بسم الله الرحمن الرحيم

 

الرباط في 13 ذي الحجة 1438 هـ

الموافق لـ 04 شتنبر 2017 م

 

 

إلى معالي

السيد الأمين العام للأمم المتحدة المحترم

 

تحية طيبة وبعد:

فبقلق كبير وغضب شديد، يتابع الرأي العام العربي والإسلامي، وكذا الرأي العام الدولي هروب عشرات الآلاف من الروهينغا المسلمين من منطقة شمال غرب ميانمار؛ أكثرهم أطفال ونساء ومرضى وبعضهم  مصابون بطلقات نارية من سلاح الجيش النظامي البورمي.

وقد أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن ارتفاع عدد اللاجئين الروهينغا الفارّين من إقليم "أراكان"، إلى بنغلاديش إلى 73 ألف شخص، منذ 25 غشت المنصرم.

كما أعلن المجلس الروهينغي الأوروبي مقتل ما بين ألفين إلى 3 آلاف مسلم، في هجمات للجيش بأراكان، خلال 3 أيام فقط.

وفي تصريح لبي بي سي منذ حوالي سنة (24 نونبر 2016) قال جون ماكيسيك، الذي يعمل في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن ميانمار تسعى إلى إجراء تطهير عرقي والتخلص من أقلية الروهينغا المسلمة على أراضيها وإن القوات المسلحة تُقَتِّل الروهينغا في ولاية "راخين" وتجبر الكثيرين على الفرار إلى بنغلاديش المجاورة.

السيد الأمين العام؛

إننا نراسلكم اليوم لنضعكم أمام مسؤوليتكم باعتبارها مسؤولية تاريخية، وندعوكم لبذل كل الجهود واتخاذ القرارات والتدابير والإجراءات المستعجلة اللاّزمة من أجل حماية حقوق وأرواح الضعفاء والمظلومين، والقيام بواجبكم في التدخل لحفظ السلم والأمن، وإيقاف حروب الإبادة ضد المدنيين والأبرياء والإسهام في ترسيخ قيم العدل والسلم الدوليين في العالم.

معالي السيد الأمين العام:

إنكم مطّلعون بدقّة على تفاصيل هذه القضية وعلى ما تتعرض له أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار من أهوال وأعمال وحشية وتقتيل بالجملة في أبشع الجرائم ضد الإنسانية، وهي التي تُرتَكَبُ على مرأى ومسمع من العالم وفي ظل تواطؤ للجيش والشرطة الرسميين بميانمار واتهامات بالمشاركة المباشرة لهما وصمت أممي وتجاهل مكشوف لأغلب المؤسسات الدولية والهيئات الرسمية بدول العالم.

كيف يُعقَل أن يرتكب جيش ميانمار انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد أقلية من المسلمين في البلد ويهجرهم إلى الحدود مع بانكلاديش دون أن تسمح لهم هذه الأخيرة بدخول البلد، في عقاب جماعي لفئة معينة من المجتمع، وتكتفي الأمم المتحدة بتصريحات من مثل يجب معالجة الأسباب الجذرية للعنف التي تكون بسبب الهوية والمواطنة والحد من التوترات بين الطوائف، في الوقت الذي تعاني فيه هذه الفئة أشد أنواع المعاناة وتُصارع من أجل البقاء. وتُغلَق دونها جميع المنافذ، وتُحرَم من جميع مقومات العيش، وتُجَرَّد من كل الحقوق التي ضمنتها جميع الشرائع والقوانين والمواثيق الدولية ومنها ميثاق الأمم المتّحدة .

إن هذا العدوان الوحشي الذي يُرتَكَب ضد الأقلية المسلمة في الروهينغا دون رادع قانوني أو أخلاقي، ودون أي تحرك دولي حقيقي لوقف العدوان من طرف المؤسسات المعنية من شأنه أن يزيد من غي الظالمين وتماديهم في العدوان والتنكيل دون خوف من المحاسبة والعقاب حيث لم تعد الشرائع والقوانين المتعارف عليها كافية لردعهم ولا المؤسسات المعنية قادرة على التدخل لإيقافهم.

السيد الأمين العام:

إن مصداقية هيئة الأمم المتحدة، تكمن أساسا في قيامها باتخاذ إجراءات ملموسة وعاجلة لوضع حدّ لهذه الانتهاكات الخطيرة والعمل على الوقف الفوري لها، وتقديم المسؤولين للمحاكمة أمام العدالة الدولية على جرائم الحرب التي اقترفوها ضد الأبرياء والنساء والأطفال. وهذا هو السبيل الوحيد كي تعود للقانون الدولي هيبته، وتعود لمنظمة الأمم المتحدة شخصيتها الاعتبارية والقانونية فعليا.

وإننا في حركة التوحيد والإصلاح إذ نعبر عن إدانتنا واستنكارنا بأشد العبارات للجرائم الوحشية وأعمال التقتيل والتهجير التي تُرتَكَب في حق الأقلية الروهنغية المسلمة بمباركة وتواطؤ ومشاركة من الجيش والشرطة في ميانمار، فإننا ندعو منظمتكم للقيام بإدانة صريحة وواضحة لهذه الجرائم ضد الإنسانية والضغط على حكومة ميانمار لوقف هذه الأعمال الوحشية وتوفير حماية دولية لأقلية الروهينغا. كما ندعو مجلس الأمن الدولي إلى تشكيل لجنة تحقيق لتوثيق هذه الجرائم وتقديم الجناة للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

 

وتقبلوا معالي السيد الأمين العام عبارات التقدير والاحترام.

والسلام.

إمضاء:

عبد الرحيم شيخي

رئيس حركة التوحيد والإصلاح

 

يقول الله تعالى في محكم التنزيل:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ سورة إبراهيم الآية 5.

اختلف المفسرون في المراد من قوله سبحانه وتعالى ب(أَيَّامِ اللَّهِ) على قولين متكاملين غير متعارضين:

الأول: يذهب إلى أن المراد بأيام الله في الآية: النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، في إنقاذهم من اضطهاد فرعون، وقهره، وظلمه، وإنجائهم منه و..، وإنزاله عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من النعم.

الثاني: يرى أن المراد بأيام الله هي وقائعه وأحداثه.

ومن أهم القواعد الذهبية المعتمدة في تفسير القرآن الكريم هي "أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، بمعنى  إذا اتفق ما نزل من القرآن مع سبب النزول في العموم، أو اتفق معه في الخصوص، فإننا نحمل العام على عمومه، وإذا كان السبب خاصا فالحكم الذي يؤخذ من الآية يتعدى صورة السبب الخاص إلى نظائرها. بصيغة أخرى أن الإنسان وهو يقرأ القرآن الكريم لا بد له أن يتدبره من منطلق هذه القاعدة-وغيرها من قواعد التدبر- التي تسعفه في استنباط القواعد والفوائد والأحكام والمقاصد ، التي تؤكد هيمنة القرآن الكريم وخاتميته. وبالتالي إخراج الناس به من الظلمات إلى النور بإذن ربهم. وعاشوراء يوم من أيام الله تعالى بالمعنيين معا....

1 - أهم الأحداث التاريخية في يوم عاشوراء:

في التسمية: عاشوراء : هو اليوم العاشر من المحرم وتاسوعاء : هو التاسع منه ، وعلى هذا جماهير أهل العلم . وهذا اليوم عرف ثلاثة أحداث كبرى في تاريخ البشرية:

الحدث الأول: نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده:

وترجع هذه القصة إلى مئات السنين المتقدمة حين تكبر فرعون و علا في الأرض، ونكل ببني إسرائيل، فجمع موسى عليه السلام قومه للخروج، وتبعهم فرعون ، فجاء الوحي في ذلك اليوم العظيم بأن يضرب موسى عليه السلام البحر بعصاه:﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ الشعراء الآية 63، فلما رأى فرعون هذه الآية العظيمة لم يتعظ بل بالغ في طغيانه ومضى بجنوده يريد اللحاق بموسى عليه السلام وقومه ، فأغرقه الله عز وجل ، ونجى موسى ومن معه من بني إسرائيل ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِين﴾ الدخان الآية 30،فكان هذا اليوم يوما من أيام الله تعالى، وهكذا كان اليهود يحتفلون به إحياء لهذا الحدث العظيم.

الحدث الثاني: قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة:

وهذا الحدث يرتبط بالهجرة النبوية[1] التي غيرت مجرى تاريخ الإنسانية، حيث وجد الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود في المدينة يحتفلون بهذا اليوم ويصومونه ، وكان عليه الصلاة والسلام يصومه قبل ذلك، فقد أخرج البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال:َ "قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَال:َ مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَ وْمٌصَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى - زاد مسلم في روايته: "شكراً لله تعالى فنحن نصومه"، وللبخاري في رواية أبي بشر "ونحن نصومه تعظيماً له": قَال:َ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم.ْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" في رواية مسلم: "هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه ، وغرَّق فرعون وقومه".

الحدث الثالث: استشهاد الحسين بن على رضي الله عنهما

وهذا الحدث من أقسى وأصعب الأحداث والوقائع في تاريخ المسلمين خصوصا والبشرية عموما ، لأن الطريق التي استشهد بها الحسين -وهو من هو في المكانة والمنزلة- ، لا يمكن تصورها، فهذا ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية " يروي ما حصل بمرارة وأسى، قال:" وكان مقتل الحسين رضي الله عنه يوم الجمعة، يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين" قلت : وكان استشهاده بدل مقتله لأنه صاحب حق وقضية عادلة ، والكلام يطول في هذا الصدد، لأن الشيعة بالغوا وأغربوا في هذا الأمر.

