لأنَّهُ أَعْلَم بِحَقَائِق الأمور، وَغَوَامِضهَا، فَلْيَحْذرِ المسلمُ مِن تزكيةِ نفسه، أو الاغترار بعمله، أو مَدحِ الناسِ وتزكيتهم دونَ حاجةٍ، أو مَقصدٍ شرعيّ، والقَصْدُ والتوسط في الأمور خير. اللهمَّ زكِّ نفوسنا، وطَهِّر قلوبنا، ولا تؤاخذنا بما يقولُ الناسُ عنّا، واجعلنا عندكَ خيراً ممّا يقولون. 

الثلاثاء, 25 كانون1/ديسمبر 2012 10:17

الأساطير المُؤسسة للدولة الدينية

خلال النقاش الدائر في مصر في موضوع الدستور، ركزت المعارضة على ورقة التخويف من "الدولة الدينية"، وهو نموذج لا يوجد إلا في أذهان جزء من النخبة، ظلت تُغذيه أساطير الإعلام الرسمي طيلة حكم الأنظمة المستبدة قبل انتفاضة الياسمين وهبوب نسائم الربيع الديمقراطي على الوطن العربي.  و من بين الشعارات الأسطورية التي رفعت "لا لحكم المرشد"، مستدعية في خطابها كل النماذج التاريخية المُخيفة (طالبان، إيران) لتنفير الشارع من مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء الشعبي، وهو دستور حديث، لدولة مدنية –و ليست دينية- قائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام حريته وكرامته، وليس فيه قطع يد السارق ولا رجم المُرتد ولا ولاية الفقيه و لا الولاء لأي مُرشد. و في نفس الوقت يتم غض الطرف عن النماذج المُشرقة في دول إسلامية مثل التجربة التركية.

 هذا النقاش "الحداثي" رجع بنا إلى سنوات الثمانينات من القرن الماضي، حين كانت الأنظمة المستبدة تقمع الحركات المُحافظة وتزج بأطرها وقيادييها في السجون، بدعوى أنهم يهددون الدولة المدنية الحديثة ويستهدفون المرأة والسياحة والأمن والاستقرار في أوطانهم. و كان هذا الحراك مناسبة لحزب الحرية والعدالة المصري لإبراز كوادر رفيعة المستوى استطاعت من موقع التسيير أن تتجاوز الأزمة بحنكة سياسية كبيرة، مما فوت الفرصة على المتباكين على الديمقراطية، الرافضين لنتائجها، رفضا من أجل الرفض.

فزاعة الدولة الدينية المنغلقة والمتطرفة هي نفسها الورقة التي تحاول المعارضة في المغرب توظيفها لإسقاط الحكومة المحسوبة على التيار الإسلامي، رغم أن بن كيران ما فتئ يُؤكد على استبعاد، بل استحالة خيار الانقلاب على مؤسسة إمارة المؤمنين، وحصر القضية في الإسهام في الإصلاح ومحاربة الفساد والتنافس في ذلك، مع الاحتكام لصناديق الاقتراع. فقد أوردت "أخبار اليوم المغربية" أن إلياس العماري، الرجل القوي في حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، قد اتهم رئيس الحكومة، عبد الإله بن كيران، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الجهوي لل"بام" بمراكش، بمحاولة إقامة إمارة إسلامية يكون فيها أميرا.. مضيفا أن المغرب لم يعد مسرحا للصراع على المصالح والمواقع فقط، بل هناك من يريد امتلاك البلد وينصب نفسه خليفة لله في أرضه. كما أوضح أن خطاب رئيس الحكومة ممنهج ويسعى من خلاله إلى بناء إمارة يتوج فيها أميرا !! و كان القيادي الآخر في نفس الحزب حكيم بنشماس قد حذر رئيس الحكومة من "الخونجة" و جر البلد نحو التيار الإخواني أو الوهابي. وخلال حواره مع إذاعة "ميد راديو" يوم 21 دجنبر 2012،  قال المختار الغزيوي، رئيس تحرير "الأحداث المغربية" إن الإسلاميين سرقوا الثورة في مصر، وإنهم في المغرب يتواجدون في التسيير وعلى التيار الحداثي أن يحتاط منهم، لأنهم لا يختلفون عن الإخوان في مصر ولا عن "جبهة الإنقاذ" سابقا في الجزائر، معتبرا ما يحدث من تحولات مجرد "ردة دينية" وفكر دخيل من المشرق مثل زحف النقاب، مضيفا أن الإسلاميين يستغلون الإسلام لأغراض سياسية وبالتالي "ليس في القنافذ أملس".

و في نفس الوقت، أكد من جديد أن الإسلام يعطي للمرأة الحق في أن تمارس حريتها الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج، وهذا لا يتناقض مع الإسلام الحق، إسلام كل المغاربة وليس إسلام الإسلاميين حسب تعبيره، مضيفا أن أخطر ما يهدد المغرب هو الخلط بين الدين والسياسة، و لم يفوت الفرصة للعزف على أسطورة ربط العنف بالجامعة بالطلبة الإسلاميين وتبرئة الفصائل اليسارية والتقدمية !

إلى ذلك تذهب العديد من الكتابات المعارضة لتجربة "العدالة والتنمية"، مُحذرة باستمرار من احتمال زحف بن كيران على إمارة المؤمنين واستغلاله ل "الريع الديني" بسبب ارتفاع نسبة الأمية في المغرب، وهو المسؤول عنها لأنه يؤمن بمقولة "أطعم ولا تعلم"  كما يدعي مصباح رمضان الإدريسي في مقاله عن "صراع الفيلة".

 هي إذن نفس المعزوفة عند المعارضة، في المغرب كما في المشرق، التخويف والتشويه والتشويش، باستعمال الأساطير المُؤسسة للدولة الدينية، والاختباء وراء خطاب المزايدة والعودة بنا إلى نقاش زمن الصحوة وقضايا أصبحت متجاوزة من قبيل الموقف من الديمقراطية ومن الحداثة ومن عمل المرأة خارج البيت والحجاب بين الرفض والقبول وحكم الشرع في الخل والخميرة والحلزون. 

الإثنين, 24 كانون1/ديسمبر 2012 12:24

فقه الشكوى

إذا داهمتْك الأحزانُ والخُطُوب، وكَثُرتْ عليك المعاصي والذنوب، وعزَّ عليك المأمول والمطلوب ـ فانطرح بين يَدَي مولاك، وأظهر له فاقتَك وعجزك، وَاشْكُ إليه حاجتَك: }إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86)، إلى الله، لا إلى أحد سواه سواه!

إِذَا أَرْهَقَتْكَ هُمُومُ الْحَيَــاةِ

                وَمَسَّكَ مِنْهَا عَظِيمُ الضَّـرَرْ

وَذُقْتَ الْأَمَرَّيْنِ حَتَّى بَكَيْـتَ

                وَضَجَّ فُؤادُكَ حَتَّى انْفَجَـرْ

وَسُدَّتْ بِوَجْهِكَ كُلُّ الدُّرُوبِ

                وَأَوْشَكْتَ تَسْقُطُ بَيْنَ الْحُفَرْ

فَيَمِّمْ إِلَى اللهِ فِي لَهْفَـــةٍ

                وَبُثَّ الشَّكَاةَ لِرَبِّ الْبَشَـرْ

فإذا فعلتَ ذلك سَمِع الله شكواك، واستجاب دعاك، كما استجاب لِمَن سبقك من الأنبياء والصحابة والأخيار؛ فهذا أيوب ـ عليه السلام ـ يشكو حاله إلى ربه، فيقول: }أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{ (الأنبياء: 83)؛ فسَمِع الله شكواه، واستجاب دعاه، وكشف بلواه: }فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ{ (الأنبياء: 84).

وهذا يونس ـ عليه السلام ـ ينادي ربه ويُنَاجِيه، ويشكو إليه حاله، فينادي فِي الظُّلُمَاتِ }أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{ (الأنبياء: 87)؛ فسمع الله شكواه، واستجاب دعاه، وكشف بلواه: }فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ{ (الأنبياء: 88).

وهذا نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ يشكو حاله إلى ربه، فيناديه: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنتَ ربُّ المستضعفين وأنت ربي، إلى مَن تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمني؟ أم إلى عدوٍّ ملكتَه أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهِك الذي أشرقتْ له الظلمات، وصَلَح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنْزِل بي غضبَك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)).

