صارَ فيلسوف الأخلاق (طه عبد الرحمن) في الآونة الأخيرة أكثَر إيمانا في صوابِ الحديثِ إلى الناس والجموع، لجازِمِ اعتِقادِهِ بأنَّ التواصل والحوار وبثّ الفلسفة والفكر خِلال الدّيار من شأنهِ أنْ يُورِّثَ من اتّساعِ الأفُق وتقليبِ النظرِ وانتِشار النظرية ما لا يورِّثه حوار النّفس والتدوين من خَلْفِ جدارِ.

والمتلَقِّي للدَّرسْ (الطَّـهئي) إنْ لم يَكُن ذا احتكاك سابِقٍ بنصوصه واشتِباكِ مع بعض مؤلفاته وجهازه المفاهيمي ومَعْرِفةٍ برَوحَــنتِه؛ يَـتَعَذَّرُ عليه مواكَبة أيٍّ من دروسه ولو كانت في أساسيات المنطِق؛ ناهيكِ عن "المعاني الإيمانية وآثارها الفِكرية والفلسفية وكيف تصير أدواتٍ تحليلية"، كما أنه مُتعَذَّرٌ مَعرِفة النَّسَق الفكري – الفلسفي للرجل وإسهامه النظري الغَزير ونظريته الرائدة في الفلسفة البديلة انطِلاقاً من كتابه "ثُغور المرابَطة"، ولو دعا لكَ في ورقة الإهداء والتوقيع بدعاءٍ فَتْحٍ وبركاتٍ استِثنائية !

وقد استضافَت كلية أصول الدين وحوار الحضارات بمدينة تطوان صباحٍ أمْسٍ الثلاثاء (12 – 12 – 2018) الفيلسوف المغربي الكبير (طه عبد الرحمن) في دَرسٍ افتِتاحي خَصَّ به المؤسسة والحضور في موضوع: "المعاني الإيمانية؛ كيف تصير أدواتٍ تحليلية"، أتى فيها بالجديد والعجب العُجاب؛ نصَّاً ومضموناً ومفهوماً وإبداعاً فلسفيا.

وإذ يَتَأكَّدُ أنهَّ لا غِنى للتلخيص والقراءة عن الإحاطة بكلِّ المضمون؛ ولا غُنْيةً لوَجيزِ الاختصارات عن عديدِ الورقات التي تلاها الرُّجل حتى جَفَّ ريقه، أنعم الله عليه وجزاه كل خير؛ إلَّا أنه ومن باب تعميم الفائدة والاقتِرابِ أكثَر من بِنية النص الذي تَقدَّمَ به فيلسوفنا؛ نـقْدِمُ على إعدادِ ونَشْرِ هذه القراءة والتلخيص لمجمَل ما وَرَد، مُرجِعينَ النقائصَ إلينا، ومُؤمِّلينَ من القُرّاء كبيرَ عفوِهم ومن الكاتِبِ كريمَ حِلمه وتفهُّمِه.

وأوَّل ما أودُّ إحاطة القراء به؛ إيرادُ بعض المفاهيم الـمُعتمَدة في الدرس الافتتاحي لإعانتهم على فَهْمِ ما سيأتي بيانه من خلاصات المحاضَرة، ومن أبْرَز المفاهيم التي تناوَلها المحاضِر، نذكُر: (الفضاء الاعتقالي – استبداد العقل المجرّد – أُفُق التعالي - الإلباس – الانتِزاع – الاحتضان الائتماني – القصد المعنوي – المقصود الالتقاطي – العلمنة الواعية – مُبَرْهَنة – الأخرويات – الجدل الدائر – الحداثة المتهافتة – المفهوم الـمؤيمَن – الأيـمَنَة – المجال الإيماني - العقلنة المؤيَّدَة – الجَـهُولية – يومُ الائتمان..)

استهَلَّ الفيلسوف (طه عبد الرحمن) بلِسانٍ عربي مُبينٍ مُبادِلاً التحية بأحسن منها، توادُدٌ وعباراتُ تقدير ووصْلٌ لِذكرى محاضَرة السنة الفارِطة، بدرسه الافتتاحي الذي يُلقيهِ بين يدي مُحبِّـيه وطلبة العلم والسادة الأساتذة والباحثين الذين حجّوا من مختلِف البِقاع.