وخلاصة القول ،في صباح يوم الجمعة العاشر من محرم 61 هـ ، بكربلاء –مدينة مشهورة بالعراق حاليا- شب القتال-وقعة الطف- بين الفريقين ، حوالي ثمانين رجلا من أتباع الحسين رضي الله عنه وخمسة ألاف مقاتل من الجيش المعتدي، ولـما رفض الحسين رضي الله عنه أن يستأسر لعبيد الله بن زياد، وكانت الكفتان غير متكافئتين، فرأى أصحاب الحسين رضي الله عنه أنهم لا طاقة لهم بهذا الجيش، فصار همهم الوحيد الـموت بين يدي الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأصبحوا يموتون بين يدي الحسين رضي الله عنه الواحد تلو الآخر حتى فنوا جميعا ولم يبق منهم أحد إلا الحسين بن علي رضي الله عنه. وولده علي بن الحسين الذي كان مريضا. وبقي الحسين رضي الله عنه بعد ذلك نهارا طويلا، لا يقدم عليه أحد حتى يرجع لا يريد أن يبتلى بقتله رضي الله عنه، واستمر هذا الأمر حتى جاء شمر بن ذي الجوشن فصاح بالناس ويحكم ثكلتكم أمهاتكم أحيطوا به واقتلوه، فجاءوا وحاصروا الحسين بن علي رضي الله عنه فصار يجول بينهم بالسيف رضي الله عنه حتى قتل منهم من قتل وكان كالسبع، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة وصاح بهم شمر: ويحكم ماذا تنتظرون؟! أقدموا. فتقدموا إلى الحسين فقتلوه رضي الله عنه، وحزوا رأسه رضي الله عنه قبحهم الله. وبعد أن قتل الحسين رضي الله عنه حمل رأسه إلى عبيد الله في الكوفة فجعل ينكت به بقضيب كان معه يدخله في فمه، ويقول: إن كان لحسن الثغر، فقام أنس بن مالك وقال: والله لأسوأنك؛ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل موضع قضيبك من فيه[2].واستشهد عدد من إخوانه وأبنائه وأبناء إخوانه فلله درهم وعند الله حقكم وإلى الجنة مصيرهم بإذن الله تعالى.                             

2 - أهم الأحكام الشرعية ليوم عاشوراء:.

أ:حكم صيام عاشوراء

كان صيام عاشوراء واجباً ثم نسخ وجوبه لما فُرض رمضان ، قال ابن العربي المعافري:"وكان هو الفريضة حتى فرض رمضان ترك عاشوراء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه ،وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر"[3] . ولذلك أورده الإمام ابن القيم في كتابه القيم "زاد المعاد في هدي خير العباد" في فصل: في هديه صلى الله عليه وسلم في صيام التطوع[4] :

ب: فضل صوم يوم عاشوراء

ثبت في صحيح الإمام البخاري من رواية عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان[5]". وثبت في صحيح الإمام مسلم من طريق أبي قتادة مرفوعاً قوله : " وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" 

ج :صيام عاشوراء الأكمل .

ذكر ابن القيم رحمه الله أن مراتب صيام عاشوراء ثلاث :

1ـ أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم .

2ـ ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث

3ـويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم.[6]

د:يوم عاشوراء بين السنة والشيعة

عندما غاب العلم وسيطر التعصب وعم التقليد واستبعد الفهم السليم لأحكام الشر الحنيف، وقعت الطائفتين في بعض البدع والضلال:

1ـ الشيعة:

 حيث يخيم الحزن والندم والأسى والبكاء، فيقومون بضرب الخدود وشق الجيوب وضرب أجسادهم بالسيوف لإخراج الدم ، وذلك حزناً على استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنه ، وفي ذلك إحياء لعادات جاهلية ومخالفة لأحكام الشرع . وما نتابعه ونشاهد في بعض قنواتهم ومواقعهم، ما يندى له الجبين ويشيب من هوله الجنين.

2ـ السنة :

بعض السنة على عكس الشيعة يقيمون الاحتفالات ويوسعون على أهلهم ويظهرون الفرح ،ويردون على بدع الشيعة ببدع أخرى ، لا يقبله شرع ولا عقل، وإنما ترد بالحجة والبرهان ودعوتهم إلى القرآن.

ومن البدع المحدثة في عاشوراء: إشعال النيران والقفز عليها، والرش بالماء من المنازل وفي الشوارع، ولبس السواد . وذبح القطط وقتل الكلاب. ولطالما عشنا هذه الأمور عندما كنا صغارا دون أن ينبهنا أحد، وهذه التقاليد البائسة والبدع الضالة لا زالت إلى يومنا هذا. فأين الوعي وأين الفهم !!

وختاما نقول إن إحياء يوم عاشوراء يكون باستحضار نعم الله علينا ، واستلهام الدروس والعبر من قصص الأنبياء والصالحين ، واستثمار ذلك في تبليغ الدين و تربية الأجيال وخدمة الوطن .

أ. عبد العزيز الإدريسي

 

 *********

المراجع :

1 - الهجرة النبوية : قيم خالدة ونماذج رائدة بحث علمي من إعداد أ.عبد العزيز الإدريسي

2 - الـمعجم الكبير للطبراني5/206 رقم 5107، وانظر «صحيح البخاري »: حديث 3748..

3 - القبس في شرح موطأ ابن أنس لأبي بكر بن العربي المعافري المجلد 2 ص149و150

4 - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية الجزء 2 ص106 و111

5 - صحيح البخاري حديث1902

6 - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية الجزء 2 ص121

نظم منتدى الزهراء للمرأة المغربية حفل الإطلاق الرسمي لمشروع "إشراك" الذي يتوخى تأهيل القيادات الجمعوية للترافع وتقييم السياسات العمومية، والذي تدعمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولي USAID، وذلك يوم 26 شتنبر 2017 بالرباط

وقد أبرزت رئيسة منتدى الزهراء السيدة عزيزة البقالي القاسمي خلال مداخلتها على أهمية هذا المشروع بالنسبة للمنتدى الذي يتطلع لأن يصبح مؤسسة تشتغل بمهنية واحترافية وبإدارة متطورة وهيئة وسيطة لتأهيل جمعيات المجتمع المدني، وفي هذا الإطار عبرت الأستاذة عن شكرها لكل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن دعمها المالي والمواكبة التقنية التي توفرها من خلال أطرها، كما شكرت منظمة كونتربارت الدولية على دعمها.

هذا وقد شارك في حفل إطلاق مشروع "إشراك"، السيد مصطفى الخلفي الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، الناطق الرسمي باسم الحكومة، والسيدة دانا المنصوري مديرة بعثة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالمغرب، والسيدة حنان الناظر، ممثلة وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، والسيد ماثيو برايدي، مدير كونتربارت الدولية إلى برنامج تعزيز قدرات المجتمع المدني الذي تدعمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والذي يهدف إلى تقديم الدعم التقني للجمعيات الشريك، والسيدة فاطمة الزهراء هيرات ممثلة عن مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة.

الإصلاح

قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال : " ما هذا ؟ قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجَى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى ، قال : فأنا أحق بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه" . رواه البخاري 1865

وإن صيام هذا اليوم له فضل عظيم عند الله  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء ، وهذا الشهر يعنى شهر رمضان" . رواه البخاري 1867 ومعنى يتحرى أي : يقصد صومه لتحصيل ثوابه . وقال صلى الله عليه وسلم : " صيام يوم عاشوراء ، إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" رواه مسلم 1976  ... وإن من السنة في صيام هذا اليوم أن يصوم المرء يوماً قبله ليخالف اليهود.

فيوم عاشوراء هو صيام وشكر وذكر وعبادة وليس نياحة ، والحسين بن علي الشهيد -رضي الله عنه ولعن الله قاتله- لا يرضى لو كان حيًّا ما يقع في ذكرى استشهاده من لطم للخدود وشق للجيوب وتجريح للأجسام، فهذا كله مما نهت عنه الشريعة، ونشكر عقلاء الشيعة الذين نهوا أتباعهم عن هذا العمل البدعيّ الخرافي وأنكروا على من فعله؛ لأنه مخالف للسنة وفيه تشويه لصورة الإسلام الجميلة البهية.

إن يوم عاشوراء مناسبة نبوية شريفة يصوم فيها يوم العاشر من شهر محرم؛ حمداً لله على نجاة المستضعفين والمقهورين، ولكن أحفاد هؤلاء المستضعفين المقهورين تحولّوا إلى عصابة إرهابية وحشية لا تحمل رحمة ولا ضميراً ولا إنسانية، وما مشاهد الأطفال والشيوخ والنساء بغزة عنا ببعيد.

إن الإسلام جاء لنصرة المظلوم ومواساة المنكوب وإغاثة الملهوف من أي جنس أو بلد أو ديانة أو ملّة بغض النظر عن عقيدته ولونه ونسبه ووطنه، حتى جاء برفع الضيم عن الحيوان البهيم والطائر البريء، فرجلٌ يدخل الجنة في سُقْيا كلب، وامرأة تدخل النار في تعذيب هرّة!

ومما يجب التحذير منه الناس في هذه الأيام، هو بعض المظاهر الاحتفالية التي يقوم بعض الجهال في بعض المدن والقرى، نذكر منها على سبيل المثال:

ـ رش المارة بالماء وتبليل ثيابهم، خاصة استهداف النساء والفتيات.

ـ اقتناء المفرقعات، وتفجيرها في التجمعات وفي أبواب المدارس أثناء الخروج والدخول، فقد تؤدي إلى أصابات خطيرة في بعض الأحيان، ناهيك عن الرعب والهلع الذي تحدثه في صفوف المارة والتلاميذ.

ـ التراشق بالماء والبيض في الأماكن العمومية، واستهداف المارة بذلك، وهناك من يستغل هذه المناسبة للانتقام.

ـ اشعال النار والرقص حولها في بعض المناطق لمدة ثلاثة أيام، وهذا فيه تشبيه بالماجوسين وعبدة النار.

ـ تنظيم مسيرات للرقص والغناء، حيث يكون فيها الاختلاط الماجن بين الذكور والإناث، ويمكن أن يسفر ذلك عن بعض الممارسات الشاذة.

كل هذه المظاهر وغيرها، يجرمها الدين والقانون، فيها مخالفات شرعية وقانونية، كما نوجه عناية المسؤولين إلى ضرورة التصدي ومنع بيع المفرقعات بمختلف أشكالها وألوانها.

وندعو رجال التربية والوعاظ والأئمة، وغيرهم إلى التحسيس بمخاطر هذه المظاهر الاحتفالية، وتوجيه الشباب إلى المعاني الحقيقة، للاحتفال بعاشوراء، عن طريق المحاضرات والندوات والخطب، وغيرها من أيام الله التي فضلها عن سواها من الأيام.