وهذا خَبِيب بن عَدِي حينما رفعوه على خشبة الصلب اشتكى حاله إلى ربه، فقال:

لَقَدْ جَمَّعَ الأحزابُ حَوْلِي وأَلَّبُـوا

                     قَبَائِلَهم واستَجْمَعُوا كـلَّ مَجْمَــعِ

وَقَدْ جَمَّعُوا أَبْنَاءَهُم وَنِسَاءَهُــم

                وَقُرِّبْتُ مِن جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّـــعِ

إِلَى اللهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْـدَ كُرْبَتِأي

              وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ بِي عِنْدَ مَصْرَعِي

فَذَا الْعَرْشِ صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي

              فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَـعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَــأْ

                     يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَـــزَّعِ

لَعَمْرِيَ مَا أَحْفَلْ إِذَا مِتُّ مُسْلِمًـا

                     عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ للهِ مَضْجَعِـــي

وهذه امرأةٌ ضعيفةٌ تشكو زوجها إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم فيسمع الله شكواها، ويحل مشكلتها بآيات تتلى إلى يوم القيامة: }قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ{ (المجادلة: 1) الآيات.

وهذا الربيع بن خثيم يقول في شكواه: «اللهم أشكو إليك حاجة لا يحسن بثها إلا إليك، وأستغفر منها وأتوب إليك».

أُصَعِّدُ أَنْفَاسِي وَأَحْدُرُ عَبْرَتِـي

                بِحَيثُ يَرَى ذَاكَ الْإِلَهُ وَيَسْمَعُ

إَلَى اللهِ أَشْكُو لَا إِلَى النَّاسِ إِنَّمَا

                مَكَانُ الشَّكَايَا لَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ

والله يحب أن يسمع عبده يشكو إليه، ويَمقُت منه أن يشكوه إلى خلقه، قال ابن القيم: «بل أراد منه أن يستكين له، ويتضرع إليه، وهو ـ تعالى ـ يَمقُت مَن يشكوه إلى خلقه، ويحب مَن يشكو ما به إليه، وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه، فقال: ربِّي يرضى ذل العبد إليه».

لَبِستُ ثوبَ الرجا والنَّاسُ قد رَقَدُوا

               وَبِتُّ أَشكُو إلى مَوْلايَ مَا أَجِدُ

وَقُلْتُ: يَا أَمَلِي فِي كلِّ نائبـــةٍ

               ومَن عليه لكشفِ الضرِّ أَعتَمِدُ

أَشكُو إليكَ أمورًا أنتَ تَعلَمُهــا

                     مَا لِي عَلَى حملِها صبرٌ ولا جَلَدُ

وَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي بالذلِّ مبتهــلاً

                إليكَ يَا خيرَ مَن مُدَّت إليه يدُ

فَلا تردَّنَّها يا ربُّ خائبـــــةً

                      فبحرُ جُودِكَ يَروِي كلَّ مَن يَرِدُ

ومع شكواك لربك، فلا بد لك من التحلِّي بالصبر الجميل، وهو الذي لا شكوى معه إلى الخلق، ولا تضجر ولا تسخط، وإنما تشكو إلى الخالق الرحيم الرحمن القادر، لا إلى المخلوق الضعيف العاجز، الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا.

يقول أحد الشعراء الحكماء:

وَإذَا عَرَاكِ بليةٌُ فاصبِرْ لَهَــا

                صَبْرَ الكريمِ فَإنَّه بكَ أَعلـــمُ

وَإِذَا شَكَوتَ إلى ابنِ آدمَ إِنَّمَا

                   تَشْكُو الرَّحِيمَ إلى الذي لا يَرْحَمُ

وهذا عمر يقول: «ما في الشكوى إلى الخلق إلا أن تحزنَ صديقك، وتشمِّت عدوك».

 

أكد محمد شاكر المودني رئيس جمعية مغرب الفن أن هذه الأخيرة تهدف أساسا إلى الإسهام في الإشعاع الفني والثقافي الوطني  وفي التعريف والمحافظة على التراث الفني المغربي وتطويره و الانفتاح على مختلف الألوان والطاقات الفنية المتناغمة مع الهوية والقيم المغربية والحضارية، كما تهدف الجمعية أيضا يتابع المودني إلى  مد جسور التعاون مع جميع الهيئات المحلية و الوطنية والدولية ذات الأهداف المشتركة كما أنها تدعم وتشجع الأعمال الفنية المتميزة وتروم الإسهام في بلورة خطاب نقدي فني ثقافي بناء وتحقيق تبادل ثقافي و فني مثمر يكرس القيم الإنسانية.

المودني قال ل "التجديد" إن انتقاد الجمعية لبعضا من الواقع الفني المغربي، لا يعني بقائها   أسيرة لردود الأفعال، "ولكننا نريد أن نعلن الانخراط في صناعة من أخطر الصناعات التي تصنع الإنسان، خاصة وأن مشروعنا الإصلاحي يؤمن بمركزية الإنسان في كل عمل تغييري تجديدي،» وحول ما يثار عن كون الجمعية تقدم نفسها كبديل عما هو موجود في الساحة قال عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، «إن في المغرب شرفاء، وفيه وطنيون، وفيه أصحاب مبادرات فردية وجماعية قوية ووازنة،  وفيه أصحاب مبادئ لا يساومون، وفيه متشبثون بهويتهم وقيمهم، معتزون بانتمائهم الثقافي والحضاري المغربي... وفيه -مع الأسف- بعض من ارتمى في أحضان الغرب، وانسلخ عن هويته وقيمه، وآمن بثقافة الغرب بكل ما لها وما عليها، وتبنى مرجعياتها واختياراتها، وصار ليس بوقا لها فحسب بل داعية داهية، مدافعا منافحا".

 

لماذا جمعية مغرب الفن في هذا الوقت بالذات؟

نحن اليوم على موعد مع التاريخ، لنسهم في صياغة عهد النهضة الإسلامية الحديثة، ونتشرف بوضع لبنة تنضاف إلى اللبنات التي تؤسس لمسار إصلاحي قديم جديد؛ قديم في روحه التجديدية، جديد في لونه وصبغته، إنه مدخل الإصلاح والبناء من باب الفن..

إننا اليوم مدعوون لننخرط في هذه الصناعة الجديدة التي صارت تُصنِّع الأجيال، تشكل العقول وتوجه الوجدان، وتؤطر الأخلاق وتصنع القيم.. إنها صناعة العصر التي استطاعت تجاوز صناعة الطائرات والسيارات والحواسيب.. فقد جاء في تقرير التنمية البشرية سنة 1999م الصادر عن مكتب الأمم المتحدة الإنمائي أن التجارة العالمية في السلع ذات الصلة بالثقافة تضاعفت ما بين 1980 و 1991م لتصل إلى 68 مليار دولار.

وعندما نقول السلع ذات الصلة بالثقافة فإننا نقصد من بين ما نقصد أساسا وعلى رأس قائمة السلع الصناعة السينمائية -فضلا عن الصناعات الثقافية الفنية الأخرى-، ولا تخفى مدى مهارة مصانع هوليود خصوصا، والمصانع السينمائية العالمية عموما في إتقان العمل والقدرة على التسويق ومن ثم التأثير السلوكي والتوجيه القيمي، أو قل بالأحرى التوجيه الذي يضرب بالمبادئ الأخلاقية والقيم عرض الحائط، ليفسح المجال لمبادئ جديدة ترتكز اللامبدأ منطلقا، وقيم «حديثة» تعصف بكل القيم الإسلامية الراشدة، بل والقيم الإنسانية العاقلة، في حرب باردة أحيانا، وصاخبة أحيانا أخرى، يمكن وسمها "بحرب الهوية" أو"صراع القيم". لهذا جاءت "مغرب الفن" في سياق الإسهام في هذا التدافع الحضاري.

 

هل تعتبرون أنفسكم غير مسبوقين إلى هذا الدور أو تقدمون أنسكم كبديل عما هو موجود؟

إن في المغرب شرفاء، وفيه وطنيون، وفيه أصحاب مبادرات فردية وجماعية قوية ووازنة،  وفيه أصحاب مبادئ لا يساومون، وفيه متشبثون بهويتهم وقيمهم، معتزون بانتمائهم الثقافي والحضاري المغربي... وفيه -مع الأسف- بعض من ارتمى في أحضان الغرب، وانسلخ عن هويته وقيمه، وآمن بثقافة الغرب بكل ما لها وما عليها، وتبنى مرجعياتها واختياراتها، وصار ليس بوقا لها فحسب بل داعية داهية، مدافعا منافحا، مبدعا مجددا، كما صرح أحد المسؤولين وهو يحدد هدف المهرجان العالمي للرقص العصري بمراكش في دورته الثالثة سنة 2008م، قال: "هو تحرير الجسد من كل القيود والضوابط كيفما كانت وخصوصا التقاليد والأعراف التي تكبل جسد الفتاة"، وهو ما تكرر على لسان أحد المخرجين المغاربة ممن شاركوا في مهرجان مراكش الأخير، وغير خاف أن الدين عند بعض أهل الفني صار من جملة التقاليد والأعراف التي تكبل الإنسان وتكبح ملكاته الفنية وقدراته الإبداعية وهذا محض ادعاء ليس له ما يسنده.  وجمعية مغرب الفن مدعوة اليوم إلى الانخراط الإيجابي، ومد اليد إلى كل الفاعلين قصد التعاون على خدمة رسالة الفن وإرساء وظيفته البنائية في المجتمع.