(طه) لا يَرى في مُثُوله على المنصة إلا أنه عَودٌ ممزوجٌ بالتفكُّر في قوله تعالى {ولا تقولنَّ لشيء أني فاعلٌ ذلكَ غدا إلا أنْ يشاء الله، واذكر ربكَ إذا نسيت، وقُل عسى أنْ يهدِينِي ربِّي لأَقْرَبَ من هذا رَشَدا}[1]، وأنَّ الله أرادَ لما أنْ نجتمِع مِن غيرٍ تدبيرٍ منا، وما نَسَب إلينا تدبيرهُ إلاَّ تَـحَنُّناً علينا وإكراماً لنا، مما يُوجِبُ التسليمَ لأقدار الله وعدم منازَعةِ الرحمن في ما تجري به الأقدار.

ويُوجِّه شُكره الخاص للطلبة الذين تَطلَّعت أعينهم إلى شَيخٍ لا شكَّ أنه تارِكُهم قريباً، فَلَهُم منه تقديرٌ خاص لِكونِ الشباب بموجِبِ فِطره دوماً ما يكونُ سبّاقاً إلى طلب التغيير في الأنفس والآفاق، وساعياً بجِدِّه وكَدِّهِ إلى تحصيل أسبابِ ذلكم التغيير ووسائله.

بَدْءُ القول في الموضوع لديه؛ يقوم على تِبيان مخاطِرِ آفتين حَصَرتا الدرس الفلسفي والخطاب الفِكري الخاص بنا (عَرباً وغَرْبيين)، وهما:

  • آفة البَيانية: والتي يُرْجِعها إلى مَنْشَئها في اليونان وانتِشارها لاحقا عَبر الترجمات واللغات التي تفرَّعت عن اليونانية، مما أدّى إلى تعطيل أسباب اللِّسان الخاص بنا، ومِن ثَمَّ تعطيلِ أسباب فِكْره (تعطيل اللسان والبيان والفِكر)، مما رأى معه (طه) وُجوبَ اضطلاعه الشخصي بالتصدِّي لهذا التعطيل من خِلال وضْعِ آليات وكَيفيات الخروج منه، متوصِّلاً في ذلكَ إلى "إبداعِ الفلسفة التداولية".
  • آفة الإيمانية: حيثُ لَـم تَعُد المعاني الإيمانية تُوجِّه خطابنا الفكري ولا رؤيتنا الفكرية، ومِن ثَمَّ ما عُدْنا نُفكِّر بواسِطة إيماننا، ولم يَــعُــد الإيمان يُفكِّرُ بيننا. مما رأى معه (طه) ضرورة التصدِّي لهذا التعطيل الإيماني تجاوُزاً للنظريات الـمُـنْـسَلِخة من الإيمان والداعية إلى حداثة بدون دين. فاجتَهَد في وضْعِ فلسفةٍ منتِجةٍ أسماها "الفلسفة الائتمانية".

ويمكن رَصْدُ بواكير الفكر الائتِماني أو النظرية الائتمانية لدى فيلسوفنا في عمله البارع الموسوم بــ "سؤال الأخلاق؛ مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" في طبعته الأولى سنة 2000، ثم استكمَل عناصِره في أطروحة متكامِلة مِن (513) صفحة "روح الدين؛ مِن ضيقِ العلمانية إلى سَعَة الائتمانية" في طبعته الأولى سنة 2012.

ثم شَرع في عَرْض النموذج التطبيقي للإبداع الفلسفي الـمُتَوَسَّلِ والـمُتَوَصَّلِ بها إلى "المعاني الإيمانية"، وبيان المشروع الفكري والفلسفي للمنظور الائتماني يقوم _ حَسَب الفيلسوف طَه _ على أساسين هما:

  • أنَّ الأصْـلَ في الأشياء الائتِمان عليها لا امتلاكُها.
  • وأنَّ الأصْلَ في الأفعال الاختيار لها لا الإجبار عليها.

