توجّه نحو مليوني حاج إلى صعيد عرفات مع إشراق شمس اليوم الخميس 31 غشت 2017 / 9 ذي الحجة 1438 لأداء ركن الحج الأعظم على أن ينفروا إلى مُزدلفة مع غروب الشمس. وكان ضيوف الرحمن قد توافدوا أمس الأربعاء على مشعر منى حيث قضوا يوم التروية.

وقد أكد متحدث باسم وزارة الداخلية السعودية أن أكثر من مئة ألف من أفراد الأمن يعملون على تأمين الشعائر في مختلف مراحلها ومواقعها.

ويؤدي الحجاج اليوم صلاتي الظهر والعصر جمعا وقصرا اقتداءً بسنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد أن يستمعوا لخطبة عرفة من مسجد نمرة.

ويقف الحاج على صعيد عرفات الطاهر ويعتبر يومه "أفضل يوم طلعت عليه الشمس"، ومع غروب شمس هذا اليوم تبدأ جموع الحجيج نفرتها إلى مزدلفة، حيث يصلون المغرب والعشاء ويقفون بها حتى فجر غد العاشر من شهر ذي الحجة، لأن المبيت بمزدلفة واجب حيث بات الرسول صلى الله عليه وسلم وصلّى بها الفجر.

ويعود الحجاج إلى منى صبيحة اليوم العاشر من ذي الحجة (غدا الجمعة) لرمي جمرة العقبة (أقرب الجمرات إلى مكة) والنحر (للحاج المتمتع والمقرن فقط) ثم الحلق والتقصير والتوجه إلى مكة لأداء طواف الإفاضة.

ويقضي الحجاج في منى أيام التشريق الثلاثة (11 و12 و13 من ذي الحجة) لرمي الجمرات الثلاث، مبتدئين بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة (الكبرى)، ويمكن للمتعجل من الحجاج اختصارها إلى يومين فقط، حيث يتوجه إلى مكة لأداء طواف الوداع، وهو آخر مناسك الحج.

وكالات

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى من استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

بعد طلوع شمس التاسع من ذي الحجة يترك الحجاج مِنًى متجهين إلى الله تعالى في رحلة روحية إلى عرفات استجابة لأمره تعالى واقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. في هذه الرحلة تسمو الروح لترتبط بالسماء، ولولا جاذبية الأرض لعرجت ذات الإنسان مع الروح إلى الله تعالى. وها هي روح الإنسان المؤمن ترقى فتسمو معها الذات في جو تغشاه رحمة الله تعالى ورضوانه، فتتنافس في سباق للظفر بدُنُوِّ الرحمن، وليفوز كل واحد برضا الله تعالى والعتق من النار. وكلما علت الروح تمنت لو توقفت عقارب الساعة لتناجي الخالق وتعيش لذة الأنس والمناجاة. وإذا أدرك الإنسان معنى الرحلة ربح الصفقة، فيُلبس حياته بتقوى الله تعالى.

مشهد عرفات مشهد عطايا الرحمن، يوم أقسم الله تعالى به في كتابه العزيز، وهو اليوم المشهود في قول الله تعالى: "وشَاهِدٍ ومَشْهُود"[1]. عن أبي هريرة عن النبي قال: "اليوم الموعود: يوم القيامة، واليوم المشهود: يوم عرفة،  وقيل الشاهد: يوم الجمعة". كما ذكره الله تعالى في سورة الفجر: ”والشَّفْعِ وَالْوَتْر"[2]. فالشفع: يوم الأضحى، والوَتَر: يوم عرفة"[3].

ويريد الله تعالى بالقسم بالشيء؛ سواء بذاته المقدسة أو بالقرآن الكريم أو ببعض مخلوقاته، أو بالأزمنة، وله أن يقسم بما يشاء( ولا يجوز للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى) أن يلفت أنظارنا إلى أهمية القسم، ودرجة التفاعل معه. وهذا المشهود الذي أقسم الله تعالى به كما جاء في بعض التفاسير بأنه يوم عرفة، وجاء في بعضها أنه يوم القيامة لقول الله تعالى:" ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ"[4].

والناظر في مشهد عرفة ومشهد يوم القيامة يجد التلازم والترابط بين المشهدين من حيث وحدة الغاية في تحصيل الفوز بالجنة والعتق من النار. ويوم عرفة وموقفها يوم مشهود، بشهادة أهل الموقف وأهل الإيمان الموقنون بجلال الله تعالى وعظمته ومعيته لهم، موقنون بأنه لا قيمة لوجود الإنسان إلا بحقيقة التوحيد، كلمة لا إله إلا الله، كلمة الحق، ودعوة الرسل والأنبياء، من أجلها خلق الله الجن والإنس، ومن حققها سعد في الدنيا والآخرة، ومن حاد عنها خسر  خسرانا مبينا.

والذي يقول لا إله إلا الله، والله أكبر "في مشهد عرفات يشنف بها لسانه ويروي بها ظمأ روحه وفؤاده، وهو بين مقام المراقبة الإلهية والمشاهدة، وبين مقام الخوف والرجاء" يعلم أنه يوم تجديد الميثاق الذي أخذه الله تعالى على عباده في عالم الذر" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا"[5]. ثم إن المؤمن في موقف عرفات يستوعب كلمة التوحيد التي بها خلاصه ونجاته،  فيُلزم نفسه بها لأنها أساس الفعل الإنساني وقيمته. وبدونها يعيش الإنسان كريشة في محب الريح، يقول الله تعالى : "وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ"[6].

في موقف عرفة يفر الإنسان إلى الله بكلمة التوحيد، ويعلم أنها مصدر الخير كله، فيمتثل بين يدي الله تعالى ويقر بذنوبه ويعترف بتقصيره، فيتذكر بعرفة يوم يقف الناس بين يدي الله تعالى في يوم كان مقداره ألف سنة، فيجزى كل إنسان بعمله، "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ"[7].

في يوم عرفة يتذكر الإنسان موقف تطاير الصحف يوم القيامة، فيُؤتى هذا كتابه بيمينه "فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه"[8]، فيسعد سعادة أبدية، وهذا يُؤتى كتابه وراء ظهره أو بشماله، "فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه"[9]، يتمنى لو لم يعط هذا الكتاب، لأنه أحصى عليه كل أفعاله المذمومة، فيخسر خسارة  أبدية لا تنفع فيها التوبة.

لمثل هذا اليوم وهذا الموقف فليعمل العاملون ويجتهد المجتهدون، لمثل هذا اليوم يتقبل الله من المتقين المخلصين، والويل كل الويل  لمن رد الله سؤاله وأغلق بابه في وجهه ففي هذا قال ابن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

يعيش المؤمن على صعيد عرفة أجواء ربانية يعجز اللسان عن التعبير عنها وتعجز الأقلام عن وصفها، كما يتعرض المسلم الذي لم يكتب له الحج أو لم يستطع الرحلة إلى الديار المقدسة لسبب من الأسباب، في أيام العشر من ذي الحجة في طاعة الله تعالى والأنس به، وهو يعلم أنه باجتهاده في أعمال البر من الصلاة والصيام والصدقة وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكف الأذى عن الناس إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة يرقى بها درجة عالية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"[10].

يتعرض الإنسان المؤمن للنفحات الإلهية من أجل أن يعقد مع الله تعالى صفقة رابحة مربحة يكسب به لذةً الإيمان في قلبه يجده نورا، ويزكي نفسَه ويطهرَها من الأدران ، ويرقى بروحه ويحلق بها من مكانه إلى حيث موقف عرفة، يقول الله أكبر كبيرا والحمد كثيرا على توفيق الله له بتعلقه بشعائر الله وتعظيمها، "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"[11]. فيعيش حياته نقيا تقيا صادقا ورعا ملتزما بأمر الله ونهيه.