كما ندعو وسائل الإعلام بمختلف أنواعها إلى الانخراط الإيجابي للتحسيس بالمعاني الروحية لهذه الأيام، وذلك بتخصيص برامج وندوات واستضافة مختصين لتحليل ومناقشة ظاهرة الاحتفال بعاشوراء، بيان ما يترتب عن هذه المظاهر الاحتفالية الخاطئة من مشاكل، وسبل محاربتها.

محمد البوشيخي

تَوْطِئَةٌ سِيَاقِيَّةٌ:

بعد الدعوة الملكية إلى مُراجعة مقررات تدريس التربية الدينية بمدينة العيون بتاريخ 26 ربيع الثاني 1437هـ/06فبراير 2016، سواء تعلق الأمر في المدرسة العمومية أو التعليم الخصوصي، اشتغلت لجنة علمية- ممثِّلة لوزارة الأوقاف ووزارة التربية الوطنية- في تكتم وسرية شديدين، وفي إقصاء تام لأهم الفاعلين-غير الرسميين- في الحقل البيداغوجي الديني، وأقصد بالضبط الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، صدر منهاج مادة التربية الإسلامية في شهر يونيو 2016، مع ما واكب ذلك من إشكالات التسمية ، هل هي تربية دينية أم تربية إسلامية؟ وحُسم هذا الإشكال بعد سجال في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الفضاءات العلمية والتربوية بل وفي بعض الأحيان السياسية، قلت: حُسم لصالح الإبقاء على المُسمى القديم "مادة التربية الإسلامية" نظرا لحمولته المفهومية وسِيمائه الحضارية.

بعد اعتماد المنهاج رسميا انكبت لجان التأليف ولجنة المراجعة والتقويم، على تأليف وإخراج الكتب المدرسية من المستوى الإبتدائي إلى المستوى الثانوي التأهيلي، في صراع مع الزمن، ما دفع بعض لجان التأليف إلى الانسحاب من هذه المقامرة البيداغوجية، وهو ما حصل بالفعل، كيف لك أن تؤلف كتابا بيداغوجيا يستجيب لمعايير الجودة الشاملة، في مدة أقل من 60 يوما؟؟

المهم تأخَّر موعد إصدار الكتب المدرسية لمادة التربية الإسلامية، ما جعل الموسم الدراسي 2016-2017 موسما استثنائيا حيث انطلق الموسم بدون كتب ولا مقررات، ما أدى إلى إرباك واضح في تنزيل مفردات المنهاج المُعدل، فمثلا كتب المادة للتعليم الثانوي التأهيلي لم تصل إلى في أواخر شهر نونبر 2016.

هذا الأمر دفع مُديرية المناهج في لقائها مع المشرفين التربويين بالرباط شهر شتنبر2016، إلى جعل سنة -2016/2017- سنة تجريبية، من أجل التطوير والتعديل، وفتحت الباب أمام ملاحظات والاقتراحات والتعديلات من طرف الفاعلين والمهتمين.

في غضون ذلك نُظمت العشرات من الندوات واللقاءات والورشات حول المنهاج المعدل، منها ما هو محلي وجهوي ووطني، وقد شارك في هذه الفعاليات خبراء وتربويون باحثون من مشارب مختلفة ومرجعيات متنوعة، وتجدر الإشارة إلى أن أغلب هذه الفعاليات كان من تنظيم الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، محليا أو وطنيا، إما بِشكل خاص، أو بشراكة مع بعض المعاهد أو المراكز والمؤسسات ذات الاهتمام المشترك.

تَسَاؤُلَاتٌ مَشْرُوعَةٌ:

في هذا السياق أتساءل مع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي، مُمثلة في "مديرية المنَاهج"، باعتبارها المصلحة المركزية المشرفة على تصريف المنهاج:

1 - لماذا تم اقصاء الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، من المشاورات في صياغة المنهاج المعدل؟ علما بأن اجترحت إشكالات المنهاج، واقترحت سبل لتطويره وتجديده، منذ الندوة الوطنية بمراكش سنة2013.

2 - ما هو مصير "إعلان حاضرة المحيط"، وهو إعلان بيداغوجي لتطوير المنهاج الجديد، يتضمن خلاصات تركيبية وتوصيات ديداكتيكية لأشغال الندوة الوطنية المنظمة من طرف المركز الدولي للدراسات والأبحاث التربوية والعلمية، وبتنسيق مع الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية فرع أسفي في موضوع:" منهاج مادة التربية الإسلامية: قراءات ومقاربات ديداكتيكية" 22-23أبريل2017.

3 - ما هو مصير "المذكرة البيداغوجية" التي رفعتها الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية أواخر شهر ماي2017، والتي تعتبر خلاصة لكل أنشطة الفروع حول المنهاج، بالإضافة إلى مخرجات الملتقى الوطني لأطر وأساتذة التربية الإسلامية، المنعقد بمدينة خريبكة 13-14ماي 2017 في موضوع: منهاج التربية الإسلامية المُراجع: الواقع وآفاق التطوير".

4 - لماذا لم يُفتح الباب أمام فُرق جديدة لتأليف الكتب المدرسية، وتم الاعتماد على اللجان السابقة، علما بأن بعض أفرادها قد أحيل على التقاعد.

5 - وهل ستكون طبعة جديدة ومنقحة لسنة 2018؟ لاستدراك الأخطاء المعرفية والمنهجية والديالكتيكية التي لم يتم تداركها في طبعتي 2016 و2017؟

6 - وهل يمكن من الناحية البيداغوجية إنتاج كتب مدرسية بمواصفات الجودة، سواء تعلق الأمر بالجانب المعرفي أو الجانب الديداكتيكي، في وقت ضيق جدا؟  ولذلك كان الضغط رهيبا سواء على لجان التأليف أو لجان المراقبة والمراجعة، والذين اعترفوا في لقاءات عديدة أن المنتوج كان دون مستوى تطلعاتهم وكفاءاتهم وخبراتهم، وانه يحتاج بالضرورة إلى التعديل والتطوير.

مُلَاحَظَاتٌ وَاقِعِيَّةٌ:

من خلال ما سبق نسجل الملاحظات الآتية:

1 - جعل القرآن المجيد هو المهيمن على المداخل أمر محمود جدا، حيث أرجع للمادة ثِقلها المرجعي، وعُمقها التربوي، وهذا في نظري المتواضع يُعتبر إضافة نوعية للمنظومة التربوية برمتها.

2 - إعادة الاعتبار لمكون السيرة النبوية من خلال مدخل الإقتداء، أمر جيد جدا لأن الفئة المتعلمة تبحث عن الأنموذج البشري الكامل، الأمر الذي ستجده لا محالة في سيرة خير الخلق وحبيب الحق عليه الصلاة والسلام.

3 - تبقى الدعوة ملحة وقائمة إلى مراجعة المنهاج المعدل لأنه لم يستجب إلى تطلعات الفاعلين التربويين، والممارسين الفعليين.

4 - بالنسبة للكتب المدرسة ركزت على الجانب المعرفي والكمي وأهملت الجانب الديداكتيكي والمنهجي، الذي ينمي لدى المتعلم مهارات: الفهم التحليل والاستنتاج والمقارنة والتعليل والدليل، والتركيب والربط..... وهذا لا يعني جميع الكتب المدرسية، بل هي درجات في هذا الصدد، وأكثرها استجابة للمقاربة الديداكتيكية في التأليف هو كتاب:" فضاء التربية الإسلامية"، لمن أرادة الإفادة والمقارنة.

5 - أما تسميتها بطبعة جديدة ومنقحة 2017 ففيه تدليس، لأن كثير من الكتب المدرسية لم يضيفوا شيئا سوى: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، بل إن الأخطاء المعرفية والمنهجية التي تداولها أساتذة المادة بمواقع التواصل الاجتماعي، لم يتم استدراكها وتصحيحها، ولنا أكثر من مثال وشاهد.

6 - وبالتالي ليس هناك فرق هيكلي أو جوهري، بين طبعة 2016 وطبعة 2017، الأمر الذي أربك الأسر، ولا شك بطريقة ما أسهم في مرور دراهم معدودة إلى الحسابات البنكية للمنتفعين.

7 - نعم تمت إعادة صياغة درس" الإيمان والفلسفة" من كتاب منار التربية الإسلامية السنة الأولى من التعليم الثانوي التأهيلي، نظرا لما أثاره هذا الدرس من سجال فكري وعلمي، بل وإيديولوجي خصوصا بعد البيانات النارية من طرف جمعية مدرسي الفلسفة.

إَشْكَالَاتٌ مِنْهَاجِيَّةٌ:

 من الصعوبة الإحاطة -في هذا المقال المقتضب-  بكل إشكالات المنهاج بناء وتنزيلا، وكذلك الإحاطة بكل الاختلالات التي شابت تأليف الكتب المدرسية، رغم متابعتي الدقيقة للمنهاج منذ صدوره في يونيو 2016، ودخوله حيز التنزيل البيداغوجي والتجريب الديداكتيكي والمقاربة التعليمية التعلمية، ولذلك نطرح هذه الإشكالات في أفق تطوير المنهاج المُعدل، أو تجاوزه: 

ماهي النظرية المعرفية المؤطرة للمنهاج؟ ماهي الرؤية البيداغوجية الناظمة لمفردات المنهاج؟ ما هي ملامح التميز المنهجي والبيداغوجي لهذا المنهاج، مقارنة بالمناهج السابقة؟ إلى أي حد يستجيب المنهاج للمستجدات المعاصرة؟ وإلى أي حد استجاب المنهاج لتطلعات الفاعلين التربويين؟ وهل من استعداد لمعالجة بعض الأعطاب التي ظهرت وستظهر أثناء التنزيل والتجريب؟ وماهي الصيغ الناجعة لتنزيله؟ وكيف نستثمر الآليات التقويمية والمقاربات التقييمية للمنهاج؟.

هذه هموم شخص مسكون بتربية الأجيال وخدمة الوطن، نسأل الله التوفيق للجميع.

 

 ينظم منتدى الزهراء للمرأة المغربية حفل الإطلاق الرسمي لمشروع "إشراك" القيادات الجمعوية في الترافع وتقييم السياسات العمومية" الذي يمتد على مدى أربع (4) سنوات بجهة الرباط سلا-القنيطرة، بشراكة وتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية USAID وتعاون مع منظمة كونتربارت الدولية " COUNTERPART"، وذلك يوم الثلاثاء 26 شتنبر2017.