ولهذا المنظور سِماتٌ أربع:

  • أوْلاهما؛ الالتِقاط: بمعنى أنَّ المفهومَ يلتقِطُ الفِكرة. ويضْرِب لذلكَ أمثِلة وشُروحاً مفهومية ومضمونية من اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
  • ثانيهما؛ الإحاطة: بمعنى أنَّ المفهوم يُحيطُ بالـفِكرة، أيْ يشمَلُ مجموعها، والإحاطة مُشتَقَّة مِن (أحاطَ com _ prendre/com _ prehend)، بما يخرُجُ إلى معنى الإدراك المحيط. وقد سَبق للدكتور أنْ وَظَّفَ مفهوم "المحيط" في كتابه المرجعي (روح الدين) لكن في سياقٍ مغاير لهذا الذي نحن بصدده هنا، معرّفا إياه: "ذلك الحاكم الذي يطبِّق حكما شموليا، منتحِلا صفات الكمال الإلهية".
  • ثالثهما؛ الانتزاع: فالمفهوم يَـنتزِع الفكرة، نازِلاً مِنْها مَنْزلَ مُدْرَكٍ أو ماهية. أيْ بعبارة أخرى، أنَّ المفهوم أداةُ تجريد للفكرة.
  • رابعهما؛ التصوير: فالمفهوم يُصوِّر الفكرة، يجعلها بارزة للعيان، كأنّما يُنشِئها إنشاءً، صاعداً بها مِن الرسم العفوي إلى الرّمز العددي. والمراد بهذا؛ أنَّ المفهوم أداةُ تشكيلٍ للفكرة. ويُدرِج الفيلسوف (طه) هذا المستوى تحت معنًى جامعاً واحدا يُعبِّر به؛ أطلَق عليه: "الاعتِقال". فالمفهوم الـفلسفي يعتَقِل الفِكرة، والعقل يعتقِلُ ما يعْـقِله. وبالتالي؛ فالعقل الفلسفي عبارة عن القوة التي تُعتَقَلُ بها الأفكار، تحليلاً لها واستِنتاجاً منها.

ربُاعية المفهوم الفلسفي هذه؛ هي الطريق لاتّضاح الصِّبغة الائتمانية للمشروع الفلسفي والفكري. وللإعانة على توضيح الجانب التطبيقي للإبداع الفلسفي المتوسِّل بالمعاني الإيمانية والـمتوصِّلِ بها؛ واعتماداً للمنظور الائتماني في شرح لمعاني الإيمانية، يتطرَّق المحاضِر الكبير لشرح المعاني الإيمانية، مُنْطَــلِقاً من سورة الفاتحة.

فالمعاني الإيمانية مُشتَقّة مِن الصِّفات الحسنى والأسماء الإلهية، وذلك مِن قَبيل ما ورد في سورة الفاتحة من:

  • المعاني الإيجابية: الحمد، الربوبية، الرحمة، الـمُـلك، العبادة، الاستعانة، الاستقامة، الإنعام.
  • المعاني السلبية: الغَضب، الضلال.

اشتِقاقاً مِن (المحمود، الرب، الرحمن، المالك، المعبود، الـمُستعان، الهادي، الغاضب، الـمُضِلّ).

ويَتبيَّن مِن خلال هذه المعاني أنها تتصف بالِّصفات الآتية:

  • الأولى؛ القَـصد: فالمعنى الإيماني يَقْصِدُ الحقيقة، مُـسِتَـقْبِلاً لها، وعلى قَدْر هذا القَصْد يكون الاستِمداد منها. والقصد يُـوجِبُ حصولَ التوجُّه إلى الـمقصود. والمرادُ بهذه الخاصية؛ أنَّ المعنى الإيماني يتّخِذُ الحقيقةَ قِــبْلَةً له.
  • الثانية؛ الإشارة: فالمعنى الإيماني يُشير إلى الحقيقة حائماً حولها، والمرادُ بهذه الخاصية؛ أنَّ المعنى الإيماني يُشكِّل الحقيقة.
  • الثالثة؛ الإلباس: فالمعنى الإيماني يُـلْـبِسُ الحقيقة كأنّه ساتِرٌ لها، وهو بقَدْرٍ ما يَستُرها يكشِفها. والحقيقةُ كلَّما ازدادت انكِشافاً ازدادت حِجاباً. والمقصود بهذه الخاصية؛ أنَّ المعنى الإيماني يُلِّبِسَ أصالة الحقيقة مُبْرِزاً كَـمالها.
  • الرابعة؛ التمثيل: فالمعنى الإيماني يُمثِّلُ الحقيقة، أي يَــتَوَسَّلُ بـالـمِثالِ إدراكاً. والمثالُ يقوم مَقام المعنى نفسه كلما كان عالِيا. والمقصود بهذه الخاصة؛ أنَّ المعنى الإيماني يُجسّد الحقيقة، متوسِّطاً المعنى الإيماني بالـمِثال والـمماثَلة.

رُباعية الصِّفات هذه؛ قادتْ فيلسوفنا إلى إبداع مفهوم جامِع واحدٍ أطلَق عليه: "الاحتِضان"، حيثُ المعنى الإيماني عندَهُ يحتضِنُ الحقيقة. وبِذا؛ يَصير المعنى هو الفضاء الذي يُشكِّل "احتِضانات" للحقائق، مع وجود فارِقٍ ائتمانِـيٍّ بَـيْنَ "الاعتقال" و"الاحتِضان".

منه؛ أنَّ "الاحتضان الائتماني" لا امتِلاكَ معه، فهو ائتمان. و"القصد المعنوي" يَضادُ "المقصود الالتِقاطي". الأمر الذي يدعو _ حسب الدكتور طَه _ إلى بَسْطِ سؤال حاسم: "كيف يمكنُ أنْ نَـنْقُل المعاني الإيمانية إلى مفاهيم فلسفية تحليلية وهي تَدُلُّ على أنَّها معانٍ مُـعتَـقَلَة لا احتِضان معها؟

وهنا يعودَ الكَرَّة إلى جولاته الأولى والـمتعاقِبة في نَـقد منطق الحداثيين، مُركِّزاً القول في مَتنه الجديد هذا على تعاطِي الحداثيين بِناءَ الحداثة على مُقتضى "الـعلْمَنة"، وهي على وَجه التّعيين نَقْلُ المعاني والمفاهيم الدينية إلى المفاهيم الفلسفية الـمجرَّدة، مُـتَـبَنِّـينَ في ذلكَ وَجهان مِن العَلمنة أطلَق عليهما الفيلسوف (طهَ):

  • العلمنة الواعِية: وهي النّاقِلة عن وَعي مِن التراث الديني.
  • العلمنة غير الواعية: وهي الناقلة عن غير وعي بالتراث الديني.

فهُو وإنْ كانَ قَدْ اعتَمَد مفهومين غيرُ متداوَلَينِ سنة 2012 أطلَق عليهما: "العلمانية الغافلة"، و"العلمانية اليقِظة"، فإنّه يُبدِع في نَحت مفهومين جديدين في محاضرته هذه، متسائلا عن "كَيفَ طُبّقَتا في المجال الفلسفي"؟

فيُمثِّلُ لتيار "العلمنة الواعية" بالفيلسوف الألماني الشهير (فريديش هيجل 1770 – 1831)، الذي يراهُ مِن خلالِ أعماله البارزة وقَد قامَ بدَمجِ المعاني الإيمانية في العلمنة الواعية الـمسيحية، مُتجَلِّيا ذلكَ في مُستويين:

  • مُستوى بِنية المفهوم الفلسفي الذي بناهُ بناءً عقديا مسيحيا، فاندَرَجت المعاني المسيحية في الفكر الفلسفي مما أعطّى جَدلا مِثاليا.
  • مُستوى المفهوم الأوّل المحدِّد للتَّـفَلْسُف عند هيجل كان دينيا. فبداية التفلسف الهيجلي يجِدُ ذاته في مفهوم "الروح/روح العالم، روح الزمن، روح الشعب" (المشتَقِّ من رُوحِ القُدُس)، وهو فعّالية جَدَلية بين الذاتِ وأضدادها، خَلَق جدلاً تَـثْليـثِياً سَيَّر الروح في طَبقاتها الثلاث: الروح الذاتي، والروح الموضوعي والروح الـمُطلَق.