ولا يكفي أن يقوم الإنسان بركن من أركان الدين من الصلاة أو أن يحج بيت الله الحرام أو يتعرض في أي موسم من مواسم الطاعة للنفحات الربانية، ثم بعد ذلك يقوم بأعمال توجب غضب الله وسخطه. فالغاية من العبادة أن يصل الإنسان إلى القمة ويمكث فيها، لا أن يصل إلى القمة ثم يهوي بعدها ليكون عمله هباء منثورا.

ولا ينبغي لعاقل يترك وراءه الديار والأهل والأحباب ليشهد عرفات، ابتغاء رئاء الناس أو سمعة، بل يُلبس روحه رداء الإيمان وتقوى الله تعالى، فيرجو من الله توبة يغفر الله له بها ما تقدم من سالف الذنوب، ويرجو منه الثبات على دينه.

إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر، يوم عظم الله أمره ورفع على الأيام قدره، يذكرنا بأعظم المواثيق الخالدة التي أعلنها الذي لا ينطق عن الهوى "رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث خطب خطبة جامعة مانعة شاملة، من تأملها يجدها الأصلح لحياة الإنسان وسعادته وأمنه واستقراره.

الميثاق الأول: يحرم فيه الرسول صلى الله عليه وسلم سفك الدماء وعدم الاعتداء على أموال الناس بدون حق، فقال عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا". فلا يحق لمسلم أن يعتدي على أخيه المسلم ليَسْلُبَه دمه أو ماله أو عرضه. فالظلم  ظلمات يوم القيامة، وليعلم الظالم أن الله يمهل ولا يهمل، كان الظلم صغيرا أو كبيرا. والظلم حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرما.

وليعلم المؤمن أن حقوق العباد مبنية على المشاححة، فما بينك وبين العباد يجب رد المظالم إلى أهلها قبل الوقوف بين يدي الله تعالى العادل العدل، وأما حقوق الله تعالى فهي مبنية على المسامحة.

إن الاعتداء على الأبرياء وقتلهم وسفك الدماء من أجل متاع الدنيا الفاني، دماؤهم يتحملها القاتل، ولقد استوعب عمر بن الخطاب الدرس من  رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله(رجل) لقتلتهم أجمعين"[12]. وللقتل الخطأ في شرع الله مخارج، أما القتل العمد فقال الله تعالى: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"[13]، وقال الله تعالى: "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"[14].

ويأتي الميثاق الثاني مدويا ليُعلن عن "الأخوة بين الناس في الدين، ويقول صلى الله عليسه وسلم: "تعْلَمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِخْوَةٌ" ما أجملها من كلمة، عاشها الإنسان المسلم في ظل عقيدة التوحيد سلوكا ومعاملة، لكننا في هذا العصر نعيشها شعارا تردده ألسنتنا، وواقعنا يشهد على روابط تمزقت وعرى تخلخلت، ومفاهيم للدين تبخرت. نعيش العصبية وإثارتها، حقد دفين وكراهية مشتعلة.

ثم يأتي الميثاق الثالث ليبطل كل دعوى جاهلية في المعتقد والعبادات أو المعاملات والأخلاق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتِنَة"[15]. فحارب القرآن الكريم خصال الجاهلية، وبين أن التفاضل بين الناس يرجع إلى تقوى الله تعالى، وأن الأصل في الناس الأخوة البشرية "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"[16]، ووقف عليه الصلاة والسلام خطيبا في الناس يوم فتح مكة قائلا: "أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَة الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله والناس بنو آدم وخلق الله آدم من التراب"[17].

أما الميثاق الرابع، الذي ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة ويجعلها شقيقة له في الأحكام والتشريف والتكليف، ويحفظ كرمتها وعفتها، بل يأمر القرآن الكريم الرجال للتعامل معهن بما يليق من المعروف، فقال صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء خيرا"، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "أكرموا النساء فما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم"، ثم يقول:" رِفقًا بالقَوَارِيرِ"[18]. أما ما نرى من أحوال النساء في عالمنا، هو نتيجة تصدع الأفكار المنحرفة التي دجنت المرأة وجعلتها بضاعة مزجاة في أيادي تجار الإعلام والاقتصاد والسياسة.

ويأتي الميثاق الخامس: "الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنته صلى الله عليه وسلم وكان عليه الصحابة الكرام، هذا الميثاق يؤسس لجميع المواثيق التي تربط الإنسان وخالقه، وتربط الإنسان بذاته، ثم الإنسان بمحيطه. إلى غير ذلك من الوصايا.

أين نحن من هذه الوصايا في ظل التلاعب بشعارات واهية، والمناداة بالديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، وأراضي المسلمين تُقَطَّع، ودماء الأبرياء في كل مكان تهرق من المسلمين وغير المسلمين، بالإضافة إلى تفقير الشعوب باستغلال ثرواتها وخيراتها، وخلق الحروب هنا وهناك لكسب المال وتجارة السلاح، وخلق الملشيات والمنظمات الإرهابية في ظل التعتيم الإعلامي، وكسب رهان القوة والهيمنة.

نحن بحاجة إلى إعادة النظر في تَدَيُّنِنا وفي انتماءنا إلى الدين، وفقه كتاب ربنا، لا مجرد التلاوة أو التدبر، بل نرقى به عملا في وجودنا فردا وجماعة وأمة، لنسعد به في الدارين، وأن نرفع  شعارا "إن أ ريد إلا الإصلاح ما استطعت".

عرفة يوم تجاب فيه الدعوات، وتقال العثرات، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات. هو يومُ إكمالِ الدين وإتمام النعمة، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران. ويُسن صيامه لقول النبي(ص): "يكفر السنة الماضية والسنة القابلة"[19]، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه "يعني الله" ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟[20].

 وينبغي  للحاج وغير الحاج أن يكثر من الدعاء فيه ومن قول لا إله إلا الله، وأن يقول الله أكبر تعظيما وإجلالا وخضوعا وانقيادا، واتباعا لأمره ونهيه، والمؤمن على يقين من أن الله يستجيب دعاءَه، وأما الذي يقول الله أكبر وهو لا يأتمر بأمر ولا ينتهي بنهي؛ هذا ما قال الله أكبر ولو كررها بعدد نجوم السماء أو بعدد رمال الكون. لذا يجب أن نقول الله أكبر فتمتلأ بها  قلوبُنا وحواسنا وحياتُنا وتصدُقُ بها أعمالُنا.

يوم عرفة يوم مذلة للشيطان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  "مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ.

فاللهم وفقنا لما تحب وترضى أمين والحمد لله رب العالمين..  

---------------------------------------

[1]  سورة البروج الآية 3

[2]  سورة الفجر الآية 3

[3]  تفسير  ابن كثير ج6 انظر سورة الفجر

[4]  سورة هود  الآية 103

[5] سورة الأعراف الآية 172

[6]  سورة الحج   الآية 31

[7]  سورة عبس الآية 34-37

[8]  سورة الحاقة الآية 19

[9]  سورة الحاقة  الآية 25

[10] البخاري عن بن عباس رضى الله عنهما

[11] سورة الحج   الآية 32

[12]  الحديث رواه مالك عن يحيى بن  سعيد عن سعيد بن المسيب

[13]  سورة النساء الآية 93

[14]  سورة المائدة الآية 32

[15]  فتح الباري في صحيح البخاري لأحمد  بن علي بن حجر العسقلاني، كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية ، الحديث 3330.