ويهدف المشروع إلى المساهمة في تأهيل جمعيات المجتمع المدني للنهوض بالأدوار الدستورية الجديدة وذلك عبر ثلاث مرتكزات:

1 - تقوية قدرات المنتدى ليضطلع بالدور الريادي في مجال الترافع والتأثير في السياسات العمومية؛

2 - تعزيز قدرات 40 جمعية محلية في مجال الترافع وصياغة وتقديم العرائض؛

3 - تعزيز قدرات 60 شاب وشابة موزعة كالآتي:

20  شابة مناصرة لحقوق المرأة؛

20  من المراسلين الحقوقيين الشباب؛

20  من المراقبين الشباب يتقنون آليات الترافع المحلي والوطني.

الإصلاح

Thursday, 21 September 2017 14:56

دروس الهجرة النبوية

1 - الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب :

لذلك أيها الأخوة: عليك أن تأخذ بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة وكأنها كل شيء، ما من ثغرة إلا وقد غطاها الرسول صلى الله عليه وسلم، هيأ رجلاً يأتيه بالأخبار، وهيأ رجلاً يمحو الآثار، وهيأ خطةً تبعد عنه الشبه، اتجه نحو الساحل واستقر في غار ثور أياماً ثلاثة حتى يخف الطلب عنه، وهيأ دليلاً غلب فيه الخبرة على الولاء، ولم يدع ثغرةً إلا وغطاها، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، فلما وصلوا إليه وأصبح أحدهم على بعد أمتار منه قال الصديق رضي الله عنه لرسول صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه لرآنا. الآن لأنه أخذ بالأسباب طاعةً، وأخذ بالأسباب تعبداً، ولم يعتمد على الأسباب كما يفعل أهل الغرب قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟

 إذاً أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء، أنت في سيرك على طريق عن يمينه واد سحيق وعن يساره واد سحيق، إنك إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها كشأن الغرب وقعت في الشرك، من اعتمد على ماله ضل، من اعتمد على من حوله ذل، ومن توكل على الله لا ضل ولا ذل. ينبغي أن تأخذ بالأسباب دون أن تعتمد عليها، ينبغي أن تعتمد على الله، وإن لم تأخذ بها وتوكلت على الله فهذا التوكل الذي لا يريده الله، اعقل وتوكل وليس بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الله تناقض وتضاد، بل بينهما تكامل، بشكل مبسط الابن مريض، آخذه إلى أفضل طبيب، وأشتري له أحسن دواء، وأنفذ تعليمات الطبيب بكل دقة، وبعدئذٍ أتوجه إلى الله وأقول: يا رب لا شافي إلا أنت، أنا أخذت بالأسباب وعليك الباقي، هذا شأن المسلم في سفره، في تجارته، في صناعته، في زراعته، في زواجه، في علاقاته الأسرية، في أفراحه، في أتراحه، تأخذ بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة وكأنها كل شيء وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الدرس الأول من دروس الهجرة، وما أحوج المسلمين إليه في محنتهم مع أعدائهم، ما أحوجهم كيف؟ قال تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال: 60)

 هذا هو الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾  (سورة الروم: 47)

 أعد لهم ما تستطيع، ما هو متاح لك، والله جل جلاله يرمم الباقي، هذا درس بليغ في تجارتنا، في صناعتنا، في زراعتنا، في علاقتنا مع أعدائنا، في حربنا، في سلمنا، في كل أمور حياتنا، الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة كان مشرعاً، ولعل تشريعه العملي أبلغ عندنا من تشريعه النظري لعل ذلك، التشريع العملي وقائع وقعت.

 ورد في بعض الأحاديث الشريفة:" إن الله يلوم على العجز" أن نستسلم، أن نستسلم لواقعنا المر، ألا نحاول إصلاح واقعنا، أن نستسلم لضعفنا، أن نستسلم لقلة حيلتنا: "النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ

 أي أن تأخذ بالأسباب، لا تصح هذه الكلمة إلا عندما تأخذ بالأسباب و لا تفلح، أما ألا تأخذ بالأسباب أي طالب لم يدرس فلما رسب قال: حسبي الله و نعم الوكيل هذا ترتيب ربنا، هكذا شاءت مشيئة ربنا، هذا كلام كذب، أما حينما يدرس و يأخذ بالأسباب و لا ينجح لسبب قاهر فيقول: حسبي الله و نعم الوكيل، هذه أول درس من دروس الهجرة.

2 ـ الإسلام حركي و ليس سكونياً :

 لا تصدق و لا تتوهم و لا تعتقد أن الإيمان سكوني، جالس في البيت، استمعت إلى درس بالشريط، استمعت إلى خطبة أعجبت بالخطيب، الإسلام عظيم، دين الحق، النبي على حق، و اكتفيت بهذا، لم تقدم شيئاً للمسلمين، لم تتحرك إطلاقاً، لم تعطِ لله، و لم تمنع لله، و لم ترضَ لله، و لم تغضب لله، و لم تصل لله، و لم تقطع لله، و لم تبذل لا من مالك، و لا من وقتك، و لا من جهدك، و لا من عضلاتك، ما فعلت إلا أنك معجب بهذا الدين، معجب بهذه الخطبة، معجب بهذا الدرس، معجب بهذا الكتاب، الإسلام حركي ليس هناك إسلام سكوني: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ سورة الأنفال: 72

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ سورة الكهف: 110

 ماذا نفعل؟ قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ سورة الكهف: 110

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة التوبة: 105

 الإسلام حركي: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ سورة مريم: 31

 الزكاة حركة نحو الخلق، و الصلاة حركة نحو الخالق: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ سورة مريم: 31

 ما من آية في القرآن تتحدث عن الإيمان إلا و قرن الله بها العمل في مئتي موضع من كتاب الله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ سورة البقرة: 25

وليس العلم مقصوداً لذاته في الدين إطلاقاً، إنما العلم ليعمل به، فإن لم يعمل به كان الجهل أولى.

 لا قيمة في نظر الإيمان للإيمان النظري المجرد عن كل حركة، مثل أضربه كثيراً، إنسان مصاب بمرض جلدي، و علاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، قابع في غرفة قميئة مظلمة رطبة، و هو يتحدث عن الشمس، و عن أشعة الشمس، و عن فائدة الشمس، و عن أن الشمس في رابعة النهار، و يا لها من أشعة ناجحة، كلام فارغ، ما لم تتعرض لهذه الأشعة فكل كلامك لا شأن له، و نحن قادمون على مناسبة مولد النبي عليه الصلاة و السلام ذكرت قبل يومين - كلفت أن ألقي كلمة و قد سمعت مديحاً لرسول الله رائعاً جداً - قلت: لو أن رجلاً أباً في أعلى درجة من العلم و الخلق و الفهم و الحكمة، و له ابن على نقيضه جاهل و خامل و كسول، و أمضى هذا الابن كل حياته في مدح أبيه، يبقى الأب حيث هو و الابن حيث هو، لا ينتفع بالمديح بل ينتفع بالاتباع، فالهجرة حركة، و الدين حركة، و الإيمان حركة، و الإسلام حركة، و في الحركة بركة، الموقف السلبي، إعجاب نظري، تأمل فكري، تعاطف نفسي، لا يوجد حركة، لا يوجد بذل، لا يوجد تضحية، لم تحمل همّ المسلمين، لم تسهم في تخفيف الأعباء عن المسلمين، لم تسهم في رفع شأن المسلمين، إيمانك لا قيمة له، لأنه حينما تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن تعبر عن ذاتها بذاتها بحركة نحو الخلق، مؤمن لا يعمل خيراً هناك شك في إيمانه، شك في مصداقيته.

3 - علاقة المسلم بالهجرة :

باب الهجرة مفتوح على مصراعيه بين كل مدينتين يشبهان في الماضي مكة و المدينة، أنت حينما تقيم في بلد لا تستطيع أن تعبد الله فيه، بقاؤك فيه حرام، و ينبغي أن تهاجر لأن العبادة علة وجودك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ سورة الذاريات: 56

 أي إنسان يقيم في مكان ما لا يستطيع أن يعبد الله فيه ينبغي أن يهاجر كما هاجر النبي عليه الصلاة و السلام، و قد سمعت فتوى من عالم جليل في بلد غربي في أحد المؤتمرات و الفتوى رائعة قال هذا العالم: ما لم تضمن أن يكون ابن ابنُ ابنك مسلماً لا ينبغي أن تبقى في هذه البلاد، و من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله، علاقتي بالهجرة أنني إذا كنت في مكان الدنيا فيه عريضة، دخل فلكي، رفاه ما بعده رفاه، كماليات ما بعدها من كماليات، حريات ما بعدها من حريات، لكن هذا على حساب ديني و عرضي و أولادي و زوجتي، ينبغي أن تهاجر إلى بلد تعبد الله فيه و لو كان فقيراً، و لو كانت فيه المشكلات لا تعد و لا تحصى، هذا منطق المؤمن، هذا منطق الآخرة، لا توازن بين بلدين، وازن بين الدنيا و الآخرة، لذلك الهجرة بالمفهوم الضيق أن تنتقل بين كل مكانين يشبهان مكة و المدينة، المفهوم الواسع للهجرة : "الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ " متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

 تركت المال الحرام، تركت هذه الصفقة لأن فيها شبهة، تركت هذا اللقاء لأن فيه اختلاطاً، تركت هذه الوليمة لأن فيها منكرات، تركت هذا السفر لأن فيه فتنة، تركت هذه الزوجة لأنها ليست مؤمنة، هذا تبعدك عن الله عز وجل، أي شيء تتركه في سبيل الله فأنت بهذا الترك مهاجر بمعنى من معاني الهجرة، هذا المفهوم الواسع.