يخلُص الدكتور (طه عبد الرحمن) إلى أنَّ المفاهيم الـفَلسَفِية الغربية نُسِجَت نَسيجَ المعاني الإيمانية؛ أيْ أنها في العمق فَلسفة عَقَدِية مسيحية إيمانية.

أما تيار "العلْمَنَة غير الواعية" فيُمثِّلُ لهُ بأعمال الفيلسوفانِ الألمانيان المعروفان (كارل شميث 1888 – 1958) وهو كاثوليكي، و(كارل لوفيث 1897 – 1973) وهو يهودي، مُتخِذاً من الصِّيغة التي أُطْلِقَ عليها "مُـبَرْهَنة العلمنة"/ أيْ أنَّ (أ) ليست شيئا آخَر غير (ب)، حيثُ تَرمُز (أ) إلى المفهوم الفلسفي، و(ب) ترمُز إلى المفهوم الإيماني=[(أ) مَثلاً: "نور العَقل" ليس سوى "نور الإيمان" مُعَلْمنا، فليست (أ) إلا (ب) مُعَـلْمَنةً]، مُنطَلقاً ببَسْطِ الكلام في النتائج التي تَوصَّل إليها العَلمانِ الأوربيان المسيحيان مِن خلالِ التركيز عنَد تَجلِّي الأصْل الإيماني في مَفهومَي "الدولة الحديثة" و"فلسفة التاريخ".

  • الأصل الإيماني لمفاهيم الدولة الحديثة: مُعظَم النَّظريات التأسيسية في هذا المجال لاهوتية عُلِمِنَتْ، سواء نَظرنا إليها على المستوى التاريخي أو المستوى التنسيقي، فكلاهما يُؤكِّدان الأصْل الإيماني للدولة الحديثة. ويؤكّد (كارل شميث) على أنَّ الفكر السياسي الأوربي يتأسّس على الـمُسلَّمات الإناسية التي أخَذَ بها اللاهوت.

حاول الدَّكتور (طه عبد الرحمن) تَبَيُّنَ كيف أثَّرت مسيحية (شميث) في فلسفته وكتابته؛ فَـبَدَا له أنَّ الفيلسوف الألماني عَمَد إلى عَلمنة بعض المفاهيم الدِّينية واستِثمار علاقاتها الـبِنيوية، أهمُّها مَفهوم "عداء الشّيطان للإنسان" ومفهوم "الخطيئة". مُؤسِّساً عليهما تَقابُلاً صارَ دارِجاً في الأدبيات السياسية وفي العلاقات الدولية (الصداقة والعداوة) وهو المعيار الـمُميِّز للعمل السياسي غَربيا.

وعلى الجملة؛ فإنَّ العلمنة غير الواعية بحسَب (شميث) لَعِبَت دوراً كبيراً في تكوين المفاهيم الفلسفية السياسية المركزية لنظرية الدولة الحديثة. وإذا كان الأمر كذلك؛ لزِمَ أنْ تترتّب نتيجة خطيرة، مفادها كَون انفصال "الديني" عن "السِّياسي" دَعوى باطِلة، ومنه لزِمَ أن تفقِدَ الحداثة السياسية مَشروعيتها.