[16]  سورة الحجرات الآية 13

[17] عارضة الأحوذي لابن عربي 6/337

[18]  البخاري ومسلم

[19] رواه مسلم

[20] صحيح مسلم من حديث عائشة رضى الله عنها

مع حلول شهر ذي الحجة، وفي هذا الشهر الحرام: الأيام المعلومات والأيام المعدودات. فالأيام المعلومات هي العشر الأولى منه والأيام المعدودات هي أيام العيد من اليوم العاشر إلى الثالث عشر. قريب من نصف هذا الشهر أيام مباركة مفضلة على غيرها، والمسلم إذا اقترب منه موسم من مواسم الخير يتهيأ له حتى يغتنم ما فيه من فضل وحتى لا نغفل عن فضل هذه الأيام المقبلة كان هذا التوجيه.

فضل العشر من ذي الحجة :

ا – أقسم الله تعالى بهذه العشر في قوله عز من قائل : " والفجر وليال عشر " وجمهور المفسرين من السلف وغيرهم أنها العشر الأولى من ذي الحجة ، وإقسام الحق سبحانه وتعالى بها تنويه بقدرها وفضلها ولفت النظر إليها .

ب _ سماها سبحانه وتعالى بالأيام المعلومات :في قوله جل ذكره ، " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " سورة (ص) ، وجمهور العلماء أنها العشر الأولى من ذي الحجة وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس .

ج _ أن فيها يومين عظيمين هما يوم التاسع والعاشر: يوم عرفة ويوم النحر ، فيوم عرفة يوم المغفرة والدعاء، ويوم النحر: يوم الحج الأكبر ويوم عيد الأضحى وهو أفضل أيام السنة عند طائفة من العلماء .

ولأن هذه الأيام بهذه المكانة فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح فيها دون أن يسمي نوعا منه دون آخر ، ولا شك أن في هذه العشر، تجتمع الصلاة والصيام والحج والصدقة وغيرها ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني الأيام العشر : قالوا يا رسول الله و لا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : و لا الجهاد في سبيل الله ، الا رجل خرج بنفسه و ماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء " رواه البخاري

ومن الأعمال التي يستحب القيام بها في هذه العشر :

  • الصيام: و هو من أفضل الأعمال الصالحة ، و في الحديث المتفق عليه يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه تعالى : " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي و أنا اجزي به و الحسنة بعشر أمثالها ، يدع طعامه و شرابه و شهوته من أجلي " و في الحديث الآخر : " من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا " و من أيام العشر: يوم عرفة و هو التاسع، و قد جاء في صيامه فضل خاص ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :: " صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله و التي بعده " رواه مسلم.

فمن قدر على صيام العشر كلها فهو الأفضل و من لم يصمها كاملة فليصم منها ثلاثة أيام أو يوم عرفة ، فقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم عبد الله بن عمرو أن يصوم من الشهر ثلاثة أيام تكون عند المداومة عليها كصيام الدهر .

ومع الصيام أنواع الطاعات الأخرى مثل تلاوة القرآن وحفظه و تفسيره ، والذكر الكثير وإطعام الطعام و الإحسان إلى الوالدين و الأقارب و الزوجة و الأبناء و الجيران ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غيرها ، فان الصوم ترك و هذه الأعمال فعل

  • الصلاة: بالمحافظة عليها في مواقيتها و شهودها مع جماعة المسلمين في المساجد و الاجتهاد بعد أداء الفرائض في الإكثار من النوافل نهارا و ليلا ، فان الصلاة فريضة الله على عباده كل يوم خمس مرات ، و ما تقرب العبد إلى ربه بأفضل مما فرض عليه ، و لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه كما جاء في الحديث الصحيح .
  • الذكر بأنواعه : من التكبير و التهليل و التحميد و التسبيح و الاستغفار و الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و إن من أعظم الذكر: تلاوة القرآن الكريم، و حضور مجالس العلم التي يتلى فيها كتاب الله عز و جل، و تتلى فيها أحاديث رسوله صلى الله عليه و سلم و تبين فيها أحكام الحلال و الحرام ، و تذكر فيها أسماء الله الحسنى و صفاته و آياته و بيناته

و قد جاء فضل ذلك كله ، فكيف إذا كان في الأوقات الفاضلة مثل هذه العشر التي تقارن بالعشر الأخيرة من رمضان.

روى الإمام احمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من أيام أعظم عند الله و لا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن التهليل و التكبير و التحميد ، و كان ابن عمر و أبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران و يكبر الناس بتكبيرهما ، رواه البخاري و قال : و كان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، و يكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا ، و كان ابن عمر يكبر بمنى في تلك الأيام و خلف الصلوات و على فراشه و في فسطاطه و مجلسه و ممشاه تلك الأيام جميعا .

4 - الدعاء : و من الذكر: الدعاء ، فهو العبادة ، و هذه الأيام أيام دعاء . إذا كان فيها المسلم صائما قائما ذاكرا متصدقا فليكثر من الدعاء و خاصة في يوم عرفة ، ففي الحديث "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" – و لم يخصه بالحجاج وحدهم – و تتمة الحديث " وأفضل ما قلته أنا و النبيئون قبلي لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير "

5 -  الحج والعمرة لمن قدر عليهما : فإن الحج لا يكون إلا في الأيام المعلومات والمعدودات وهي في هذا الشهر من الثامن إلى الثالث عشر والعمرة للمتمتع تسبق الحج ويمكن أن يفرد العمرة وحدها في هذه الأيام

ويشارك المسلمون الحجاج في نسك الذبح ، ومن أراد أن يضحي فليمسك عن شعره و أظفاره من أول الشهر إلى أن يذبح أضحيته فإنها سنة لكنه لا يشارك الحجاج بقية محظورات الإحرام الأخرى .

وغني عن البيان أن هذه الأيام الفاضلة ليست لفعل شيء من المنكرات ، فإذا أقبل المسلم على الطاعات فليكن مقرونا بالبعد عن المعاصي والذنوب ، باطنها وظاهرها ، علانيتها وسرها ، وليراقب قلبه ولسانه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وفمه وفرجه ، حتى لا يخدش الإثم ما قدم من البر ، وفي الحديث " إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " ، وشهر ذي الحجة معدود في الأشهر الحرم ، فله حرمة الشهر الحرام كما قال تعالى : " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم" وشهر ذي الحجة منها، فهو شهر حرام لا يحل فيه الظلم سواء كان ظلما للنفس أو ظلما للغير . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في خطبة الوداع : " إن دمائكم و أعراضكم و أموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا "

وإن الحسنات لتضيع من صاحبها يوم القيامة إذا جاء وقد ضرب هذا وشتم هذا وأكل مال هذا ، فالواجب عليه أن يعمل الصالحات ويصون ثوابها كي لا يضيع منه .

6 - إطعام الطعام وإنفاق المال : فهما من العمل الصالح ، وفعل ذلك في الأوقات الفاضلة أعظم أجرا وثوابا ، فإذا صلى وصام وذكر الله تعالى ودعا ثم أطعم الطعام وأنفق المال فقد جمع بين عبادة البدن وعبادة المال ، وإذا تقرب إلى الله تعالى بالفرض والنفل وعمل البر واجتنب الإثم فقد حاز الخير من جميع جوانبه إن شاء الله تعالى .

روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أهدي عمر رضي الله عنه نجيبا، فأعطي بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاث مائة دينار، أ فأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: "لا انحرها إياها".

طبعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يضِنُّ بثمن هذه الناقة النجيب، ولكنه كان يود شراء نوق وبقر بثمنها، قد تكون من ناحية كمية اللحوم أكثر، لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم شاء أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها وعظم قيمتها.

فالمقصد ليس كثرة اللحوم ف "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها" و لكن المقصد هو القيمة المعنوية، والأثر على مستوى الشعور لهذا الهدي النفيس " ولكن يناله التقوى منكم".

أورد الشهيد سيد قطب رحمه الله هذا الحديث في ظلاله في سياق تفسير الآية 32 من سورة الحج، قال تعالى: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".  وفسر تعظيم الشعائر بتعظيم ذبائح الحج باستسمانها، وغلاء أثمنتها.

وقال العلامة الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: "شعائر الله هي معالم الحج: الكعبة، الصفا، المروة، عرفة، المشعر الحرام و نحوها من معالم الحج، الهدي..."

أما ابن كثير فقد فسر شعائر الله: بأوامره، وزاد تفصيلا فقال: "ومن ذلك تعظيم الهدايا و البدن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، تعظيمها يعني استسمانها واستحسانها."

والملاحظ في تفاسير العلماء أن هناك من فسر شعائر الله بمشاعر الحج فقط من النسك، الصفا والمروة، والبدن.  ومنهم من فسر شعائر الله بأوامره وفرائضه، ومعنى ذلك أنه كل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، وما تعبدنا به فهو شعائره.

و الراجح أن شعائر الله هي المعالم الظاهرة من دينه التي جعل بعضها زمانيا وبعضها مكانيا، ومعنى معالم: حدود الله.

و من الشعائر الزمانية: شهر رمضان، الأشهر الحرم: ذو الحجة ، ذو القعدة، محرم، ورجب...

أما الشعائر المكانية: الصفا والمروة، مزدلفة، منى، الثلاثة مساجد التي قال فيها صلى الله عليه و سلم:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه و سلم، ومسجد الأقصى." رواه الشيخان.

ومن شعائر الله التي يجب أن تُعظَّم: أضحية العيد، لأن من مقاصدها مشاركة أهل الأمصار أهل الموسم. أهل الموسم لهم الحج و الهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية.

ولقد كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا ذبائحهم وضعوا على آلهتهم من لحومها ونضحوا عليها من دمائها، فأبطل الله أعمالهم، وبين أن المقصود من الأضحية هو تقديم الأفضل لله تعالى: ثمنا، حسنا وسمنا، ليس من أجل المباهاة وحب الظهور بل إمعانا في تعظيم الله، وتعميقا للتقوى في القلوب.

وإذا تأملنا أحوالنا أفرادا وجماعات، حُقَّ لنا أن نتساءل عن تقديمنا بين يدي الله تعالى، عن شعائرنا و مشاعرنا، هل اكتست لباس التعظيم؟ أم هي أعمال عادية،  مجرد رسوم و أوضاع فارغة من كل مضمون.

هل فعلا نقدم لله الغالي والعزيز من أوقاتنا، صدقاتنا، مبادراتنا وعباداتنا؟

يقول الإمام الشعراوي في خواطره:" إن تعظيم الشيء أبلغ و أشمل من فعله أو أدائه أو عمله، عظًّم الشعائر: أداها بحب وعشق وإخلاص، وجاء بها على الوجه الأكمل، بل وربما زاد على ما طلب منه."

إن تعظيم الشعائر أداء لها بشغف وانشراح، بإحسان وإتقان، بديمومة (لا موسمية) وبشمولية (لا انتقائية) .

ولقد ضرب القرآن مثالا لتعظيم الشعائر : إبراهيم عليه السلام الذي نعته الله بوصف جميل" الذي وفَّى". لقد عشق التكليف، وعظًّم المكلِّف، لم يقف عند المطلوب منه: بناء البيت كيفما اتفق ،لكنه بذل جهده كاملا لتشييد بناء جميل، وجعل يقف على الحجر تلو الحجر حتى أتم البناء.

 وختاما، إن أعمق رسالة توصلها هذه الأيام المباركات من ذي الحجة هي رسالة تعظيم شعائر وحرمات الله، بهذا سنصل للجائزة الكبرى: التقوى.

Wednesday, 30 August 2017 18:33

ما هو يوم التروية؟؟

تسمية يوم التروية

يوم التروية هو يوم الثامن من شهر ذي الحجة، يذهب الحاج في هذا اليوم إلى منى للمبيت فيها، وقد سمي يوم التروية بهذا الاسم؛ لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ذبح ابنه في تلك الليلة، وأصبح يروي ويقول أهو أمر من الله تعالى أم حلم؟ وقد قيل أيضاً إنّ سبب تسميته بهذا الاسم، لأن حجاج بيت الله كانوا يرتوون من الماء فيه.

أعمال يوم التروية

يبيت الحاج بمنى في هذا اليوم، ويكون ذلك من وقت غروب الشمس يوم الثامن من ذي الحجة حتى طلوع فجر يوم عرفة. يحرم الحاج بالحج ظهراً أو ضحى، إذا كان متمتعاً، ويستحب له أيضاً الطيب والغسل، وارتداء ملابس الإحرام البيضاء، ثم ينوي الحج ويقول: ( لبيك حجاً)، ثم "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". يتوجه الحاج إلى منى ويصلي فيها الظهر والمغرب والعصر والعشاء، حيث تجعل الصلاة الرباعية ركعتين، والصلاة تكون في وقتها من غير جمع. ثم يؤدي الحاج فيها صلاة الفجر لليوم التاسع من ذي الحجة. يسير الحاج إلى عرفة، وذلك عند طلوع الشمس في يوم التاسع من ذي الحجة. يجب على الحاج أن يحافظ فيه على الصلاة الجماعية وراء الإمام، وألا يفوّت تكبيرة الإحرام. يجب على الحاج ألا يفوّت صلاة الوتر سواء قبل النوم، أو بعد العشاء، أو آخر الليل.

فضل يوم التروية

يوم التروية من أعظم أيام الحج، حيث إنّه يعتبر أول أيام الحج، كما أنه يحتوي على أحكام أساسية تتعلق بالحج، أولها قصد منى اقتداءً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. والعمل في هذا اليوم أفضل من العمل في غيره، كما ويستعدّ فيه الحجاج ليوم عرفة الذي فيه مغفرة للذنوب والمعاصي، وتطهير لقلب المؤمن، وعتق من النار.

منقول

«يوم عرفة»، وهو اليوم الذي يوافق يوم التاسع من شهر ذي الحجة، واتفق العلماء والسلف الصالح على أن أفضل أيام العشر من شهر ذي الحجة بل أفضل أيام العام هو يوم التاسع منها أي «يوم عرفة»، ففي هذا اليوم تتنزل البركات، وتهبط الرحمات، ويضاعف الأجر، وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران، وهو يوم عظَّم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، فإن الله سبحانه وتبارك يباهي الملائكة فيه بأهل عرفات،  وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، إذ نَزَلَتْ عَلَى الرَّسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ وقد كان يَوْمَ جُمُعَةٍ. [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] {الآية 3 من سورة المائدة}.

أبرز الدكتور عز الدين ، أن يوم عرفة يوم عظيم لأجل ذلك المشهد المهيب الذي يعرفه جبل عرفة شرق بيت الله الحرام بمكة المكرمة، عندما يقف فيها الحجاج بالملايين شعثا غبرا خافضي رؤوسهم يدعون الله سبحانه ويتضرعون إليه، فلا يكون الشيطان في يوم أطعن ولا أحقر ولا أخزى من هذا اليوم، وإن الله سبحانه وتعالى يباهي بالحجاج ملائكته الكرام، وقد روى ابن حبان من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى السَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ" وفي رواية: "إنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي، اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي، قَدْ أَتَوْنِي شُعْثا غُبْرا ضَاحِينَ."