4 - عبادة الله في الزمن الصعب كالهجرة إلى رسول الله :

 بل إنني أزف لكم هذه البشرى من رسول الله صلى الله عليه و سلم في زمن موت فيه كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل؟ و لا المقتول فيمَ قتل؟ كما ترون فيما حولنا، في زمن يذوب فيه قلب المؤمن في جوفه مما يرى و لا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه و إن سكت استباحوه، في زمن يُصدق فيه الكاذب و يكذب فيه الصادق، يؤتمن الخائن و يخون الأمين، في زمن الفتن ترقص و الدنيا خضرة نضرة، و المرأة معبود الناس من دون الله، في زمن كثر فيه المال الحرام و قلّ المال الحلال، في زمن كثرت فيه الفتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً و يمسي كافراً، و يمسي مؤمناً و يصبح كافراً، في زمن يبيع الإنسان دينه و آخرته بعرض من الدنيا قليل، عبادة الله في هذا الزمن الصعب كهجرة إلي، ورد في الحديث القدسي الصحيح عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ " مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ

 أي في الفتن، لذلك فأووا إلى الكهف و كهفنا مسجدنا، و كهفنا بيتنا، و جنة المؤمن داره.

5 - الهجرة في سبيل الشيطان :

بقي هجرة من نوع آخر، الهجرة هذه التي تحدثت عنها في سبيل الله، في سبيل الدار الآخرة، في سبيل الرحمن، لكن الهجرة اليوم في الأعمّ الأغلب هي في سبيل الشيطان، فحينما يرفض المرء الحق و أهله و ينضم إلى الباطل و أهله، فهجرته في سبيل الشيطان، بل هي فرار من واجباته، و حينما يؤثر المرء الدنيا الفانية على الآخرة الباقية فهجرته في سبيل الشيطان، و حينما يفضل المرء مصالحه على مبادئه، و حاجاته على قيمه فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته في سبيل الشيطان، و تحدث أصحاب النبي عن مهاجر أم قيس، أراد الزواج منها فاشترطت عليه أن يهاجر، فهاجر من أجلها سماه الصحابة مهاجر أم قيس، و حينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات و الطاقات لغير بلاد المسلمين، كل علمك و اختصاصك لغير المسلم يتقوى بهما فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين و تقوية لأعدائهم فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية، و فراراً من البذل و التضحية فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض و استثمار خيراتها فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر الله، تصلي أنت في المسجد، و تحضر درس علم في المسجد، و تحجب امرأتك إذا شئت و لا يعترض عليك أحد، إذا سمح لك أن تصلي، و أن تحضر درس علم، و أن تكون حراً في بيتك، حراً في تحجيب نسائك، هذا بلد تقام فيه شعائر الله، فمن تركه إلى بلد لا يستطيع أن يعبد الله فيه فهذه هجرة في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة تضييعاً للعرض و الدين و كسباً للدرهم و الدينار فهي في سبيل الشيطان.

 وحينما تكون في بلد لك فيه دخل كبير وعز عظيم، لكنك قلقت على مصير أولادك لن يكونوا مسلمين، لن يعتزوا بهذا الدين العظيم، لن ينتموا إلى أمة سيد الأنبياء فتركت هذه الميزات، و عدت إلى بلدك و قد تعاني من بلدك بعض المتاعب لأنه بلد من العالم الثالث، فيه مشكلات كثيرة هذه هجرة في سبيل الرحمن، و هؤلاء الذين أصروا على بقائهم في بلاد الغرب يدفعون بعض الثمن الباهظ في الدنيا.

 الدكتور محمد راتب النابلسي (بتصرف)

مقدمة:

تعتبر الهجرة محطة بارزة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وقد جعلها الله تعالى معيارا للمفاضلة بين الصحابة، وأساسا للمولاة بين المؤمنين فقال: " إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } [الأنفال:72] . وأمر الهجرة شديد على النفس لما فيه من ترك الوطن والمال والمألوفات، ولذلك جاء الأمر بالنهي عن تمنّيها: روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن أعرابيّا قال : « يا رسول الله، أخبرني عن الهجرة ، قال : ويحك ، إنَّ شَأنَ الهجرة شديد ، فهل لكَ من إبل ؟ قال : نعم ، قال : فهل تؤدِّي صَدَقَتَها ؟ قال : نعم ، قال : فاعْمَل من وراءِ البحار ، فإنَّ الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئا ".

وإن الصحابة رضي الله عنهم بإيمانهم ورغبتهم فيما عند الله تعالى استجابوا لها، وهاجروا رجالا ونساء، شبابا وكهولا. وإذا كانت الهجرة قد مضيت لأصحابها فقد بقي لنا منها دروسها وعبرها المتجددة، وهو ما نحاول اليوم القيام بجانب منه اليوم، مما له علاقة بالأسرة المسلمة نظرا لكونها الركيزة الأساسية لصلاح المجتمع.

أولا : الهجرة وفتنة المال والأهل

ثانيا: الهجرة وإشراك الأهل والأبناء في عمل الخير (المرة المسلمة والسبق وقصة فاطمة البحرية

ثالثا: الهجرة والفن و استقبال الأنصار للرسول عليه السلام

أولا : الهجرة وفتنة المال والأهل

قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ. وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التغابن : 14]. جاء هذا التوجيه الإلهي في نهاية سورة التغابن، وفيه - نداء إلى المؤمنين ، يحذرهم فيه الله عز وجل من فتنة الأزواج والأولاد والأموال ، ويحضهم على مراقبته وتقواه ، ويحذرهم من البخل والشح، عندما يطلب منهم ذلك .

وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رجلا سأله عن هذه الآيات فقال : هؤلاء رجال أسلموا من مكة ، فأرادوا أن يأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى أولادهم وأزواجهم أن يتركوهم - ليهاجروا . فلما أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى بالمدينة - رأوا الناس قد تفقهوا في الدين ، فهموا أن يعاقبوهم - أي : يعاقبوا أولادهم وأزواجهم - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات . وهناك رواية أخرى ذكرها ابن عطية عن  عطاء بن أبي رباح إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي حين أراد غزواً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فاجتمع أهله وأولاده فثبطوه وتشكوا إليه فراقه ، فرق ولم يغز ، ثم إنه ندم وهم بمعاقبتهم ، فنزلت الآية بسببه محذرة من الأزواج والأولاد وفتنتهم ، ثم صرفه تعالى عن معاقبتهم بقوله : ( وإن تعفوا وتصفحوا ).

ومعنى الآية : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إن بعض أزواجكم وأولادكم ، يعادونكم ويخالفونكم فى أمر دينكم . وفى أمور دنياكم ، ( فاحذروهم ) أي : فاحذروا أن تطيعوهم في أمر يتعارض مع تعاليم دينكم ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

وقال سيد قطب في ظلال القرآن : " إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية . ويمس وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي ملابسات الحياة سواء . فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله . كما أنهم قد يكونون دافعاً للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير ، وتضحية الكثير . كما يتعرض هو وأهله للعنت . وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده . فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال! فيكونون عدواً له ، لأنهم صدوه عن الخير ، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا . كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه ، اتقاء لما يصيبهم من جرائه ، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه ، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله . . وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات . . وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن ."

وسميت السورة بسورة التغابن: الذي يعني ما يقع لبعض التجار من الغبن والخسارة في تجارة ما. وهنا أراد الله عز وجل كما ذكر بعض المفسرين الغبن الذي لا جبران له، وهو الذي يكون يوم القيامة حين يفوز من اتبع أمر الله تعالى، واحتاط لنفسه من فتنة الأهل والأولاد، ونظر إلى غيره ممن وقعوا في فتنة الأهل والمال والأبناء فخسروا منازلهم يوم القيامة. وفي سبب نزول الآية التي وقفنا عندها إشارة إلى ما وقع لبعض الصحابة الذين ثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة فلم يهاجروا إلا بعد مدة ، فوجدوا غيرهم قد تفقه في الدين ، فندموا وأسفوا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم . فالأولاد والأهل قد لا يفتنونك بالمرة ولكن يمنعونك من أن تكون من أهل السبق والكمالات.  وقال ابن عطية: " أخبر تعالى أن الأموال والأولاد { فتنة } تشغل المرء عن مراشده وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا يحمده في آخرته .

قال القاضي أبو محمد ابن عطية : وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء ، فأما فتنة الجهال والفسقة ، فمؤدية إلى كل فعل مهلك ، ... فقال عمر : ما هذا؟ فقال : أحب ولدي وأكره الموت."

ثانيا الهجرة وحب الوطن والتعلق به:

إن هجرة الأوطان استثناء وليست أصلا، فقد غُرس في كل الكائنات الحية أن تحب أوطانها وأن تتعلق بها، ولا ترغب عنها إلى سواها. وقد نقل عن الأصمعي أنه قال : " قالت الهند ثلاث خصال في ثلاث أصناف من الحيوان‏:‏ الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بعيدا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر له نفعا"‏. ومن الناحية الشرعية فإن الحالة الوحيدة التي يؤمر فيها المسلم بهجرة وطنه الأصلي هي اضطهاده في دينه، ومنعه من ممارسة شعائره بحرية، كما وقع للصحابة في بداية الإسلام حيث قال ابن العربي عنها: " الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ; وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهَا بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

  ويشهد لمشروعية التعلق بالأوطان وحبها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان محبا لوطنه وحريصا على البقاء به. فحين بدأه الوحي، وذهبت خديجة به لورقة بن نوفل قال له: ( ... هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ فَقَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) . فقوله عليه السلام: " أومخرجي هم". يدل أن الإخراج كان شاقا عليه وهو ما استنبطه بن حجر نقلا عن السهيلي حيث قال: " ويؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس فإنه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك لحب الوطن وإلفه فقال " أو مخرجي هم "؟"  . وحين هم عليه السلام بالخروج من مكة للهجرة قال في وداعها: " والله انك لأحب البقاع إلى الله ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت" . وجاء في صحيح البخاري أيضا في كتاب الحج :" باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا) ... وفي رواية حميد: (حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا )".  أي حبه عليه السلام الرجوع لوطنه الثاني المدينة الذي أحبه كحبه لمكة. قال ابن حجر: " وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه!"...

ويتجلى هذا التعلق بالوطن وحبه في أفضل الخلق وأنقاهم فطرة : موسى عليه السلام  فقد قال  تعالى"  فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ".  قال بن العربي  : قال علماؤنا : لما قضى موسى الأجل طلب الرجوع إلى أهله، وحن إلى وطنه , وفي الرجوع إلى الأوطان تقتحم الأغرار، وتُركب الأخطار، وتُعلل الخواطر".