 

  كيف تردون على التكهنات التي تقول ببقائكم في دائرة ردود الأفعال والتعليق على أعمال الآخرين؟

إننا حين ننتقد بعضا من واقعنا الفني، لا نريد أن نبقى أسيري الأفعال وردود الأفعال، ولكننا نريد أن نعلن الانخراط في صناعة من أخطر الصناعات التي تصنع الإنسان، خاصة وأن مشروعنا الإصلاحي يؤمن بمركزية الإنسان في كل عمل تغييري تجديدي، ويؤمن بالمبادرة والفعل، وأن نوقد شمعة خير من أن نلعن الظلام..، وكلنا إيمان بأن "من سار على الدرب وصل" بتوفيق الله تعالى.

إننا ونحن نهم اليوم بتأسيس جمعية فنية تهتم بهذا العمل وتؤسس لمسار جديد في العمل الإسلامي والفعل الإصلاحي، لا ننطلق من رد الفعل، ولا من تقليد أعمى، ولا من وضع غير مفهوم ولا محسوب..، فنحن نعتبر فعلنا امتدادا لجهود وطنية مخلصة أسست لعمل فني ملتزم ومتميز، من واجبنا اليوم أن ننخرط في هذه الجهود دعما أو استئنافا بما يخدم مصلحة الوطن، ويسهم في المسار التنموي لهذا البلد.

 

  ما هي بعض المنطلقات أو المرجعيات التي أسستم بها لفعلكم الفني وستحكمه ؟

   إننا ننطلق أساسا من أصالة هذا الفعل في ديننا الحنيف، ديننا الجميل الذي أسس لكل قيم الجمال، وأقوال الجمال، وأفعال الجمال...كيف لا و"الله –عز وجل- جميل يحب الجمال"  –كما في الحديث الذي رواه مسلم-، وأقام الخلق على قاعدة الجمال والحسن، قال تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) -سورة السجدة: الآية 7-، وأمر سبحانه بالتجمل والتزين في كل شيء: فعند المسجد (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) -سورة الأعراف : 31، وعند القول: (قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) -سورة الإسراء: الآية 53- وعند الصفح: (فاصفح الصفح الجميل) -سورة الحجر: الآية 85-، وعند الصبر: (فصبر جميل) -سورة يوسف: الآية 18-، وعند الهجر: (واهجرهم هجرا جميلا) -سورة المزمل: الآية 10-، وجعل الإحسان في أعلى مراتب الفعل العبادي، كما جاء في جديث جبريل المشهور الصحيح وهو يعرف الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وقال تعالى: (والله يحب المحسنين) –سورة آل عمران: 134-.

فالجمال والحسن في ديننا أصيل، والقبح طارئ، بل إن الفنون أصلها "ديني" لا هوليودي، انبثقت من المعابد وانطلقت في فضاء الروح ترانيم وتراتيل تهذب وتشذب وترشد، وأما الإسفاف والابتذال فكله طارئ.

ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى الفعل والمبادرة، خاصة وأننا أمام فرص تاريخية من النباهة أن نقتنصها وعلى رأسها تحولات الربيع العربي وما حمله معه هذا الربيع من الخضرة وألوان البهاء والجمال..

وكلنا تابع حرب دفاتر التحملات، ومناظرة السينما الوطنية، والرسالة الملكية... وغير ذلك، مما ظهر معه اهتمام رسمي برسالية الفن وأهميته في الإصلاح والبناء.

ثم إننا نؤمن بأهمية الفن وانسيابيته وقدرته على التأثير القوي وبشكل غير مباشر، سواء كان بالكلمة أو بالصوت أو بالصورة أو بها جميعا.. أو بغيرها.

كما أن هناك موجة من التدين العام والصحوة الدينية في مختلف الأوساط من العوام والنخب والفنانين...، تحتاج فعلا إلى تأطير وترشيد واحتضان، وبلغات مفهومة كما في الحديث: «خاطبوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله»، ولغة الفن من تلك اللغات التي ينبغي الانتباه إليها وإلى أهميتها خاصة مع الناطقين بها.

كما لا يخفى مدى الحاجة اليوم إلى أعمال فنية تدخل المعترك الحضاري، ومنتوجات تدخل سوق المنافسة، وبرامج ونماذج تخضع لقانون التدافع الكوني: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) -الآية-

إن كل هذا وغيره يمكن اعتباره من أهم الدواعي اليوم إلى تأسيس جمعية فنية وطنية ملتزمة بقيم ديننا وخصوصيات وطننا الثقافية والحضارية، وليس اهتمامنا بالمسألة الفنية وليد اللحظة، ولكنه مسار طويل يتوج اليوم بتأسيس هذه النواة التي نسأل الله تبارك وتعالى أن ينبتها نباتا حسنا، وأن يسددنا من خلالها ويوفقنا للقيام بمسؤولياتنا وأدوارنا الحضارية المنوطة بنا.

 

ما هي أبرز الأهداف العامة والإجرائية التي ترفعها الجمعية؟

لقد سطرت الجمعية أهدافها بكل وضوح في قانونها الأساسي، ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:

1 -  الإسهام في الإشعاع الفني والثقافي الوطني

2 -  الإسهام في التعريف والمحافظة على التراث الفني المغربي وتطويره

3 - الانفتاح على مختلف الألوان والطاقات الفنية المتناغمة مع هويتنا وقيمنا المغربية والحضارية

4 -  مد جسور التعاون مع جميع الهيئات المحلية و الوطنية والدولية ذات الأهداف المشتركة.

5 -  دعم وتشجيع الأعمال الفنية المتميزة

6 -  الإسهام في بلورة خطاب نقدي فني ثقافي بناء

7 -  تحقيق تبادل تقافي و فني مثمر يكرس القيم الإنسانية.

 

 يطرح بحدة سؤال استقلالية الجمعية عن حركة التوحيد والإصلاح فهل هي بالفعل تابعة للحركة كما كتبت ذلك بعض الجهات؟

  بعض وسائل الإعلام وهي تتناقل خبر تأسيس جمعية "مغرب الفن" نسبت هذه الجمعية –بقصد أو بغير قصد- إلى حركة التوحيد والإصلاح، والواقع أن هناك أعضاء من الجمعية هم أعضاء أيضا في هذه الحركة، ولكن الناظم القوي لكل هؤلاء الأعضاء في جمعية مغرب الفن هو اهتمامهم بالفن بشكل من الأشكال، واستعدادهم للنهوض برسالته وليس انتماؤهم لهذه الهيأة أو تلك، وبالمناسبة فإن لحركة التوحيد والإصلاح كفاعل جمعوي ومدني فضل في إطلاق عدد من المبادرات الجمعوية المدنية القوية، فليس العيب في هذا الإطلاق ولكن العيب أن تظل تلك الجمعيات مرتهنة للجهة التي أطلقتها مكتوفة اليد عن كل مبادرة أو فعل وازن، وهذا للتصحيح أولا، وإلا فإن جمعية مغرب الفن لا تعنيها الانتماءات ولا التوجهات، لأننا نريدها جمعية تمثل بحق مغرب الفن، تفتح أبوابها لكل المغاربة بمختلف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم.. ما داموا مهتمين بالفن مؤمنين بمبادئ الجمعية، ولديهم الرغبة في العمل من داخل الجمعية وفق أهدافها المسطرة، مع احترام استقلالية الجمعية عن كل الهيآت كما نصت على ذلك المادة 25 من قانونها الأساسي.

 

ما هي الخطوط العريضة لبرامج الجمعية خلال السنة المقبلة وهل من أنشطة قريبة لها؟

  الجمعية الآن بصدد استكمال إجراءات التأسيس، ونحن عازمون بحول الله على الإسهام إلى جانب الفاعلين الآخرين بكل إيجابية في هذا الحقل الفني بكل ألوانه ومجالاته من المسرح إلى السينما إلى الأنشودة والغناء إلى الفن التشكيلي إلى الخط... إلى غيرها من الأعمال والمجالات الفنية، إغناء لهذا الحقل وإثراء، تجديدا وإبداعا، إن على مستوى الإشعاع الثقافي والفني، أو على مستوى التكوين لتخريج الكفاءات وتأهيل الفعاليات. كما أننا نريد فعلا أن نسهم في هذا الحوار الوطني الذي انطلق اليوم حول المسألة الفنية ببلادنا بما يسهم في جعل الفن في قلب الحدث، وأداة لإطلاق الطاقات وتوجيه القدرات وتعبئة الموارد، ورافعة أساس للتنمية ببلادنا. 