وأضاف فضيلته أنه منذ بداية شهر ذي الحجة فنحن في أيام طاهرة هي الأيام المعلومات والأيام المعدودات، ويم عرفة وعيد الأضحى من الأيام المعلومات التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز في قوله تعالى (ليذكروا الله في أيام معلومات) وأقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأيام في سورة الفجر {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [الفجر: 1، 2]، ويوم عرفة من هذه الأيام العشر، وبين أن مناسك الحج تأخذ من الأيام المعلومات ثلاثة أيام ومن المعدودات ثلاثة أخرى، فمناسك الحج تبدأ في اليوم الثامن وتستمر في اليوم التاسع والعاشر، ثم في أيام التشريق الثلاثة، فنصف هذا الشهر الكريم أيام فاضلة وعظيمة، ومنها يوم عرفة يوم الدعاء والذكر وهو لغير الحجاج يوم صيام ودعاء أيضا.

يوم عرفة واحد !

يسود اعتقاد خاطئ عند بعض أفراد المجتمع المغربي حول يوم عرفة، فيتحدثون عن "عرفة كبرى" ويقصدون بها اليوم الذي يقف فيه الحجيج في جبل عرفات، يوم الثامن من ذي الحجة بحسب التقويم الشهري القمري المغربي (عند اختلاف الرؤية)، و"عرفة صغرى" بعدها بيوم بحسب نفس التقويم أي اليوم التاسع إذا اختلف مطلع الشهر بين المغرب والمشرق، وفي هذا الصدد أكد أستاذ الدراسات الإسلامية والواعظ بالمجلس العلمي لعمالة الدار البيضاء، أن يوم عرفة هو يوم واحد، وهو يوم التاسع من ذي الحجة الذي يصادف وقوف حجاج بيت الله الحرام على جبل عرفة، حيث يؤدون الركن الأعظم من شعيرة الحج، وأنكر التوفيق الحديث عن عرفة صغرى وعرفة كبرى، لأن عرفة يوم واحد لا غير ويتعلق بالمكان (جبل عرفة) والزمان (اليوم التاسع من شهر ذي الحجة) ويليه يوم العيد.

عرفة يوم الدعاء

حث فضيلة الدكتور على الأعمال الصالحة في هذا اليوم وقال إن من أفضل الأعمال المستحبة في هذا اليوم الأغر هو الدعاء فمن رحمة الله بعباده أنه جل وعلا طلب منهم الدعاء: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر:60]، وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة:186]، وطريق إجابة الدعاء: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } أي: لأمر الله عز وجل، مسارعة إلى الواجبات، ومسابقة إلى الخيرات، واجتناباً للمعاصي وبعداً عن السيئات، وأشار التوفيق لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في سنن الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ). "رواه الترمذي وحسنه الألباني". وقال الله عز وجل في محكم تنزيله، (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات) البقرة: 203].

عرفة يوم الصيام

ودعا عامة المسلمين من غير حجاج بيت الله الحرام في هذا اليوم، صيام هذا اليوم الفضيل وكأنه تعويض لهم عن ما سبق به الحجيج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صيام يوم عرفة يكفر الله به ذنوب السنة الماضية وسنة قابلة)، وهذا اليوم معدود في مكفرات الزمان، وصيامه معدود في الأيام التي بدأ صيامها ي غير رمضان، ويقول الله تعالى: [وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ] {الفجر:1-2-3} وأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابنِ عَبّاسٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أيّامٍ الْعَمَلُ الصّالِحُ فيهَا أحَبُّ إلَى الله مِنْ هَذِهِ الأيّامِ يَعْني أيّامَ الْعَشْرِ قالُوا: يَا رَسُولَ الله وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قالَ وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله إلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".

 عرفة يوم الحرب على المعاصي

جاء في حديث مرسل عند الإمام مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله سبحانه وتعالى عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل وهو يزع الملائكة ). ويحث العلماء على اغتنام هذا اليوم لتنمية الرصيد الإيماني وتقوية وازع التقوى والحرب على المعاصي، وهذا  يقتضي إعلان العداء للشيطان، وهذا هو المقصد الأعزم من نسك رمي الجمرات التي يقوم بها الحجاج بعد الانصراف من جبل عرفة يوم التاسع من ذي الحجة ويتوجهون يوم الحادي عشر من ذي الحجة في أول أيام التشريق ليرموا الجمار على الشيطان، ليؤكدوا أنهم قد أعلنوا التوبة لله، وبدأوا صفحة جديدة مع الله، فكلما عرضت لهه شهوة آثمة، وكلما عرضت لهم شبهة مشككة استعاذوا بالله عز وجل من الشيطان الرجيم.

الإصلاح

قبل أسبوعين انعقد المؤتمر الوطني السابع لمنظمة التجديد الطلابي بالمدرسة العليا للمعادن بالرباط، أسفر عن عدة نتائج لابد من الوقوف عندها ،بما يشكله هذا الوقوف من أهمية بالنظر لكوننا نتحدث عن مؤتمر من مؤتمرات الحركة الطلابية بما تضمه من فئة مهمة وذات حساسية بالنسبة للمجتمع ، ولكون المؤتمر انعقد في ظرفية دقيقة تمر منها البلاد مما يعزز أهمية هذه القراءة في نتائجه.

وإذا كانت عودة المؤتمرات الطلابية للساحات الجامعية بمثابة استرجاع للحركة الطلابية لبعض مساحاتها التي افتقدتها منذ فشل / إفشال المؤتمر الوطني السابع العشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، هذا الاسترجاع كان من بين أهم أسباب تأسيس إطار مدني طلابي باسم منظمة التجديد الطلابي، كما أن تنظيم المؤتمر لجلسة عامة مفتوحة على الرأي العام واستضافة رموز علمية وسياسية ومدنية وبحضور رسمي لرئاسة الحكومة لا يخلو من دلالة في سياق المصالحة بين الجامعة والمجتمع والدولة، فإن استضافة ممثلين لحركات طلابية مغاربية وإفريقية تستعيد بها الحركة الطلابية أحد أدوارها باعتبارها فضاء لتجسيد التضامن والتعاون بين الشعوب والمجتمعات وربط للنضالات الطلابية من نضالات الأمة ودعم مشاريع النهضة والتحرر.

هذه الدلالات ارتبطت بالتجديد الطلابي منذ تأسيسها ،ولم يضف المؤتمر السابع إلا تأكيدا وتثبيتا لها، وإذا كان الامر كذلك فما هي إذن التحولات الجديدة التي دشنها المؤتمر السابع ورسمها في تاريخ المنظمة والحركة الطلابية؟