ثالثا: الهجرة وإشراك الأهل والأبناء في عمل الخير :

من الحكم الجارية على الألسن خير وسيلة للدفاع الهجوم، ونقول أن خير وسيلة للحذر من فتنة الأهل والأبناء أن تشركهم فيما أنت بصدده من الصالحات ليكونوا عونا لك على ذلك. وقد تجلى أمر التعاون العائلي على الخير في هجرة الرسول عليه السلام وصحابته الكرام. فنص الهجرة الذي روي في الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيه الكثير من صور التعاون والمشاركة ومن ذلك:

"لَمْ أَعْقِلْ أَبوَيَّ قَطُّ إِلا وهما يدينان الدّينَ. ولم يمر علينا يوم إِلا يأتينا فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طَرَفَي النهار ، بُكْرَة وعَشِيّة. .....ثم بَدَا لأبي بكر ، فابتَنَى مسجدا بفناء داره. وكان يصلي فيه ، فَيَتَقَصَّفُ عليه نساء المشركين وأبناؤهم يُعجِبون منه. وينظرون إِليه. وكان أبو بكر رجُلا بَكّاء ، لا يملك عينيه إِذا قرأ القرآن".

قال ابن شهاب : قال عروة : قالت عائشة « فبينا نحن يوما جُلُوس في بيت أبي بكر في نَحْرِ الظَّهِيرة. قال قائل لأبي بكر : هذا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مُتَقَنِّعا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر : فِدى له أبي وأُمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إِلا أَمر. قالت: فجاء رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. فاستأذَن فأذِن له. فدخل ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: أَخْرِج مَنْ عِندك. فقال أبو بكر : إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسول الله - قال: فإِني قد أُذِنَ لي في الخروج. قال أبو بكر : الصحابة ، بأبي أنت يا رسول الله. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : نعم.  وفي أخرى قالت : « ...فلما دخل عليه قال لأبي بكر: أخرج مَنْ عندك. قال: إنما هما ابنتاي: عائشة وأسماء. قال: أشعَرْت أنه قد أُذِنَ لي في الخروج ؟ قال: الصحبةَ يا رسول الله ». وفي هذه الرواية وفي سرد عائشة رضي الله تعالى عنها للقصة كاملة دليل على رجاحة عقلها، وأنها كانت بالسن الذي تؤتمن ويسأل عنها ويطلب إحفاء السر عنها لو لم تكن بالدرجة من الثقة والإيمان.

وقالت عائشة في تجهير الراحلتين: فجهزناهما أَحَثَّ الجِهاز. ووضعنا لهما سُفْرَة في جِرَاب ، قَطَعَتْ أسماء بنت أبي بكر قطعة من نِطاقها ، فَرَبَطَتْ به على فَمِ الجرابِ ، فبذلك سميت ذات النطاقين.

وقالت: ومكثا في غار ثور ثلاث ليالِ ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو غلام شابّ ثَقِف لَقِن ، يَدَّلج من عندهما بسَحَر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت. فلا يسمع أمرا يُكادان به إِلا وَعَاهُ ، حتى يأتيهما بخبر ذلك ، حتى يختلط الظلام.

قالت : ويرعَى عليهما عامر بن فُهَيرة - مولى أبي بكر - مِنْحَة من غَنم ، فيُريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء. فيبيتان في رِسْل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى يَنْعِق بهما عامر بن فهيرة بِغَلَس ، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث».

وفي رواية أخرى : كان عامر بن فُهيرة غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سَخْبرة، أخو عائشة لأمها. وكانت لأبي بكر مِنْحة ، فكان يَرُوحُ بها ويغدو عليهم ، ويصبح فيُدْلج إِليهما. ثم يَسْرَحُ. فلا يفطن له أحد من الرِّعاء ، فلما خرجا خرج معهما يُعْقبانه ، حتى قدما المدينة ، فقُتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة.

قالت: " ...قال هشام : فأخبرني أبي. قال: لما قُتل الذين ببئر معونة ، قال عامر بن الطفيل : مَنْ هذا ؟ - وأشار إِلى قتيل - فقال له عمرو بن أمية : هذا عامر بن فهيرة. فقال : لقد رأيته بَعْدَ ما قُتِلَ رُفِعَ إِلى السماء ".

رابعا معاني المحبة والايثار في قصة الهجرة: 

ويستنبط أيضا من قصة الهجرة معاني المحبة والايثار، والتضحية بالنفس فداء للدين. فهذا علي بن أبي طالب يفدي النبي عليه السلام ليلة الهجرة وينام في فراشه معرضا نفسها للقتل. روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما : قال : شرى علي نفسه و لبس ثوب النبي صلى الله عليه و سلم ثم نام مكانه و كان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ألبسه بردة و كانت قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه و سلم فجعلوا يرمون عليا و يرونه النبي صلى الله عليه و سلم و قد لبس بردة و جعل علي رضي الله عنه يتضور فإذا هو علي فقالوا : إنك للئيم إنك لتتضور و كان صاحبك لا يتضور و لقد استنكرناه منك" .

أما أبو بكر فقد فداي النبي عليه السلام بنفسه وماله وأهله. وظهرت منه قمة المحبة والايثار في طريق الهجرة. ففي صحيح البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه قال: " فإِذا أنا براع مقبل بغنمه إِلى الصخرة ، يريد منها الذي أردنا فلقيته. فقلت: لمن أنت يا غلام ؟ فقال: لرجل من أهل المدينة. فقلت: أفي غنمك لبَن ؟ قال: نعم. ...قال: فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وكرهت أن أوقِظَهُ من نومه. فوافقته قد استيقظ،، وفي رواية : فوافقته استيقظ فصَبَبْتُ على اللبن من الماء حتى برد أسفَلُهُ. فقلت: يا رسول الله، اشربْ من هذا اللبن. قال: فشرب حتى رضيت."

خامسا الاستقبال للرسول عليه السلام والأسرة المسلمة :

 وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة. فكانوا يَغْدُون كل غَداة إِلى الْحَرَّة فينتظرونه ، حتى يردّهم حَرُّ الظَّهيرة. ...حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف. وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول.  وفي رواية البخاري عن أبي بكر للقصة : فقدمنا المدينة ليلا. فتنازعوا : أَيُّهم يُنْزَل عليه رسول الله فقال: أنزِلُ على بني النجار أخوال عبد المطلب، أُكرمهم بذلك. فَصَعِدَ الرجال ، والنساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان ، والخَدَم في الطرق ، ينادون : يا محمد يا رسول الله ، يا محمد يا رسول الله ». وفي رواية أخرى : « جاء محمد رسول الله ».

وفي فتح الباري عن ابن حجر جعل الإماء يقلن قدم رسول الله في رواية عبد الله بن رجاء فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم جاء محمد رسول الله الله أكبر جاء محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخرج الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار.

 وأخرج أبو سعيد في شرف المصطفى ورويناه في فوائد الخلعي من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعا لما دخل النبي صلى الله عليه و سلم المدينة جعل الولائد يقلن طلع البدر علينا من ثنية الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع ... وهو سند معضل ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك (ابن حجر). وهذه الروايات تبين المحبة للنبي عليه السلام، وحسن استقباله، وإظهار الفرح بذلك.

قصة فاطمة البحرية وزوجها جعفر:

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ إِمَّا قَالَ بِضْعٌ وَإِمَّا قَالَ فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَةً وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ مَنْ هَذِهِ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ قَالَ عُمَرُ الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ قَالَتْ أَسْمَاءُ نَعَمْ قَالَ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ كَلَّا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ وَكُنَّا فِي دَارِ أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُهُ وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَمَا قُلْتِ لَهُ قَالَتْ قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ قَالَتْ فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنْ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بُرْدَةَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي ...

د. الحسين الموس

الاجتهاد والجد والأخذ بالأسباب من أعظم ما أمر الله به في القرآن الكريم والسنة النبوية دعوة صريحة إلى التفاني في بذل الجهد والتمكن من الوسائل وحسن تسخيرها في خدمة الخير

الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة حدث زاخر بالدروس والفوائد، حدث عدل خريطة العالم يومئذ إذ انتقل المسلمون بعدها من الضعف إلى القوة، من الذلة إلى العزة، من الشتات إلى الوحدة، من الدعوة المضطهدة إلى الدولة المنظمة.

مفيد جدا أن نلخص السياق العام الذي وردت فيه الهجرة النبوية، لنفهم بشكل واضح لماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وهي من أحب البلاد إليهم وانتقلوا إلى المدينة؟

سياق الهجرة النبوية

نبينا عليه أفضل الصلاة بعثه الله في جاهلية جهلاء، فدعا الناس إلى الله تعالى ودلهم على توحيده وعبادته، وبين لهم ما يحبه سبحانه من الأخلاق الفاضلة ونفرهم من الفواحش والرذائل. فما آمن معه في البداية إلا قليل. وما سمح له كبار القوم بتبليغ دعوته، بل حاربوه واضطهدوا أصحابه وأرهبوهم.

لكنه عليه الصلاة والسلام بأمر الله تعالى لم ييأس ولم يتوقف عن تبليغ دعوته ونصرتها، بل استمر في الأخذ بالأسباب والاجتهاد في فتح أبواب أخرى لرسالة الإسلام.... فكانت هجرته الأولى إلى الطائف، فدعاهم إلى الله أياما، وما ترك إنسانا هنالك إلا وكلمه... يطوف عليهم في منازلهم ومجامعهم، ويكلمهم فرادى وجماعات... فما آمن به أحد منهم، بل اتفقوا على الكفر به وإذايته، فأغروا به سفهاءهم وعبيدهم فطاردوه بالحجارة فأدموا جسده الشريف....

وازداد الأمر في مكة شدة وتضييقا، فقرر برلمان المشركين قتل الحبيب المصطفى بتنفيذ مجموعة من الشباب الأقوياء كل واحد من قبيلة، ليتفرق دمه بين القبائل... (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال.30 فأمر الله نبيه بالهجرة بعد أن سبقته أعداد من أصحابه إلى المدينة المنورة، وذلك ليتمكنوا من عبادة ربهم بحرية والدعوة إلى الإسلام في أمن.

فأعد النبي صلى الله عليه وسلم خطة محكمة لتنفيذ أمر الله تعالى. خطة فيها مهارة التخطيط وبراعة استثمار المعطيات المتوفرة والقدرات المتاحة...