 

ما موقع المبدعين والفنانين في أجندة الجمعية؟

  أنا قلت إن الجمعية اسم على مسمى، أو هكذا نريدها، نريدها جمعية فنية، وجمعية لكل المغاربة، أبوابها مشرعة في وجه كل الفنانين والمبدعين الذين يشاركوننا نفس الهم ونفس الأهداف للعمل المشترك من داخل نفس الخندق، بل وفي وجه كل الفنانين حتى الذين نختلف معهم، قصد التعاون  معهم على الخير وعلى ما يعود بالنفع على هذا البلد الأمين.

 

ما حجم الجهود التي ستبذلونها للوقوف أمام أشكال الريع الثقافي والفساد الذي يتم باسم الفن؟

من أبرز وجوه الفساد اليوم هذا الذي يتم باسم الفن، ومن المؤسف جدا أن يتجاوز الفساد المجال الإداري والمالي...وغيرهما، إلى المجال الثقافي والفني والذي كان ينبغي أن يبقى بعيدا عن كل أشكال الريع، ليبقى ضمير الأمة وقلبها النابض وبوصلتها الموجهة..

هناك سلسلة من الإصلاحات اليوم جارية على هذا المستوى، ونعتقد أن المسؤولين على هذا القطاع عازمون على إصلاحه، ظهر ذلك جليا من خلال مجموعة من الإجراءات والتدابير التي تم اتخاذها، وعلى رأسها دفاتر التحملات، ومناظرة السينما الوطنية، ومحاولة إشراك مختلف الفاعلين في الحقل الفني، والاستماع للرأي والرأي الآخر... وغير ذلك.  ونحن في جمعية مغرب الفن لا يمكن إلا أن نثمن هذه المبادرات ونبارك كل إجراءات الوضوح والشفافية والمواطنة والديمقراطية، والضرب على أيدي المفسدين. وأعتقد أن الربيع العربي ينبغي أن يزهر ويثمر اليوم ببلادنا، وقد آن الأوان أن يمارس المجتمع المدني صلاحياته، ويقوم بدوره الفاعل في الإصلاح والرقابة كما نص على ذلك دستور الربيع في الفصل 12، وأحسب أننا جميعا معنيون بتفعيل وتنزيل مقتضيات هذا الدستور بما يسهم في دفع المفاسد وتقليلها، وجلب المصالح وتكثيرها، ويحقق بالتالي الانتقال السليم والسلس من وضع الفساد إلى وضع الصلاح، ومن واقع الانحراف والريع إلى دولة الحق والقانون

 

تطرح بعض النقاشات التي تريد تصوير الجمعية بكونها جاءت لتطرح كبديل عن كل ما هو موجود في المجتمع من فعل فني، إلى أي حد هذا الأمر صحيح؟

جمعية "مغرب الفن" جمعية آمنت بالفن وبرسالته المجتمعية، وبدوره الإصلاحي، وبوظيفته في الارتقاء بذوق الإنسان، والسمو بروحه، وتهذيب سلوكه.

جمعيتنا مقتنعة بأن الحاجة اليوم ملحة إلى إشاعة فن ملتزم بقضايا الأمة وهمومها، وبحاجات التنمية، وبأولوية تكريس ثقافة الحرية والكرامة والمواطنة..

وبناء عليه فنحن لا نريد أن تكون الجمعية رقما ينضاف إلى أرقام، بل نريدها رقما نوعيا يشتغل إلى جانب كل الفاعلين في هذا الحقل من الوطنيين الغيورين من هذا البلد، بل ويلتقي معهم على أرضية الصالح العام، ويتعاون معهم في بناء تنمية حقيقية، ومغرب معتز بدينه، متشبث بهويته وقيمه، فخور بثقافته وحضارته. فليست الجمعية إذن بديلا لأحد إلا للابتذال والإسفاف، ولثقافة العري والمجون، ولكل أشكال الريع الثقافي والفني..، وما سوى ذلك فيد الجمعية ممدودة للجميع، مستعدة للتعاون مع كل ألوان الطيف من الفنانين والمبدعين، ومع مختلف الروافد الثقافية المتناغمة مع هويتنا وقيمنا المغربية والحضارية الأصيلة. 

 حاوره محمد لغروس

الإثنين, 24 كانون1/ديسمبر 2012 11:35

أطفالنا والذكاء اللغوي أية مقاربة ؟؟

لا زالت مسألة التعبير اللغوي من أبرز المشاكل التي يعاني منها التلميذ المغربي إذ غالبا ما يفضل أو يضطر إلى التعبير عن مسألة تستوجب التفصيل باختصار مخل يجمله في كلمة أو اثنتين مثل نعم أو لا أو رائع و ممتاز،وما هو برائع ولا ممتاز ولكن الفقر اللغوي هو الذي صيره كذلك؟ ناهيك عن التهجين واللخبطة اللغوية في الحديث العام في الشارع العام والمرفق العام والإعلام العمومي الذي لا يستطيع فيه العديد من الناس نطق جملة سليمة دون أن يخلطوا فيها بين كلمات ومصطلحات من مختلف اللغات واللهجات لا يستقيم تركيبها ولكن التهجين والفقر اللغوي وربما الاستلاب والعقوق اللغوي جعلها تؤدي بعض المعنى هو في الحقيقة أقرب إلى اللامعنى ؟ ناهيك عن إشكال عويص يرتبط بالكتابي كما بالشفوي وهو حينما يضطر التلميذ في إجاباته وامتحاناته أو ربما سؤاله وتواصله العام إلى التفكير باللهجة الأم وترجمة ذلك في ذهنه إلى اللغة العربية ثم إلى اللغة الأجنبية التي لا تسعفه مما يضعه في موقف يفضل فيه الصمت مكرها وإنزال نفسه راضيا منزل التلميذ الذي لا يفهم ولا يشارك في القسم على أن يخوض غمار ترجمات لا تسعفه فيها اللغة ؟؟

         ويبقى التلميذ دائما هو الضحية بما يجني عليه العجز اللغوي في الدراسة أولا وفي التواصل المجتمعي الذي يكون فيه معاقا بامتياز ويضطر فيه كثيرا إلى التواصل بالسباب والشجار كل رصيده فيه كلمات نابية وحركات عنف مدمرة له قبل خصمه، يجني على نفسه ثانيا في الترفيه أيضا إذ تستحيل عليه الألعاب الجماعية الممتعة وتستحيل عليه المواقع الإلكترونية المفيدة لا لشيء إلا لأنها تتطلب لغة رصينة عربية كانت أو أجنبية ليجد المسكين نفسه في مرتع الصور والألعاب المبددة للوقت والمقعدة للنمو،.أما في الجامعة وما بعدها من رحلات البحث عن العمل خاصة في الخارج أو حتى في الداخل ولكن في التخصصات الجيدة، فدونه ودونها معاهد خصوصية  ودروس ليلية لإعادة التكوين والتأهيل وكأنه لم يدرس يوما شيئا وخاصة في مجال امتلاك اللغات ومجالات التدبير والتواصل ؟.عندها يندم التلميذ المسكين ولات حين مندم على ما كان قد تغيبه في حصص الدرس اللغوي وما لم يتقنه من القواعد ولا عشقه من سحر البيان إلى درجة أنه كان كثيرا ما يعمد إلى شراء درهمين من "الزريعة" بدل شراء قصة بسيطة تسليه أو جريدة رخيصة توعيه، و ربما كان يعمد أحيانا إلى شراء علبة سجائر يخرب بها صحته بدل شراء قاموس ينمي به رصيده اللغوي ؟.وكان...وكان...وكان يحفظ ويغني العديد من "الريبرطوارات" الغنائية الركيكة بدل أن يحفظ ويرتل شيئا من محكم ينابيع اللغة العربية الفصحى ألا وهو القرآن الكريم والأحاديث النبوية والأشعار والسير والمغازي وما نهل منها ولف لفها من الإبداعات عبر الزمان والمكان. لماذا لا يكون عندنا تلاميذ شعراء وإن في الشعر لحكمة ؟.لماذا لا يكون عندنا تلاميذ خطباء وفي الخطابة قيادة وإرشاد؟ كيف هم تلاميذنا عموما مع الإبداع والاختراع والإنتاج بدل الاستهلاك واللغة وعاء كل ذلك وامتلاك ناصيتها محركه ومحوره ؟؟

         لسنا بصدد البحث عن الحل، فالمسألة أعقد مما نتصور أو نقترح، المسألة كانت مشكلة قديمة ولازالت معضلة جديدة حقيقية غير وهمية، وكم تكسرت عليها العديد من الجوانب التنموية الأخرى وتخلفت، ولم تفد في ذلك التحصرات ولا المتمنيات ولا أسعفت فيها المبادرات ولا القرارات، رغم أهمية ذلك كله وضرورة استمراره بلا شك، ولعلي سأورد بعض الصور واللقطات التي تبين حجم المأساة وفي طياتها أيضا بعض الحلول والمقترحات التي ستؤتي أكلها كلما تفاعل معها المعنيون وكلنا معنيون وإن من مواقع ومسؤوليات مختلفة.