أولا - الديمقراطية مسلك ومطلب

اعتبرت منظمة التجديد الطلابي منذ تأسيسها وحتى في الصيغ التنظيمية التي سبقتها ، اعتبرت، المطلب الديمقراطي مركزيا في سياق سعيها للإسهام في معركة الإصلاح الوطني والبناء الديمقراطي ، غير أن الديمقراطية قبل ان تكون مطلبا فهي مسلك اعتمدته المنظمة في تدبير شؤونها الداخلية وتأطير الاختلاف في الآراء ووجهات النظر داخلها، وهو أول درس أكده المؤتمر السابع للمنظمة من خلال أولا عقد المؤتمر في موعده القانوني المحدد وما ارتبط بذلك من عقد اللجنة التحضيرية لاجتماعاتها وتنظيم مؤتمرات انتخاب المندوبين على مستوى مختلف الجامعات المغربية، وثانيا من خلال سير أشغال المؤتمر في جو عال من النضالية والمسؤولية المسترشدة بالقيم والأخلاق الجامعة لأعضاء المنظمة، ومن خلال تقييم عمل المرحلة السابقة والمصادقة بالأغلبية على التقريرين الأدبي والمالي، ثم من خلال الانتخاب الحر للقيادة الجديدة للمنظمة برئاسة الأخ أحمد الحارثي وبمعيته قيادة طلابية واعدة. كل ذلك تم في أجواء أخوية عالية ورغم الاختلاف بالآراء والاختيارات فالجميع في النهاية يخضع لقرارات المؤتمر. ولابد من الانتباه دائما إلى أننا نتحدث عن مؤتمر لمنظمة طلابية ينتظم فيها شباب جامعي مفعم بقيم الحماسة والتجرد والطموح وقد يكون حادا في التعبير عن وجهة نظره لكن رغم حساسية هذه الفئة وخصوصيتها نجد مستوى عال من المسؤولية والديمقراطية التي تتجسد واقعا حيا قبل أن ترفع مطلبا لمخاطبة الدولة أو الفاعلين السياسيين.

ثانيا- من التخطيط المرحلي إلى التخطيط الاستراتيجي:

يعكس هذا التحول تطورا نوعيا في العقل الطلابي التجديدي الذي انتقل من العمل بالمخططات المرحلية (سنتين)  والبرامج السنوية الى العمل بالمخطط الاستراتيجي 2017-2025 الذي صادق عليه المؤتمر، وهو تطور ارتقى بالعقل الطلابي الى التفكير بأفق استراتيجي وما يرتبط بذلك من انكباب قيادة المنظمة على إطلاق حلقات وورشات من التشخيص الاستراتيجي وفق الطرق والاليات المعمول بها في المجال وبتأطير من الخبرة العلمية في المجال، ثم إعادة صياغة رؤية المنظمة ورسالتها ومجالات العمل الاستراتيجي ، ثم صياغة التوجه الاستراتيجي العام والتوجهات الاستراتيجية الخاصة بكل مجال.

وإذا كان المخطط الاستراتيجي ليس حلا سحريا لمجمل المشكلات العملية والتنظيمية، بل إن ذلك يتوقف على مدى جاهزية الأعضاء والهيئات وتفانيهم في أداء رسالتهم بالوسط الجامعي والشبابي، فإنمن شأن هذا التطور أن يعيد ترتيب الفعل الطلابي، ويساهم في ترشيده مما سيكون له انعكاس إيجابي كبير على العمل الطلابي ويساعده في القيام بأدواره الاستراتيجية بانتظام واحترافية إضافة لقيم الكفاح والمثابرة المكتسبة لدى المنظمة، تجسيدا لرؤية  "حركة طلابية خادمة للمعرفة والكرامة".

ثالثا - سؤال انفتاح المنظمة نحو تمليك مشروع المنظمة لعموم الطلبة:

من بين أهم الأوراق التي ناقشها المؤتمر الوطني السابع، ورقة التوسع والانفتاح في الوسط الطلابي ، وهنا دشنت المنظمة تحولا مهما من التعامل مع قضية الانفتاح باعتبارها مسألة تقنية أو مسألة مرتبطة بمنطق اشتغال المنظمة أو منطق اعتماد الحملات التواصلية إلى التعاطي معها لأول مرة كقضية مركزية من قضايا أعلى هيأة تقريرية ، ومن اعتبارها قضية بسيطة الى اعتبارها قضية مركبة ومتشعبة يتداخل فيها نوع الخطاب السائد ونوعية المبادرات التي يراد بها الانفتاح بها على عموم الطلبة ، ومنطق الاشتغال ، بالمعطيات الموضوعية المرتبطة بسوء الفهم الموجود بين المكونات الطلابية والجماهير الطلابية وما ينتج عنه فجوة تتسع يوما بعد اخر... هذا التحول في الوعي بهذه الإشكالية وفي مقاربتها، سيؤدي حتما إلى تحول في نوع الإجابة المقدمة من أجل جعل مشروع المنظمة ومبادراتها رهن إشارة عموم الطلبة . و هي إجابة مركبة تتقاطع فيها معطيات ذاتية وأخرى موضوعية ويبقى الهدف منها هو جعل خدمة الطلبة وفق حاجياتهم الجديدة والمتجددة بكل ما يصاحب ذلك من إبداع وإحسان وتجديد.

رابعا- القضية الوطنية والحركة الطلابية

شكل المؤتمر الوطني السابع انعطافة كبرى في تعاطي الحركة الطلابية مع قضية الوحدة الوطنية والترابية، وذلك بالنظر إلى أن هذه القضية كانت من أسباب انتكاسة الحركة الطلابية في السبعينات من القرن الماضي ، بحيث لما سيطرت على قيادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب توجهات يسارية راديكالية اتخذت مواقف مغامرة – ضمنها دعم حق "الشعب الصحراوي" في تقرير مصيره- وهي مواقف زجت بالمنظمة النقابية الطلابي في سنوات الحظر القانوني لمدة خمس سنوات، ورغم أن المؤتمر السادس عشر سنة 1979 قد عمل على تصحيح هذا الموقف ، فإن تعاطي المكونات الطلابية بقي يعاني من التردد ولم تكن قضية الوحدة الوطنية والترابية ضمن جدول أولوياته . ويمكن التمييز بين ثلاث مستويات من تعاطي الحركة الطلابية المغربية مع قضية الوحدة الوطنية والصحراء المغربية:

  • بعض مكونات الحركة الطلابية لازال يدعم أطروحات الانفصال
  • بعض مكونات الحركة الطلابية تعتبر قضية الصحراء المغربية وقضية الوحدة التراتبية هي قضية النظام السياسي القائم وبالتالي تعفي نفسها من أي دور أو مسؤولية
  • بعض مكونات الحركة الطلابية المغربية تتبني قضية الوحدة الوطنية والترابية ولكنها تتحرج في تبني القضية داخل اسوار الجامعة.

ويعود هذا البرود الطلابي في دعم قضية الصحراء المغربية إلى أسباب منها ما هو ذاتي بالنظر لمرجعيات بعض المكونات وخلفياتها السياسية المتصارعة مع النظام لذلك لا تريد أن تقدم خدمة للنظام ( في تصورها الوحدة قضية الدولة وليست قضية شعبية) ، ومنها ما هو موضوعي مرتبط بالأخطاء التي ارتكبتها الدولة ولازالت في تدبيرها لقضية الصحراء المغربية منذ بدايتها ومرورا عبر احتكارها وعدم اشراك المجتمع المدني الحقيقي واعتماد مقاربة الريع ...

ان منظمة التجديد الطلابي حين استعادت طرح قضية الوحدة الوطنية والترابية في مؤتمرها السابع – المؤتمر وليس مجرد نشاط ثقافي- وتخصيصها بورقة خاصة تكون بذل قد واجهت الحرج الذي ظل جاثما على جزء هام من الحركة الطلابية ، وتكون قد صححت موقع الحركة الطلابية في استئناف الدفاع عن الوطن من كل الأطماع والنزوعات الانفصالية.