-  فخرج هو وأبو بكر في الظهيرة ومن الباب الخلفي

-  واتجها جنوبا عكس طريق المدينة

-  ومكثا في غار ثور ثلاث ليال حتى يخف الطلب

-  وكان يتلقى التقرير اليومي عن طريق ابن أبي بكر

-  وكان الراعي يمر بطريق الغار ليعفي أثر ابن أبي بكر

-  بعد ذلك أخذا طريقا وعرا غير معروف مستعينين بخبرة مشرك أمين

ومع هذه الخطة المحكمة فقد كان المشركون قاب قوسين أو أدنى من الإمساك بهما فتدخلت عناية الله ومدده فطمس أعينهم. قال تعالى: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة40

الهجرة النبوية والتوكل على الله تعالى

سؤال كبير من المفيد جدا أن أبسطه بين أيديكم لنجعله محور موضوعنا: ألم يكن رب العزة قادرا على نصرة رسوله والمؤمنين به بكلمة واحدة؟ ألم يكن رب العزة قادرا على تدمير المشركين والخسف بأصنامهم؟ ألم يكن رب العزة قادرا على تزويد نبيه بالمال والسلاح وتحقيق الغلبة دون عنت ولا هجرة؟

كلا وألف كلا... لكن رب العزة سبحانه اقتضت حكمته أن يتحقق الخير بالمجهود البشري. أراد الله تعالى أن يعلمنا أن الحياة مؤسسة على العمل والجد والاجتهاد والجهاد والمدافعة والاحتكاك.... لم يقعد عليه الصلاة والسلام في بيته أو في متجره... ثم انتظر صاعقة تنزل أو مَلَكا يتدخل...

وهاهم المسلمون يستسلمون للكسل وللخمول والفجور وللرقص والمجون ومع هذا ينتظرون النصر والعز والرقي والتنمية...

يا مسلما بعرا إسلامه ارتبطا

هلا وفيت بما مولاك قد شرطا

تبغ الجنان بروح القاعدين فدع

عنك المعالي وابغ الخبز والأقطا

ضرورة الأخذ بالأسباب

العمل والاجتهاد والجد والأخذ بالأسباب من أعظم ما أمر الله به في القرآن الكريم والسنة النبوية دعوة صريحة إلى التفاني في بذل الجهد والتمكن من الوسائل وحسن تسخيرها في خدمة الخير.

قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) التوبة 105 ويعجبني دعاء النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام الذي يستعيذ به من معوقات الحركة وعقبات التقدم والفاعلية. ففي الصحيحين عن أنس رضي اللّه عنه قال: كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِك مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ وَالبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ

ولنصرة الخير والعز أمر الله تعالى عباده بإعداد كل ما بإمكانهم من قوة، تربوية وعلمية واقتصادية واجتماعية وعسكرية... فقال: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) الأنفال 60

نماذج فريدة من الأخذ بالأسباب

وقد أمعن القرآن الكريم في بيان ضرورة الأخذ بالأسباب وذلك بتقديم جملة من النماذج الحية البالغة التعبير الداعية إلى فعل الممكن إلى أقصى حد ممكن ثم لا خوف بعد ذلك، فالله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.

وما أحوجنا أيها الإخوة إلى أن نقف على بعض هذه النماذج في زمن كثر فيه الخمول وسادت فيه نفسية التراخي واليأس، وفي الوقت نفسه نجد الناس لا يحسنون سوى سب الزمن ثم الركون إلى الجمود والأحلام.

أولا: الملك الصالح المخلص

لما وجد القائد الصالح قوما ضعافا لا يملكون من أمرهم شيئا وشكوا إليه ياجوج وماجوج، ما كفاهم ذو القرنين شر أولئك الظالمين والغالب أن ذلك بإمكانه، بل طلب منهم الإسهام معه بما يطيقون، وذلك ليعلمهم القيام بالمستطاع والتزود بما هو متاح.

قال تعالى: (ثُمَّ اتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الاَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سُدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) الكهف من 92 إلى .97

فانظر كيف استعمل هؤلاء الطالبين للحماية الأجنبية مُعَلِّما إياهم الاعتماد على الذات والتحرك بدل الانتظارية والاتكالية.

ثانيا: مريم في المخاض

وقال تعالى متحدثا عن واقع مريم البتول حال وضعها لعيسى عليه السلام: (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نِسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) مريم 25 .24 .23

فرغم الحالة الصعبة والضعف الشديد والألم الكبير الذي كانت عليه مريم، فقد أمرها الله تعالى بالاجتهاد في دفع الضرر عن نفسها، ووجهها إلى فعل ما بإمكانها من هزّ جذع النخلة، (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) فتنزل مدد الله وتحلت بركاته سبحانه (تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).

وما أحسن قول الشاعر:

ألم تر أن الله أوحى لمريم

وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه

إليها ولكن كل شيء له سبب

ثالثا: موسى عليه السلام والبحر

لقد عمل موسى منذ بعثه الله تعالى على مواجهة طاغية من أخطر طغاة الأرض، واجتهد ليل نهار، بتوجيه الله تعالى، في دعوة قومه إلى الله وتحريرهم من البؤس والظلم الذي كانوا يرزحون تحته. وانتهت المواجهة بخروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل تحريرا لهم من فرعون وجنوده... لكن هذا الأخير جن جنونه فقرر الخروج على إثرهم قصد القضاء النهائي عليهم والتخلص من موسى ودعوته وبشكل نهائي. فأصبح موسى عليه السلام ومن معه بين بحر متلاطم الأمواج أمامهم وفرعون بجنوده خلفهم فكانت المعجزة الربانية. قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الشعراء من 61 إلى 68

فرغم كل ما بذله موسى عليه السلام فها هو ذا يؤمر في آخر لحظة وعلى عتبات المعجزة يؤمر بفعل شيء ما، حركة ما... (أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ).

عبد الرحمن البوكيلي

Tuesday, 19 September 2017 12:07

الهجرة دروس وعبر

من روعة التربية الربانية لهذه الأمة الخاتمة أن جمع لها: بسط المبادئ والتوجيهات والأحكام، وتقديم النماذج والقدوات البشرية الماثلة التي جسدت تلك المبادئ، بدءا بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم كثير وتاجهم محمد عليه الصلاة والسلام، وكذا نماذج من الصالحين: لقمان، ذو القرنين، مؤمن آل فرعون، أهل الكهف، أصحاب الأخدود وغيرهم، ثم صحابة محمد (صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنهم وأرضاهم، كل ذلك لتجتمع للأمة القناعة العقلية والاطمئنان القلبي مع قوة الإرادة وحماسة الفعل والامتثال. وكما جمع لنا ربنا في القرآن لب وجوهر المبادئ والتوجيهات والأحكام، فقد جمع لنا في رسول الله لب الخصال وجوهر القدوة والامتثال، فكانت أقواله وأفعاله وسيرته وإقراراته منارات مضيئة وسرجا منيرة جعلت الطريقة المحمدية محجة بيضاء كلها نور وضياء لا ليل فيها ولا ظلمة ولا اعوجاج ولا حفر ولا منعرجات، ممهدة وميسرة تغني عن كل سبيل وطريق وطريقة.

وما من حدث في السيرة إلا وفيه من العبر والدروس ما يسد حاجات مختلف الأجيال ويزيد، وهذه الهجرة النبوية غنية وخصبة بما شئت من الدروس والعبر، فأرادها الله تحركا بشريا تؤتى فيه أقصى درجات الأسباب الممكنة مع قمة التوكل على الحي الذي لا يموت، وإلا كان يمكن أن تكون مثل معجزة الإسراء والمعراج، فيريح الله نبيه بالبراق في طرفة عين فإذا به عليه السلام بين أحبابه الأنصار من غير قطع للمسافات والقفار.

قمة الوفاء وحرص على أداء الأمانات لأعتى الأعداء

نبدأ بعض تلك الدروس من لحظة الإذن الإلهي لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إثر مؤامرة الذين كفروا من الملإ المكي بدار الندوة وبحضور إبليس في صورة الشيخ النجدي حيث كان القرار بالقتل الجماعي لنبي الرحمة وعزم توزيع دمه بين عشائر قريش، فجاءه الأمر الرباني بأن لا يبيت ليلته في بيته، وهي لحظة رهيبة لا يفكر فيها عادة إلا في السلامة وأسباب النجاة، وإذا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يكلف ابن عمه علي رضي الله عنه بالمبيت في فراشه عليه الصلاة والسلام ومتدثرا بردائه في "مغامرة" لا يقدم عليها إلا المومنون المتوكلون على الله حق توكله حيث اعتبر موقف علي رضي الله عنه أول فداء من نوعه في الإسلام، ثم يكلفه النبي صلى الله عليه وسلم بأمر عجيب غريب في منطق دنيا الناس، ألا هو أداء أمانات من يخططون لقتله ومن أمعنوا في تعذيب واضطهاد أصحابه وذويه ومن منع المهاجرين من أموالهم، حيث كان له صلى الله عليه وسلم أكثر من مبرر ومسوغ ليأخذ تلك الأموال طيبة بها نفسه ولكن أبى إلا أن يعطي دروسا للأمة في الوفاء والحرص على أداء الأمانات ولو لأشد الأعداء.