اللقطة الأولى: اللغة ليست مجرد لغة وأداة تواصل بين الناس بل هي روح وهوية وحاملة الأفكار والمعاني والمبادىء والقيم، وصدق من قال:"كما تتحدث كما تأكل، كما تلبس كما تتصرف"، ولعلنا سنقف على هذه الصورة جلية ناصعة بمجرد إطلالة على الحرم الجامعي، فلكل شعبة طلبتها ولكل طلبة ملبسهم وحديثهم ومظهرهم وسلوكهم العام، ومن هنا يبدأ الاختيار،هل نريد أن نكون كما نحن،متمسكين بلغتنا وهويتنا وقيمنا وأخلاقنا أم مجرد شخصيات زئبقية على هويات ولغات الآخرين وإن ادعينا من الانفتاح والعالمية ما ادعينا.

اللقطة الثانية: استغربت كثيرا وأنا أقف في أحد شوارع المدينة على لوحة إشهارية لمؤسسة خصوصية تعنى بتعليم اللغات،طبعا مجمل اللغات الحية والتي ليست ضمنها اللغة العربية حسب هذه اللوحة طبعا، لا في الدراسة ولا في الأعمال فبالأحرى في السياحة والمقاولة أو في المعلوميات العالمية والمباريات الدولية التي تهتم بها هذه المؤسسة، اللوحة الإشهارية ليست استثناءا ففي كل شوارع المدينة المغربية الأصيلة مئات من اللوحات بلغات وأسماء يعلم الله لمن هي وأين هي، المهم أنه ليس بينها وبين السكان الطيبون الغرباء إلا الخير والإحسان، ولولا القصف الاعلامي المدبلج المدجج الشرس ما سلخ الناس عنوة من لغتهم ولا هجروا قوة من أوطانهم، وإن رابطوا فيها ما رابطوا وصابروا فيها ما صابروا.

اللقطة الثالثة : أتذكر أياما حلوة عذبة مرحة كنت أتعلم فيها لغة أجنبية حية،وكنت أساعدني بالبحث على شبكة الأنترنيت فأبهرتني الجهود الجبارة التي يبذلها أهل هذه اللغة من أجل العناية بلغتهم والعمل على نشرها في كل العالم وما يزخر به من كل وسائل الاتصال وتقنيات التواصل. وفعلا نجحوا في جعلها اللغة المشتركة الأولى في العالم (تنطق في أكثر من 100 بلد وبأكثر من مليار ونصف نسمة) وفي شتى مناحي الحياة : الاتصالات والعلوم(95 % من المقالات العلمية بها)والتجارة والترفيه والدبلوماسية والإعلام، حتى أن مجرد ذكرك أنك تتقنها في نهج سيرتك الذاتية يقوي حظوظك للظفر بوظيفة أحلامك، نعم هكذا في هم مجتمعي شمولي أبدع فيه الجميع وبأساليب ديداكتيكية بسيطة وأخاذة سرعان ما تتجاوز بك مجرد تعلم اللغة إلى عشق أهلها وثقافتها والبحث عن الاندماج في حضارتها ولو عبر الخيال والوجدان وبدون مقابل. ثراء هائل من الثقافة اللغوية من البسيط إلى المتوسط إلى المتمكن، منه المقروء ومنه المسموع ومنه المرئي، الصور والقصص والحكايات والمقالات،المحادثات والاستجوابات والامتحانات، المغنون والخطباء والرؤساء ورجال الأعمال والمشاهير، بل حتى الطلبة والطالبات بما هم متمكنون ومتحمسون ومعتزون شاركوا وأبدعوا في سلسلاتهم لتعلم لغتهم من منطلق همومهم ومستوياتهم وعفويتهم. كل ذلك جعلني أجزم أن هؤلاء هم من يتشبثون بلغتهم وينشرونها، وأن ما نصبوا إليه نحن اتجاه لغتنا الجميلة لا يعدوا أن يكون مجرد أحلام وإن كانت مشروعة وأماني طيبة ولكنها لا تسمن ولا تغير من الواقع شيئا.

         أخلص وأقول أن الذكاء اللغوي كما يقال هو أن يكون الطفل/التلميذ يمتلك ناصية اللغة ويفهم أسرارها ويستطيع التواصل والإبداع بها وفي ذلك نوعية اهتمامه وقوة شخصيته وتجويد حياته، الذكاء اللغوي هو قوة التمتع والاستمتاع بذاكرة قوية ومهارة الكتابة ومتعة القراءة وحبكة الحكاية وحسن الاستماع وعبقرية حل الألغاز والكلمات المتقاطعة ومنهجية التحليل والإجابة والمناقشة... الذكي لغويا هو مستمع جيد للآخر، متحدث يأسر القلوب، مرح يمتلك الطرائف ويجيد المستملحات، يتعلم اللغات الأخرى بسهولة وحماسة، يسعف في الترجمة والتواصل، يبدع في المقالات الصحفية والإعلامية، ويقنع في المناقشات البرلمانية والمرافعات الحقوقية فيرد الحق إلى أهله بقوة الكلمة وحجتها وسلطتها التي لا تضاهيها سلطة، قاضي ومحامي فقيه وخطيب شاعر زجال وأديب مسرحي وروائي سيناريست ومؤلف كثير القراءة والمرجعية الكتبية والبشرية والتجريبية وغيرها. من يكره مثل هذه العبقرية لا في نفسه ولا في أبنائه وأبناء وطنه، وفي لغته الأصلية وغيرها من اللغات بل وحتى اللهجات ؟ ولكن دونه ودون ذلك جهد مستمر وإتقان مقنع لبناء تراكمي مرصوص لبناته الأولى ربما تبدأ منذ صرخة الولادة وغيرها من صرخات الغيظ والتشكي، وغيرها من الابتسامات الشفهية والنغنغات الحلقية، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة من(2 - 6  سنوات) والتي يعتبرها خبراء النمو أنها من أزهى مراحل تكون اللغة عند الطفل، وتتسم هذه المرحلة الحرجة بكثرة أسئلة الطفل وحاجته إلى الحوار والمناقشة والاحتضان العاطفي والاجتماعي، وكل ترك له لقيطا أمام التلفاز لصيقا به أو أسيرا لألعاب فردية باردة يعتبر إهمالا له وإجراما في حقه ويشكل خطورة بالغة على رصيده اللغوي ونموه العاطفي والاجتماعي. ولئن كان الناس في مسألة النهوض باللغة العربية ينادون بالعديد من الجهود الرسمية والقومية والقانونية والمعلوماتية...، فأنا أركز على الجهود المدنية أكثر وأنادي بتحمل الجمعيات التربوية والثقافية وغيرها لمسؤوليتها التاريخية في الموضوع بل أنادي بتأسيس جمعيات وطنية تهتم خصيصا بالموضوع وتناضل فيه غاية النضال وبشراكة مع جميع القطاعات وخاصة التي لها صلات مباشرة بالطفولة والشباب وهي كثيرة.

إن مثل هذه الجمعيات اللغوية هي التي يمكن ليس أن ترافع عن الحقوق اللغوية للمواطن وجودتها فحسب، بل وأن تقدم خدمات تحسيسية للأسر والمؤسسات وغيرها من المواطنين حول المسألة اللغوية عامة، كيف تنمو عند الإنسان وكيف يمكن أن تساهم الجمعيات وتدخل التقنيات السمعية البصرية في ذلك، من البسيط إلى المركب، ومن المحسوس إلى المجرد. كيف ينبغي أن ننمي الذكاء اللغوي عند طفل الروض وطفل المدرسة. أي دور للأناشيد والمسرحيات ومختلف الإبداعات في ذلك. أي خطاب يناسب الطفولة المتأخرة أو المراهقة وهي تحب التعبير عن الذات وخطاب الخيال والمغامرة. أي تقييم للدرس اللغوي والإنشائي في الإعدادي ؟ إلى أي حد تؤدي المطالعة والمحادثة ودروس الترجمة والتواصل دورها في التعليم الثانوي؟.كيف نفعل القراءة والكتابة وتعلم اللغات في كل المراحل التعلمية ؟ أين نحن من تحديات القراءة الغزيرة والكتابة المتواترة للخواطر والمقالات حول الأيام الشخصية والأحداث الوطنية وغيرها وفي المجلات الأدبية والعلمية والصحف اليومية والمواقع الإلكترونية المتاحة ؟ أين طلبتنا من ارتياد المكتبات والخزانات والقدرة على البحث العلمي ومناقشة الأطروحات واجتياز الامتحانات والمقابلات بجدارة.