غير أن دفاع المنظمة عن قضية الوحدة الوطنية والترابية – كما ناقشه المؤتمر- يأتي من موقعها في الحركة الطلابية والشبابية المغربية، ولا يعني تبنيها لهذا الطرح التصفيق للمقاربة الرسمية، بل إن مقاربة المنظمة تنطلق في خيارها الوحدوي من تأسيس نظري وفلسفي يرفض التجزئة والتقسيم والتنازع ويدعم التعاون والتضامن والوحدة في موجهة مخاطر الاستعمار الجديد وورثته، وفي نفس الوقت ينتقد المقاربة الرسمية وينبه إلى عيوبها ونواقصها ويدعو الى تجاوزها . ويميز بين الخطأ في بعض القرارات التي تتخذها الدولة وبين خطيئة الانفصال ودعم الانفصال، وينظر للجامعة المغربية وما تشكله من إضافة نوعية في تعزيز المبدأ الوحدوي والدفاع عن القضايا الحيوية سواء من خلال تأطير مئات الألاف من الشباب أو من خلال اسهام البحث العلمي الجامعي في تعزيز وتعميق هذا المبدأ. وأيضا من خلال ربط الوحدة الوطنية ومواجهة النزوعات الإنفصالية لا يمكنها ان تتحقق دون ترسيخ الممارسة الديمقراطية وحماية الحرية والكرامة وتكريس العدالة الاجتماعية والمجالية.

خامسا- سؤال التشغيل من المطالبة الى المبادرة:

من بين أهم الإضافات النوعية التي أقرها المؤتمر السابع لمنظمة التجديد الطلابي هو مناقشته لأول مرة من نوعها لقضية أساسية بالنسبة لخريجي الجامعات وللمنظومة التعليمية ككل، وهي المرتبطة بقضية التشغيل في علاقته بالجامعة،  من خلال ورقة هامة تطرقت لإشكالية العلاقة بين التكوين وسوق الشغل ودور الدولة والمقاولة ودور المنظمات الطلابية أيضا، باعتبار هذه الإشكالية ذات تداعيات خطيرة على مستوى التقدم والنهوض وعلى مستوى حفظ السلم والاستقرار الاجتماعي.

وبذلك يكون المؤتمر قد حقق طفرة نوعية أولا من خلال الانكباب على مدارسة المردودية الخارجية للتعليم العالي بدل الاكتفاء على متابعة الوضع الجامعي من الداخل فقط، ثانيا من خلال الانتقال بقضية التشغيل من موقع المطالب ، إلى الاحتفاظ بالمطلب وتعزيزه بالمبادرة الإيجابية التي تروم معالجة العجز الرسمي عن معالجة هذه المعضلة الاجتماعية واثارها الاقتصادية والسياسية.

وقد أفرز النقاش ثلاث توجهات كبرى ومتميزة:

الأول في إعادة النظر في التكوينات الجامعية ومراجعة بعض مضامينها ، والحسم في التردد الحاصل في إشكالية العلاقة بين التكوين والتوظيف ومهنة التكوينات الجامعية، بشرط حفظ الشخصية المعنوية والمكانة الاعتبارية للجامعة كفضاء لتكوين الكفاءات والأطر وإنتاج المعرفة والقيام بدورها النقدي تجاه الدولة والمجتمع. وتيسير شروط التداريب والبحوث الجامعية. وإصلاح نظام التوجيه الجامعي ...

الثاني يتمثل في ضرورة مخاطبة المقاولة المغربية بشكل خاص – عبر الاتحاد العام لمقاولات المغرب- بضرورة المساهمة في دعم البحث العلمي ودعم فرص الشغل لخريجي الجامعات، إسهاما منها في دعم التنمية والتقدم وسعيا لتكريس السلم الاجتماعي الذي تستفيد منه المقاولات، وقياما منها بالمسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتقها، وتفعيلا لبنود الميثاق الوطني للتربية والتكوين ولما تبعه من مخططات ساهمت المقاولات في صياغتها. والذي أوصى بضرورة انفتاح الجامعة على محيطها السوسيواقتصادي ... فالانفتاح ليس من مسؤولية الجامعة وحدها بل هي مسؤولية مشتركة مع المقولات بشكل خاص. و ينضاف لهذا ان المنظمة في مواقفها الختامية للمؤتمر السابع طالبت بفرض ضريبة على المقاولات الكبرى تخصص لدعم البحث العلمي.

الثالث يكمن في إطلاق مبادرة جديدة تروم ملء الفراغ الموجود بين خريجي الجامعات وسوق الشغل وذلك تفعيلا من المنظمة لدورها باعتبارها وسيطا بين الدولة والسوق والمجتمع – أحد أدوار المجتمع المدني- وهي مبادرة جديدة تحتاج لدعم الفاعلين الرسميين والاقتصاديين وخاصة وزارة الشغل ووكالة الإنعاش والادماج المهني والمقاولات، في ظل قصور السياسات العمومية . وفي ظل تنامي معدلات البطالة في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا.

وتعكس هذا المبادرة النوعية الجديدة رسوخ منهج الإيجابية والتجديد الذي تتميز بهما منظمة التجديد الطلابي لخدمة خريجي الجامعات والمعاهد العليا.

سادسا- الفساد الإداري والعمل النقابي

شكل المؤتمر السابع تحولا نوعيا في منطق العمل النقابي الطلابي، إذ في الوقت الذي كان يبنى النضال الطلابي على أرضية ملف مطلبي بنقاط متعددة، أقر المؤتمر السابع منطقا جديدا يقوم على نقطة ارتكاز أساسية تدور عليها باقي المطالب الطلابية.

نقطة الارتكاز هي مناهضة الفساد الإداري والمالي والتي خاضت المنظمة بخصوصها معركة طيلة موسمين جامعيين وأصدرت تقرير خاصا حول الظاهرة وأطرت نضالات طلابية متنوعة حول التكوين المستمر، تزوير النقط والشواهد، التحرش الجنسي ....

هذا التحول في الوعي النقابي الطلابي جاء نتيجة تراكم طويل في الفعل النضالي لهذه المنظمة وتنفتح أمامه أفاق كبيرة بالنظر لكون الفساد الإداري والمالي يمس الوضعية الاجتماعية للطلبة، ويمس الجانب البيداغوجي، وواقع التدبير المالي والإداري ، ومستوى البحث العلمي  ووضع الحقوق والحريات ... لذلك تشكل نقطة ارتكاز وعقدة المسائل للنضال الطلابي في السياق الراهن.

وقد صاحب هذه الورقة التي سطرت خطة نضالية في الموضوع، صاحبها، مبادرتين هامتين، أولهما المطالبة بصياغة ميثاق قيم للجامعة المغربية يوقعه ويلتزم به الطلبة والأساتذة والإداريون، والأهم هو إطلاق المنظمة لمؤشر تصنيف جديد للجامعات المغربية في سلم الفساد الإداري والمالي. وهو مؤشر رصدي نوعي من شأنه الإسهام في تخليق المرفق الجامعي والنهوض به وتعزيز التنافسية بين الجامعات لمحاربة الفساد الإداري والمالي.

سابعا- صياغة المواقف و الإسناد العلمي:

جرت العادة في كل مؤتمر وطني أن بصدر بيانا ختاميا يحدد فيه الموقف من مجمل السياقات المؤطرة والمحيطة، غير أن المؤتمر السابع قد أرسى منهجا جديدا في وثيقة جديدة بعنوان "اختيارات ومواقف" مبنية لأول مرة على تقرير رصدي مفصل لمجمل التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ويؤسس على التذكير بمنهج المنظمة – وهو المعمل الذي تصنع فيه المواقف- وفق أدبياتها في صياغة المواقف والاختيارات مع تحيزاتها الفكرية والمعرفية .

وقد رصد التقرير حوالي 27 وثيقة علمية تضمنت تقارير ودراسات صادرة عن مؤسسات وطنية ودولية، وهو ما يعطي للمواقف قوة إضافية كونها مؤسسة على أرضية صلبة وبصياغة مطلبية واقتراحية واضحة.