دموع الفرح وشدة الحب

ومن تلك الدروس ما حكته عائشة رضي الله عنها عن والدها لما علم بنبأ الرحلة والصحبة، جاء في الحديث الصحيح عن عائِشةَ ، أنَّها قالَتْ : كان لا يُخْطِىءُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يأتِيَ أبي بكرٍ أحدَ طرفَيِ النهارِ : إما بكرَةً ، وإمَّا عشيًّا ، حتى إذا كان اليومُ الذي أذِنَ اللهُ فيه لرسولِهِ في الهجرةِ والخروجِ من مكةَ منْ بينِ ظهرَيْ قومِهِ ، أتانا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالهاجرةِ في ساعَةِ كان لا يأتِي فيها . قالتْ : فلما رآهُ أبو بكرٍ قال : ما جاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذِهِ الساعَةِ إلَّا لِأَمْرٍ حدث . فلما دخلَ تأخَّرَ لَهُ أبو بكْرٍ عن سريرِهِ ، فجلَسَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وليس عندَ رسولِ اللهِ أحدٌ إلَّا أنا وأختي أسماءُ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : أخرِجْ عني مَنْ عندَكَ ، قال : يا رسولَ اللهِ ، إِنَّما هما ابنتايَ . وما ذاكَ – فِداكَ أبي وأمي _ قال : إِنَّ اللهَ أذِنَ لي بالخروجِ والهجرةِ . فقال أبو بكرٍ : الصحبةُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : الصحبَةُ . قالَتْ عائِشَةُ : فواللهِ ما شعَرْتُ قطُّ قبلَ ذلِكَ اليومِ أنَّ أحدًا يبكي من الفرحِ حتى رأيتُ أبا بكر يومئذ يبكي ! ! . ثُمَّ قال : يانبي الله إِنَّ هاتينِ الراحلتينِ كنتُ أعددتُهما لهذا ، فاستأجرا عبدَ اللهِ ابنَ أريقطٍ – وهو مشركٌ – يدلُهما على الطريقِ . ودفعا إليه راحلتَيْهما فكانتا عندَه يرعاهُما لميعادِهما .

فأبو بكر رضي الله عنه نسيج وحده في قمة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هو يبكي لما بشر بأمنيته ومبتغاه في مرافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم، وهيأ الراحلتين، وأخذ جميع ماله معه ولم يترك لأهل بيته شيئا، وحشر أسرته في خدمة رسول الله: ابنه عبد الله يتنقل بين قريش نهارا والغار ليلا يزودهما بالأخبار، وعائشة على صغر سنها تساعد في تهييء الزاد وأسماء تغامر في قطع المسافات، وعبد الله بن فهيرة راعي غنم أبي بكر يمسح آثار أقدام من يساعدون في نجاح الهجرة، ويمر بالغار ليتزود المهاجران من ألبان الغنم، وأثناء سير أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم يسير خلفه تارة وأخرى أمامه خوفا عليه من طلب الأعداء، ويكسح الغار ويأخذ من ثوبه ليسد بها الثقوب والجحور حماية لرسول الله من الهوام وذوات السموم، ويغلق ثقبين متبقيين بقدميه حتى إنه لذغ وغالب دموعه حتى لا يوقظ النبي صلى الله عليه وسلم. ولئن أخفى الموت عنا شخص رسول الله فقد بقي لنا حب سنته وسيرته وآدابه وأحكامه ودعوته ومجمل دينه وكثرة الصلاة عليه، وسؤال رب العزة أن يأتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة.

الوطن غال ودين الحق أغلى

ففي الحديث الصحيح أن عبدالله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه قال: رأيتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، وَهوَ على ناقتِهِ، واقفٌ بالحَزوَرَةِ يقولُ: واللَّهِ إنَّكِ، لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ، واللَّهِ لولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ، ما خَرجتُ" وفيه إشارة إلى أن الهجرة وخروج النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كرها لبلده ولا زهدا فيه ولا بحثا عن بديل يتنعم فيه بمناخ خير من مناخ بلده أو خضرة بعيدا عن صخور مكة الملتهبة، وإنما هو أمر التوحيد والدين والعقيدة والرسالة وهي أغلى من كل وطن حتى ولو كان موطن بيت الله الحرام إذا اختنق بعبادة الأوثان وحال أهله دون إقامة الدين الحق، فالعقيدة أغلى من التراب وما على التراب من الحجر والبشر، فما يختاره الإنسان يكون أسمى مما يعطاه من غير جهد منه ولا سعي، فلا أحد اختار وطنه ولكن كل منا يملك أن يختار دينه وعقيدته ولو بعد حين.

قمة الأخذ بالأسباب مع قمة التوكل على الله

وهذه الهجرة علمتنا درسا بليغا في أخذ الحيطة والحذر وحشر ما يمكن من الأسباب والخبرة البشرية ولو كانت من كافرين، فالناظر في خطتها وطريقها واحتياطاتها يشعر وكأنه لا مجال لإدخال أمور "الغيب والإيمان والتوكل" ونحو ذلك:"تمويه" بإنابة من ينام على الفراش وخروج إلى بيت أبي بكر في غير الوقت المعتاد وأمر بإخراج من في البيت وتوزيع للمهام فالاستخبارات لعبد الله بن أبي بكر والدليل الخريت الماهر بالطريق عبد الله بن أرقط والذي لا يزال على شركه، والتموين للراعي وأسماء مع ضمان محو آثار الطريق، والسير في الاتجاه المعاكس تماما، والتواعد على تلقي الراحلتين بعد ثلاثة أيام حيث يظن هدوء الطلب، ثم أخذ الطريق الساحلي، ومع كل هذا توكل كامل على رب الأسباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم يطمئن عليا بأنه لن يصيبه مكروه، وينطلق عليه السلام بين السيوف المشرعة في غير عجلة من أمره بل يتوقف عليه السلام حتى يضع على رأس كل صنديد من صناديد قريش حفنة من تراب، وأبو بكر يرتجف في الغار وهو يسمع قرع نعال المشركين، ويقول لو طأطأ أحدهم رأسأه لرآهما مما يؤكد أنه لم يكن ثمة خيوط عنكبوت أو عش حمام، ونبي الله يقول في كل ثقة وطمأنينة "ما بالك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" وفي ذلك نزل قول ربنا في سورة التوبة:"إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40). 

جود أبي بكر وعفة النبي صلى الله عليه وسلم

ففي كتب السيرة: بعد هدوء الأحوال تلقى عبد الله بن أرقط النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالراحلتين فقدم أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلهما، وقال اركب فداك أبي وأمي، فقال عليه الصلاة والسلام لا أركب بعيرا ليس لي فقال الصديق هو لك فداك أبي وأمي، فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام "لا إلا بالثمن الذي ابتعتها به" أي اشتريتها به. فقال أبو بكر هو كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذتها به، فركبا وانطلقا، وفي صحيح البخاري"قالَ : يا رسولَ اللهِ ، إنَّ عِنْدِي ناقَتَينِ أعْدَدْتُهُمَا للخروجِ ، فَخُذْ إحدَاهُمَا ، قالَ : ( قَد أَخَذْتُهَا بالثَّمَنِ ) .فأي روعة في مثل هذه المواقف حيث يقابل البذل والجود والكرم بالعفة وعدم استغلال المواقف النبيلة والحرص على الاستقلال وعدم التواكل والتنافس في البذل أيضا، فلا غرابة أن نرى مثل هذا السلوك يسري في الصحابة الكرام مثل ما فعل عبد الرحمن بن عوف الذي قابل جود وكرم أخيه الأنصاري الذي عرض عليه اقتسام أهله وماله معه فقال له بارك الله في أهلك ومالك..دلني على السوق.

قمة الأمل ووثوق بالنصر في لحظة خوف وفرار

وفي درس آخر نترك سراقة بن مالك يحكي لنا قصته كما جاءت صحيح البخاري قال:"جاءنا رسل كفار قريش ، يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، دية كل واحد منهما ، لمن قتله أو أسره ، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس بني مدلج ، أقبل رجل منهم ، حتى قام علينا ونحن جلوس ، فقال يا سراقة : إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل ، أراها محمدا وأصحابه ، قال سراقة : فعرفت أنهم هم ، فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيت فلانا وفلانا ، انطلقوا بأعيينا ، ثم لبثت في المجلس ساعة ، ثم قمت فدخلت ، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي إلى أن يقول: فركبتها ... حتى دنوت منهم ، فعثرت بي فرسي ، فخررت عنها ... فركبت فرسي ... حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، ساخت يدا فرسي في الأرض ، حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ، ثم زجرتها فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها ... فناديتهم بالأمان فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتهم ، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم ، أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية ، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم ، وعرضوا عليهم الزاد والمتاع ، فلم يرزآني ولم يسألاني ، إلا أن قال : ( أخف عنا ) . فسألته أن يكتب لي كتاب أمن ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .والراجح أن ما كتب له في الرقعة هو سوار كسرى وتاجه وقد ذكر ابن عبد البر وابن حجر أنه لما أُتي عمر -رضي الله عنه- بسواري كسرى ومنطقه وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، ... وقال له: ارفع يدك، فقال: الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة الأعرابي". فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفار بدينه والمطارد من قومه يكتب للرجل سوار كسرى وتاجه وعمر يوفي لسراقة بالوعد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وفتح فارس.

الهجرة سلوك متجدد ومحطة للمحاسبة والتقويم

ثم إن المومن يجعل من هذه المناسبة محطة للتفكر والنظر فيما يأتي وما يدع، ويحرص أن يكون له نصيب من أجر وثواب الهجرة، إذ لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، جهاد للنفس لتستقيم على الجادة، وجهاد للباطل ومقاومة مستمرة للفساد والاستبداد والعمل على أن يهجر الناس ما لا يرضاه لنا ربنا في التصورات والعقائد والعادات والسلوك والمعاملات والأحكام والآداب، فالهجرة المعنوية عملية مستمرة في النفس والناس والأوضاع والمؤسسات، هجرة من الشرك إلى التوحيد وهجرة من البدع إلى السنن وهجرة من المعاصي والذنوب إلى الطاعات وفعل الخيرات، وهجرة من المنكر إلى المعروف وهجرة من الظلم إلى العدل ومن الذل إلى العز ومن المهانة إلى الكرامة ومن الضعف إلى القوة ومن التفرق والتشرذم إلى الوحدة والتعاون، فالهجرة تخلية للتفرغ لعملية التحلية والبناء، وإنما كانت الهجرة الأولى لإقامة دين الله وإرساء دعائم الخير والحق، وأي هجران اليوم للكسل والخمول والباطل والفساد إلى الجد والاجتهاد ومعاني الصلاح والإصلاح هو إحياء لمعاني الهجرة في حياة المسلمين، وحلول ذكرى الهجرة في كل عام مناسبة لمحاسبة أنفسنا ومؤسساتنا وجمعياتنا وهيئاتنا على تقدمنا في هذه المعاني في النفس والمجتمع والدولة والأمة فما وجدناه من خير حمدنا الله عليه وما وجدناه من غير ذلك هرعنا إلى التوبة والتصحيح والإستقامة والإبداع في كل خير، وكل مناسبة للهجرة المحمدية وأنتم بخير وعلى خير وإلى خير.