لا يسعفنا في الأمر غير الذكاء اللغوي الذي ينبغي أن نشجعه في أبنائنا وندعمه في مجتمعنا، ذكاء قد تنضاف إليه كل الذكاءات الأخرى أو جلها، فتكون لصاحبه ومجتمعه منقذا من هذه الرداءة وهذا الهجين اللغوي الذي يجتاحنا كل يوم بلا هوادة.                                                   

الأحد, 23 كانون1/ديسمبر 2012 13:24

ما وراء فوز المصباح بالانتخابات الجزئية

 

كشف اكتساح حزب العدالة والتنمية للانتخابات الجزئية التي جرت بدائرة إنزكان أيت ملول  يوم الخميس 20 دجنبر 2012 وقبله بطنجة ومراكش، عن عدد من المعطيات التي تتجاوز خبر فوز المصباح بالمقعد المتنافس عليه بأغلبية أصوات الدائرة. حيث حصل أحمد أدراق مرشح لائحة العدالة والتنمية على 17800 صوت من أصل 28474 المعبر عنها وفق نسبة مشاركة لم تتجاوز 17 بالمائة من أصل 195 ألف مسجل ضمن الكتلة الناخبة لهذه الدائرة. فيما حل مرشح لائحة الميزان في المرتبة الثانية ب 7378 صوت، واحتلت لائحة حزب جبهة القوى المرتبة الثالثة بـ 2313 صوت، ولائحة حزب الإتحاد الاشتراكي المرتبة الرابعة بـ  759 صوت، ولائحة حزب الحركة الشعبية في المرتبة الأخيرة بـ  224 صوت.

المعطى الأول حسب عدد من الخبراء بالشأن الانتخابي المحلي يتعلق بتحقيق حزب المصباح لاكتساح غير مسبوق في دائرة أيت ملول نموذجا والتي تعرف بكونها قلعة اتحادية بل إن الاتحاد يشكل يرأس بلديتها ويشكل فريق الأغلبية فيها ب 22 مستشار دون حاجة لأي دعم آخر، فيما يشكل فيها حزب العدالة والتنمية المعارضة إلى جاني حزبي التقدم والاشتراكية و"لبام"، وقد حصل "لبيجيدي" في أيت ملول على 5000 صوت مقابل 400 صوت فقط للاتحاد الاشتراكي بمعنى أن كل مستشار اتحادي وعددهم 22 لم يستطع الحصول سوى على 18 صوتا.

المعطى الثاني حسب ذات المتابعين للشأن الانتخابي المحلي، قدرة الحزب على "اقتحام" قلاع استقلالية من قبيل جماعة قروية تسمى ولاد دحو والتي لم يكن حظ فيها في السابق لباقي الأحزاب إلا أنه هذه المرة تمكن حزب المصباح من أن يحصد فيها 1115 صوت مقابل 1065 لحزب الميزان.

معطى ثالث في نفس الصدد أن بلدية إنزكان التي يرأسها الاستقلالي أومولود والذي جرب أكثر من قبعة حزبية قبل الاستقلال ويسيرها إلى جانب العدالة والتنمية حصل فيها فقط على 3000 صوت مقابل 4900 صوت للعدالة والتنمية.

من بين المعطيات أيضا التي أثارتها أكثر من جهة ومنها إدارة الحملة الانتخابية لحزب المصباح  هو أن تمت معيقات أخرى تم التفوق عليها أيضا ومنها "البلطجة" باعتراض سبيل الحملة لأكثر من مرة وما نتج عن ذلك من إصابة أحد مناضلي حزب المصباح بفتح بسلاح أبيض على مستوى الوجه، كما أن الفوز حسب أحمد أدراق في حديث له مع "التجديد" استطاع تحدي استعمال المال وأساليب عدة تم اللجوء لها من أجل استمالة أصوات الناخبين، وأكد أن عددا منهم أكدا لهم الاستفادة من المال لكنهم صوتوا لصالح العدالة والتنمية، أدراق قال أيضا إن سلوك السلطة لم يكن محايدا حيث قال إنها لم تقدم الإشعارات للعديد من المواطنين على الرغم من التذكير المستمر لهم بذلك.

وقد جرت العادة بأن تكون نسب المشاركة ضعيفة في الانتخابات الجزئية بالنظر إلى الجو العام وإلى ضعف انخراط السلطة ووسائل الإعلام في الحديث والترويج لها. 

إن استمرار فوز حزب المصباح في الانتخابات التشريعية والجزئية وبغض النظر عن البعد الحزبي الانتخابي يعني أن الشعب متى تأكد من وجود "ناس ديال المعقول" يقبل ومتى تأكد أن صوته سيصل لمن منحه يقبل متى وجد خطابا  بمستوى عال من الصدق يقبل هو فوز يعكس التوجه العام للإصلاح في ظل الاستقرار الذي يظل مهددا ما لم ينجز الإصلاح إلى نهايته هو فوز لإرادة شعب له القدرة متى اختار على تحدي الإدارة والبلطجية واستعمال المال وخطاب الانتظارية والتيئيس و"التفرج" هو فوز يعكس الاستمرار في محاربة الفساد والاستبداد في هذه البلاد هو فوز يؤكد الحاجة الماسة اليوم إلى ثورة ثقافية عميقة توازي التحول السياسي الماضي في طريقه على الرغم من أنوف جيوب المقاومة والتماسيح والعفاريت، وهو إصلاح أيضا يؤكد الحاجة إلى الأنياب والأدرع البشرية الحامية للإصلاح في وجه الفساد والمفسدين.

إن المشاريع الإصلاحية والثورية الصادقة والمبدئية والمنحازة للشعوب والأوطان والأمة في أمس ما تكون حاجة اليوم لجحافل بشرية واعية ومتوتبة وفاقهة للتناقض الرئيسي في خارطة الاستبداد والفساد، تعرف أين توجه سهامها بدقة بالغة وغاية في التركيز حتى لا تدمر إرادة وأدوات الإصلاح...جماهير تهز الشوارع هزا وتعطي دون من ولا كلل ولا انتظار مجزي أو شكور لحماية الانتفاضات وما تم من الإصلاحات والمكاسب وتحصنه وتثمنه وتضغط في اتجاه تحقيق المزيد دون أن تخشى غير الله وذلك في سياقات لم تعد تقبل ممارسة الأخلاق دون سياسة ولم تعد تحتمل السياسة دون أخلاق ولا خوض المعارك دون مخالب وأنياب فلا مناص عن الاستعداد ولا بديل عن القوة ولامناص عن رباط الخيل..لإرهاب أعداء الله والوطن والأمة والديمقراطية والإصلاح.

الأحد, 23 كانون1/ديسمبر 2012 13:01

الكيان الصهيوني والنفق المظلم

تكثرُ كل عام في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر، وهو الشهر الأخير في السنة، التنبؤاتُ والتوقعاتُ وقراءاتُ المستقبل، وينشطُ في هذا الموسم العرافون والمشعوذون والمهتمون بالفلك والأبراج وحركة ومسار النجوم، فتسمو نجومهم المعتمة، وتزداد شعبيتهم الرخيصة في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ويصبحون ضيوفاً مرحباً بهم على كل الشاشات في كل ليلة، وأخيراً عبر شبكات الاتصال المختلفة، حيث يحسنون استغلال موسمهم في جني أكبر قدرٍ ممكن من المال، وهم يتنبؤون بالحروب والثورات والكوارث، ويتوقعون مرض زعيمٍ وموت آخر، وينشغل الناس بتنبؤاتهم ويصدقونها خاصة تلك التي تتعلق بسقوط الأنظمة ومرض وموت ومقتل القادة والرؤوساء، لأنها أحلام الكثيرين وأمانيهم، وهي دعاء الله عليهم، فهم كابوس منامهم ومعاناة حياتهم، ومصدر أحزانهم وآلامهم.