كما أن الوقوف عند بعض مخرجات الوثيقة المتمثلة في " اختيارات ومواقف" ، نجدها متضمنة لمواقف قوية منسجمة مع وظيفة المنظمة وموقعها في الحركة الطلابية الإصلاحية، سواء من خلال تذكير بمطلب صبانة التعاقد السياسي بالبلاد واستعادة شعار الوفاق التاريخي من أجل الديمقراطية وإقرار الملكية البرلمانية بمضمونها الحقيقي والديمقراطي... أو على مستوى دمقرطة أجهزة التنمية وفصلها عن وزارة الداخلية وخاصة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو على مستوى صياغة ميثاق للقيم او محاسبة المسؤولين عن فشل المنظومة التعليمية ورفض المقاربة الارتجالية الحالية ..... وتجديد الدعم للقضية الفلسطينية ومناهضة الكيان الصهيوني والتطبيع معه...

.....

إن هذه التحولات السبع التي أقرها المؤتمر السابع لمنظمة التجديد الطلابي ، تشكل انعطافة نوعية في تاريخ المنظمة ومسارها والتراكم المحقق منذ التجارب الأولى للطلبة الإسلاميين بالجامعة المغربية في فترة الثمانينات، كما تؤكد على أن حيوية المنظمة لا تتوقف في إبداع المبادرات وتجديد الاختيارات رغم التجدد الكبير على المستوى القيادي والعضوي ، لكن كل هذه التحولات تحتاج لمن يرسيها ويجعلها واقعا معاشا يلمس كل طالب وطالبة  وذلك هو برنامج عمل المنظمة بمختلف هيآتها المركزية والمحلية وبجهود مناضلاتها ومناضليها في مختلف المواقع والمؤسسات الجامعية ... ذلك هو السبيل الكفيل بجعل من المنظمة شعلة مضيئة وبارقة أمل في وسط جامعي موبوء، وحركة طلابية مقيدة بأغلال من تاريخ الصراع والعنف والاحتراب ...  مجسدة لشعار المؤتمر السابع " صمود وكفاح دفاع عن مغرب الكرامة والإصلاح".

يعدّ الصيام في العموم من أفضل العبادات التي يتقرّب بها العبد من الله تعالى، ويكسب الأجر العظيم من عنده، فقد اختصّ نفسه بالأجر، واعتبر الصيام له فيجزي المسلم ما يشاء، ولكن إنّ الصّيام في الأوقات المباركة فضّلها الله تعالى عن غيرها من الأوقات فبذلك يستفيد المسلم بشكلٍ مضاعفٍ، فالصوم في التسع أيام الأولى من ذي الحجة من أفضل الأعمال التي يقوم بها العبد فيها.

عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر) رواه أحمد وأبو داود والنسائيّ وغيرهم، وخاصّةً يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، فالله تعالى يغفر للصائم ذنوب سنةٍ سابقةٍ، وسنةٍ لاحقةٍ، بينما يَحرم صيام اليوم العاشر وهو يوم النحر والعيد عند المسلمين. ويستحب من الأعمال في مثل هذه الأيام الالتزام بالفرائض، والإكثار من النوافل، مثل الصلاة والتكبير، بصِيغه المختلفة، والتهليل والتحميد، والإكثار من الصدقة، والأعمال الصالحة.

إنّ فضل صيام هذه الأيام هو التّقرب لله تعالى حيث أقسم الله تعالى بالليالي العشر في سورة الفجر (و الفجر, و ليال عشر) يعني إنها من أفضل الأيام إلى الله تعالى و أحبها أعمالاً يتقرب فيها المسلم إلى ربه ، و لذلك يفضل اغتنام هذه الأيام الفضيلة بالصيام و التوبة الصادقة و الرجوع لله تعالى ، لكن يفضل صيام ذي الحجة لمن لا يستطيع أن يشهد الحج ، و يكون صيام ذو الحجة كصيام شهر رمضان المبارك و نستغل صيام ذي الحجة بالتهليل و التكبير و التحميد و الإكثار من الإستغفار وإكثار الصدقات و قيام الليل و هذه من الأعمال التي نقوم بها الصائم و الشاهد لذي حجة .

وتحمل هذه الأيام المباركات أعظم الأيام عند الله عز وجل، ألا وهو يوم عرفة والذي يكون يوم العاشر من ذي الحجة، فهو يوم عظيم عند الله عز وجل يحمل في طياته الأجر الكثير والثواب العظيم، فقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلـم هذا اليوم عن غيره من أيام شهر ذي الحجة بمزيد من العناية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلـم " صيام يوم عرفه احتسب على أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده " فصيام يوم عرفة وهو يوم من أيام شهر ذي الحجة، ويوم من الأيام العشر من ذي الحجة التي يستحب صيامها فيه من الفضل أنه يكفر عن الانسان المسلم الذي يقوم بصومه محتسبا أجره عند الله تبارك وتعالى بتكفير ذنوبه من السنة التي سبقت صيامه لهذا اليوم المبارك، وسنة أخرى أيضا، وهي السنة التي تلي هذا اليوم العظيم.

س.ز / الإصلاح

تستعد الكعبة المشرفة بعد أيام قليلة لارتداء كسوتها الجديدة، وذلك في حدث سنوي يشهده ملايين الحجاج ويتابعه المسلمون حول العالم.

ووسط أصوات التلبية الصادحة من حناجر حجاج بيت الله الحرام، في مكة المكرمة، تكتسي الكعبة المشرفة في يوم عرفة، الذي يصادف الخميس المقبل، كسوتها الجديدة التي تزيد من جمالها وجلالها.

وتحاك كسوة الكعبة في مصنع خاص بمنطقة “أم الجود” في مكة المكرمة، يعمل فيه 150 عاملا، لمدة تمتد من 8 إلى 10 أشهر سنويا.

وتبلغ التكلفة الإجمالية للكسوة 22 مليون ريال سعودي (نحو 6 مليون دولار أمريكي)، إذ يُستخدم في حياكتها نحو 700 كيلوغرام من الحرير الخام، و120 كيلوغراما من خيوط الفضة والذهب.

ويبلغ ارتفاع الكسوة 14 مترا، في الثلث الأعلى منها هناك حزام يبلغ عرضه 95 سنتيمترا، بطول 47 مترا، مكون من 16 قطعة مزخرفة بزخارف إسلامية، فيما يبلغ ارتفاع الستارة 6.5 أمتار، بعرض 3.5 أمتار، مزخرفة بآيات قرآنية وزخارف إسلامية.

يشار ان تاريخ كسوة الكعبة يعود إلى فترة ما قبل ظهور الإسلام، واستمر هذا التقليد على مدى الحقب الإسلامية المختلفة وحتى اليوم، وكانت مصر ترسل الكسوة إلى مكة على مدى قرون باستثناء فترات زمنية بسيطة وتوقفت عن إرسال الكسوة نهائيا عام 1962، ومنذ ذلك الحين تصنع الكسوة في السعودية وقد بني مصنع لها في مكة عام 1977.

الإصلاح

ببالغ الحزن والأسى توصلنا بخبر وفاة والدة الأخوين سليمان العمراني نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ولحسن العمراني، النائب الأول لعمدة مدينة الرباط، وذلك يوم الأحد 27 غشت 2017.

وبهذه المناسبة الأليمة نتقدم بأحر التعازي إلى أسرة الفقيدة، سائلين الله أن يتغمدها برحمته الواسعة، وأن يسكنها فسيح جنانه، ويرزق أهلها الصبر والسلوان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.