أما الكيان الصهيوني فلا أحد من العرافين والفلكيين يتنبأ له بالزوال والسقوط، أو بالهزيمة والاندحار، أو بكارثةٍ تدمره، أو حدثٍ يزلزله، أو بتغييرٍ كوني يشطب وجوده وينهي كيانه، رغم أن هذا هو حلمنا وغاية أمانينا، وهو دوماً على ألسنتنا التي تتوجه إلى الله بالدعاء على كيانهم بالهزيمة والإنكسار، وأن ينتقم منهم ويرينا فيهم يوماً أسوداً، ولكن أحداً من العرافين لا يتجرأ أن يتنبأ بمآل الإسرائيليين ومستقبل أيامهم، وكأن الأبراج لا تخبرهم عنهم شيئاً، أو لا تقوى على البوح بأسرارهم، ولا كشف حقيقة مصائرهم، تضامناً معهم، أو خوفاً على نفسها منهم، لئلا تنحرف عن المسار فتضطرب، أو تضل الطريق فتهوي، أو يطالها شهابٌ فتحترق.

ولكن الإسرائيليين أنفسهم يقرأون مستقبلهم، ويتنبأون بمصيرهم، ويستشعرون مآلهم، ويتحدثون عن عيوبهم ونقائصهم، ويكشفون عن عجزهم وخوفهم، ويبدون قلقاً على مصيرهم ومستقبل وجودهم، ونحن إذ نكذب مشعوذينا وإن صدقوا، فإننا نصدق الإسرائيليين وإن كذبوا، عندما يقولون عن أنفسهم أنهم حيارى وقد ضلوا الطريق، وأنهم يسيرون إلى حيث لا يدرون، وأن المستقبل أمامهم غامض، والمصير مجهول، والأعداء كثر، والتحديات جسام، والنفق الذي دخله كيانهم مظلمٌ وطويل، ومعتمٌ ومخيف، ولا يعرف له نهاية أو خاتمة، وهم لا يعتمدون في تشخيص حالهم على حركة النجوم والأبراج، ولا على تنبؤات متحذلقٍ جاهل، يستغل العقول، ويستخف بالناس، ويوهمهم بما لم يعطه الله أو يخصه بعلمه دونهم.

رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي السابق يوفال ديسكن، الذي أشرف على قيادة الجهاز لسنواتٍ طويلة، وصبغ الكثير من أنشطته ومهامه بصبغته الشخصية، وعرف عنه أنه أحد أقوى الشخصيات الأمنية في تاريخ الكيان الصهيوني، يعلن خوفه من المستقبل، وهزيمته وكيانه أمام المستجدات العربية، والمتغيرات الدولية، وأن الذي ينتظر كيانه أكبر بكثير من استعدادات حكومته وقدرة شعبه على الصمود والثبات، ما دفعه إلى دعوة شعبه إلى التنبه والحذر، بأن القادم غريبٌ وخطر، وهو مفاجئ وخارج إطار الحساب والتوقع، ولا يوجد في كيانه رجلٌ زعيمٌ قادر على قيادة الشعب وتحمل المسؤولية، والمضي بالدولة والشعب إلى بر الأمان، إذ أن الحسابات الشخصية أكبر، والمكاسب الحزبية أهم، والمنافع والمكتسبات الآنية أكثر إغراءً وإغواءً، والزعماء المتنافسون فاسدون انتهازيون كاذبون ومضللون، تهمهم مصالحهم الشخصية أكثر من مصالح شعبهم.

يوفال ديسكن لا يختلف كثيراً عن غيره، ممن يرون أن الانتخابات الإسرائيلية القادمة قد تكون الأخيرة التي يشهدها الكيان الصهيوني، فقد لا يكون بعدها قادراً على خوض انتخاباتٍ عادية، وفق قواعد الهيمنة والقوة والتفوق الاستعلاء، الذي كان يخلق طمأنينةً واستقراراً، وإنما سيكون لزاماً عليه أن يخلق قيادة موحدة، وجبهةً وطنية عريضة لمواجهات التحديات التي ستعصف بالكيان واقعاً ومستقبلاً، حالاً ومصيراً، وهو لا يعتمد في تنبؤاته على خياله الأمني الواسع، أو قدراته التصويرية المخادعة، وإنما يقرأ أن نسبةً قد تصل إلى ثلث سكان الكيان الصهيوني يفكرون في الهجرة، وترك أرض "إسرائيل"، والتخلي عن حلم "أرض الميعاد والأجداد"، ونسيان الهيكل وعدم المقامرة بالمصير من أجل صفحاتٍ من التاريخ كانت عابرة، وهي إشارةٌ لديه خطيرة، ولا يستطيع أن يكذبها أو ينكرها، إذ تثبتها سجلاتٌ وقوائم، وتحتفظ بها أجهزة وحواسيب، ما يجعل من ناقوس الخطر الذي يدقه حقيقةً لا خيالاً.

يوسع ديسكن إطار مخاوفه على مستقبل كيانه ومصير شعبه، فلا يحصر الخطر في أمةٍ عربيةٍ ناهضة، تملك إرادتها وتعرف وجهتها، أو في رحيل قياداتٍ عربية كانت تحمي الكيان الصهيوني وتحول دون الاعتداء عليه أو تعريضه للخطر، أو تكتلٍ دوليٍ جديد، تشكل فيه دول أوروبا القلب والمحرك، يعارض سياسات الحكومات الإسرائيلية، ويهدد بعزلها وفرض العقوبات عليها، بل وفرض حلولٍ قسرية عليها، وقد سبق أرئيل شارون ديسكن في مخاوفه عندما قال" أخشى أن تنظر أوروبا إلى "إسرائيل" على أنها تشيكوسلوفاكيا فتفككها"، وتتخذ بنفسها قراراتٍ نيابةً عنها، الأمر الذي يجعل المخاوف جدية، داخلية وخارجية، تطال الحلفاء والأصدقاء والأعداء معاً، خاصةً في ظل سياساتِ وزراءٍ يحسنون فض الحلفاء، وإهانة الأصدقاء، وتخويف دول الجوار، وتهديد المستقبل الوحيد المضمون للكيان، بقتل فرص السلام والاتفاق مع السلطة الفلسطينية، التي قد لا يكون غيرها قادراً أو مستعداً لبناء السلام.

لا يتوقف ديسكن عند هذه المخاوف، بل يعمق الخوف لدى سكان كيانه مشيراً إلى أن اقتصادهم في خطر، وأن أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية تزداد وتتضخم، وأن الحكومات الإسرائيلية التي انشغلت في الاستيطان والأمن، أغرقت المواطن الإسرائيلي في أزماتٍ من الفقر والديون، وكشفت عنه الدعم والطبابة والضمان، وجعلت مستقبله في خطر، فلا شيخوخة مضمونة ولا أمان اجتماعي، ما يجعل المواطن يفكر في البديل، وفي السعي للنجاة من خطرٍ محدقٍ قد بدت ملامحه في كل مكان، محذراً بشدة من الفجوة الاجتماعية الكبيرة التي ستنشأ.

إن المستطلع لمستقبل الكيان الصهيوني هم أكثر رجاله تبصراً، وأقدرهم على تقدير الأمور، وحساب موازين القوى، ممن يملكون تفاصيل المعلومات ودقيقها، وممن يعرفون قوتهم والسلاح الذي يملكون، من كبار ضباط جيشهم، ومسؤولي أجهزته الأمنية الكبار، ممن يعرفون الأثر النفسي لتصريحاتهم، والبعد المعنوي الذي ينعكس على شعبهم وجيشهم نتيجة اعترافاتهم، فهم يعرفون أكثر من غيرهم، ويستشعرون الخطر الداهم قبل وقوعه، ويتبجحون أنهم يعرفون عدوهم، ويدركون مراكز قوته ومواطن ضعفه، فلنصدق نبوءاتهم، ولنمض بهم إلى حيث مصارعهم، ولنعمل على خلق واقعٍ جديد، نكون نحن فيه الأقوى، وهم فيه الأضعف والأكثر خوفاً.

الأحد, 23 كانون1/ديسمبر 2012 11:07

التحكم والاستبداد ....المنشأ والتطور

يعرف العديد من المفكرين الاستبداد على أنه "الانفراد" والاستئثار في اتحاد القرار وتهميش دور الآخرين. والاستبداد هو ظاهرة اجتماعية خطيرة تدعونا إلى التأمل في اسباب ظهورها وكيفية تطورها.

كل الانتفاضات والثورات عبر التاريخ البشري (الثورة في اوربا في القرن التاسع عشر مثلا) كان مصدرها ومبدؤها سلوكيات "تحكمية" استبدادية واضحة (البروليتاريا ضد البورجوازية المستبدة) .

مظاهر الاستبداد وتجلياته كثيرة ومتعددة. فالاستبداد يحاول خلال منشئه السيطرة على دواليب الحكم عبر إقرار عدة قواعد لحماية نفوذه داخل المجتمع، لأجل ذلك فهو يقيم مؤسسات موالية له وأجهزة حماية وقوانين كما حصل مع فرعون رمز اللاستبداد والتحكم حيث حكى القرآن الكريم ذلك (قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) فالاستبداد يدفعه الى عدم الأخذ برأيهم وعدم الاكتراث لهم. وقال أيضا (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) وهامان يرمز الى الذراع الأيمن للاستبداد وجهاز تنفيذ التحكم وجهاز الاستبداد الاعلامي. كما تتجلى مظاهره في احتقار عقول الناس والانتقاص من ذكائهم واستغفالهم وممارسة الوصاية عليهم (فاستخف قومه فأطاعوه).

و في زماننا المعاصر تتجلى أجهزة حماية الاستبداد ورعايته في "النخب" الفاسدة" التي تساوم على المناصب والكراسي مقابل السكوت عن الظلم الاجتماعي والاستبداد والقهر الذي قد تتعرض له الشعوب.

وإذا كان للاستبداد أجهزة الحماية يتكئ عليه لضمان استمراريته وتحقيق أهدافه فإنه لن يتطور إلا إذا وجد البيئة المناسبة للنمو واستحكام قوته ونفوذه، وأفضل مثال على ذلك ما حصل في "دولنا العربية" التي كانت بيئة مناسبة لاستشراء بذور الاستبداد والفساد مند عقود خلت. وهو ما أدى الى قيام ثورات و "ربيع عربي" ولا يزال بسبب الظلم الاجتماعي والشعور بالحيف وعدم التوازن في توزيع الثروات بين الطبقات الاجتماعية المتعددة. وقد ظهر بجلاء كيف أن المقاربات الاستبدادية في الحكم استعانت في بعض حالاتها بالبلطجية والنخب الفاسدة من أجل تأبيد وجودها في الحكم والتسلط على الناس وإرهابهم بكل الوسائل على الرغم من أن بعضها كانت أنظمة جمهورية !!

وفي وقت من الأوقات اعتقد الاستبداد أنه لن يتزحزح من مكانه لكن سنة الله في الكون (ولن تجد لسنة الله تبديلا) قضت بأن الظلم لن يعمر طويلا وسيأتي فجر الربيع العربي ونسائم الحرية والكرامة لتميط اللثام عن هشاشة الأنظمة الاستبدادية وعدم قدرتها على مقاومة رياح التغيير. كما ظهر جليا كيف أن "جهاز الحماية" للاستبداد كان أول من تخلى وتبرأ من بعض "الأنظمة الاستبدادية" !

ومن تجليات الاستبداد زواج المال والسلطة الاستبدادية، وهو زواج الغرض منه تبادل المصالح وحماية كل واحد للآخر وقت الشدة وإحكام القبضة على المجتمع في شقها التشريعي والاقتصادي من أجل حرمان الطبقات الفقيرة من ثروات بلادها وخيراتها وتركها في الحضيض (جوع كلبك يتبعك).

فإذا أصبح الاستبداد أسلوب تحكم سائد ينتشر في كل مناحي الحياة ومفاصل الدولة وأركانها، يصبح أكبر خطر يهدد الأمة في كيانها ومستقبلها، وقد يصبح يوما ما أسلوب حياة يتعارف الناس حوله ويتساكنون به مما يؤدي الى انتشاره في كل مناحي الحياة من الإدارة والمدرسة والبيت، تبني الاسرة للأسلوب الاستبدادي و تربية الابناء، فعلى ذلك يعد أكبر تهديد للمجتمع برمته وبالتالي تصبح نواة المجتمع بدورها مستبدة ولا تسمح بالرأي والرأي الآخر !

ومن أجل تحقيق أهدافه السلطوية والتحكمية يستعين الاستبداد بالعديد من الوسائل، فهو يعمل بمنطق (فرق تسد) لإضعاف خصومه، وتمثل القوى الغربية في النظام العالمي الحديث النموذج الابرز في ذلك. فهي من أجل الحفاظ على مصالحها تقوم بإضعاف الدول الفقيرة والأمم المستضعفة، كما تقوم بتقسيم الدول واستعمارها لضمان تبعيتها وارتهان قرارها السياسي والاقتصادي !

ومن أبرز وسائل الاستبداد "القوة" أو العصا الغليظة قال تعالى واصفا قوة فرعون واستعانته بها لتبني الاستبداد (لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ، فعندما لا تفلح الجزرة في ثني المعارضين أو المحتجين عن مواقفهم يلجأ الاستبداد للقوة والعنف لفرض أسلوبه، كما قد يلجأ الى أساليب الاغراء والاحتواء من أجل استمالة خصومه، كما يوظف الاستبداد "الإعلام" والطرق المستبدة والناعمة أحيانا من أجل التحكم وضبط المجتمع عبر نشر المغالطات والأكاذيب لتشويه المخالفين. وقد يلجأ الى "التعليم" ومحاضن التربية لضبط إيقاعها على سمفونيته المستبدة حتى لا تنفلت زمام الأمور من يده لأنه يعتقد أن الجهل والتخلف وسائل "لإعادة انتاج المجتمع" وفق منظوره الاستبدادي. وهو يعتقد اعتقادا جازما أن التعليم والتربية بوابة لتخريج القيادات والنخب الصالحة والمصلحة وبالتالي وجب تقزيم دور كل ماله علاقة بالتوعية والتربية والتعليم  مخافة ارتفاع نسب الوعي التي قد تؤدي الى تغييـــر قواعد اللعبة داخل المجتمع !

مقاومة الاستبداد والحد من منه يتطلب وعيا ويقظة كبيرة ودائمة من لدن المجتمع برمته. أولا يجب بناء الأمة على أسس ديمقراطية سليمة تكون فيها "الشورى" متجسدة على أرض الواقع مع تأهيل نخب سياسية حقيقية ونزيهة محبة للخير للوطن ومساهمة في تنميته وتعزيز مكانته بين البلدان.

 الاستقرار و الأمن لن يستتب في بلداننا إلا بالديمقراطية الحقة والتناوب على تدبير شؤون المواطنين بعيدا عن أساليب التحكم والاستبداد، كما لا ننسى التركيز على دور المدرسة ومنحها المكانة التي تستحق. فهي التي تزرع بدور "الاستبداد" بين مرتاديها من خلال برامجها وأسلوب تدبيرها.

وأعتقد أنه حان الوقت لإعادة النظر في "الأجهزة الإعلامية" ورسالتها التي يجب أن تقوم على نشر الوعي والفضيلة وثقافة الحوار والقبول بالرأي الآخر كبديل عن ثقافة "إلغاء الآخر" والتعتيم والتشويه. كما يتعين أن تقوم بنشر كل ما يزخر به المجتمع من ثقافات وتنوع وتوجهات سياسية مختلفة، إضافة إلى أهمية توعية الأسرة بدورها المحوري في خلق جو من الحوار الأسري وتكريسه ونبذ أساليب التحكم والقمع في أفق تخريج جيل جديد يؤمن بالرأي والرأي الآخر وليس تفريخ أجيال تعتقد أن الاستبداد والتحكم هو الأسلوب الوحيد والأمثل لإدارة البلاد والعباد !!

 

الأحد, 23 كانون1/ديسمبر 2012 10:00

مصر تصوت على دستورها الأول بعد الثورة

أظهرت النتائج الأولية غير الرسمية لمرحلتي الاستفتاء بمصر، موافقة 63.6% على مشروع الدستور الجديد مقابل 36.4%، في حين أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في مصر والتي تتولى تنظيم الاستفتاء، أنها ستعلن عن النتائج النهائية "بعد يومين من انتهاء عمليات الاقتراع". 

ومن جهته، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في موقعها الرسمي، أنه بعد فرز الصناديق في 78% من اللجان، كانت نسبة الموافقين على مشروع الدستور 71,14% (أربعة ملايين و460825 صوتا)، بينما بلغت نسبة معارضيه 28,85% (مليون و862135 صوتا).

ويذكر أن المرحلة الأولى من الاستفتاء، غطت عشر محافظات وانتهت - حسب نتائج غير رسمية - بتقدم "نعم" بنحو 56% مقابل نحو 43 % ممن صوتوا بـ"لا".

وينتظر أن يتم تنظيم انتخابات تشريعية في غضون شهرين، بعد الإعلان الرسمي عن اعتماد الدستور الجدد،بعد إصدار قانون انتخابي.

 

الإصلاح - وكالات