  • الأصْل الإيماني لمفاهيم فلسفة التاريخ: معلوم أنَّها تَدُلُّ على تأويل التاريخ بكليتِهِ تأويلا يَـجْعَل أحداثَه وأطواره تتداعى وتتضافر فيمَا بَينها لتحقيق هدفِ نهائي. والدَّعوى التي بَنا عليها (لوفيث) كتابه "المعنى في التاريخ" في قراءة فلسفة التاريخ (الأوربي) أنَّ هذا الأخير يأخُذ مِن اللاهوت الديني المسيحي واليهودي. وقد ركَّز على مَفهومين أساسين لبِناء خلاصته (وكلاهما ذا أصْلَين تُراثيين):
  • عُنصر المعنى: فالتَّاريخ بالنسبة للمسيحيين واليهود هو قَبل كل شيء، "تاريخ الـخَلاص"، وفلسفة التاريخ بُنِيَت على طَلَبِها لهذا المعنى أيْ "الخلاص"، والإيمان بأنّه هنالِكَ "مَقْصِداً آخِراً".
  • عنصر التقدُّم: فالأفُق الزَّمني للمقصد النِّهائي عبارةٌ عن "آجِلٍ"، والشُّـعور به يكون بالانتظار والأمَل. ويَرى أنَّ فلاسفة القرن (19) اعتَقَدوا أنَّ تَاريخ العالم يُوحِّده فِعْلُ التَّــقَدُّم الضروري والمتواصِل نحوَ تحقيق وضْعٍ إنساني مِثالي. وجَلِيٌّ في هذا المضمون أنّه عِبارةٌ عن نَقْلِ اعتقاد المسيحيين في الخلاص ونهاية العالم ونزول المسيح لمحو الخطيئة.

وعليه؛ فإنّ مَفهومَي "نهاية التاريخ"/الخلاص و"التقدم"/العناية الإلهية يندرِجان في الإسكاطولوجيات/الأخرويات في الفكر الفلسفي الغربي؛ وكِلاهما ذا أصْلانِ إيمانيان تَـمَّت علْمَنَتهما.

وعلى هذا فالعلمانية غير الواعية لعِبَت دوراً في بِناء مفاهيم فلسفية عبارة عن لاهوتيات وأخرويات، كما عِملت العلمنة الواعية على اقتِباسِ مفاهيم إيمانية ودينية وإلباسُ "نظرية الدولة الحديثة" و"فلسفة التاريخ" الروحَ الإيمانية. وما دام الأمر كذلك؛ فقدْ لزِمَ في نَظَرِ فيلسوفنا المغربي أنْ تكون الدعوى القائمة على انفصال "الديني" عن "الفلسفي" دعوى باطِلة، وتُفْـقِدُ بالتالي الحداثةَ الفلسفية مشروعيتها. ويَستنتِج الدكتور أنَّ العَلمانية بِشِقَّيها (الواعي وغير الواعي)؛ أظْهَرَتْ أنَّ للفِكر الحداثي وعْياً كاذباً بذاته؛ مما يَـقْدَحُ في مشروعيته وعقلانيته. ومِنه ظَهورُ جَدَلٍ دائر عالميا تَسمَّى بــ"خُصومة العلْمَنة". ويتساءل: "ماذا لو نَظرنا إلى الحداثة _ لا مِن جهة كونِها تقتبِسُ من التّراث الديني ما تشاء من المعاني الإيمانية _ وإنما ننظر مِن جِهة كونها تتوّسَّل بعقلانية تتصادَمُ مع المقتَضَيات العقلية التي تنبني عليها المعاني الإيمانية ؟"، "ما الذي سنكتشِفه حينَها؟"

الجواب الطَّهئي:

  • الـعَلمنة لا تَضُرُّ بمشروعية الحداثة حَسب؛ بل تَقْدَحُ في معقوليتها أيضاً.

وتوضيح "الضّرر" و"القَدْح" مِن جانِبين:

  • أوّلاً: أنَّ العلمَنة تُعامِل المعاني الإيمانية المتلازِمة فيما بينها تعاملا متبايِناً، ذلكَ أنَّ العلمنة تقوم على عقلانية مُجرَّدة (يعني أنّها لا تتأسّس على ما هو ديني في تعريف طَه عبد الرحمن)، تنزَعُ منزِعين متعارِضين يُوقِعان الحداثة في التناقض؛ إذ هي مِن جِهة تُقِر بَخَــفْضِ "الإنساني" عن رُتبة "الإلهي"، ومِن جهة ثانية تُصِرُّ على أنّ رُتبَة "العَقلي" تَعلو على رتبة "الإيمان". وهذا يعني أنَّ الحداثة تُعامِل الإيماني بِضدّ ما تُعامِل به الإلهي.
  • ثانِياً: أنَّ العلمنة تتوسَّل بمعاني العَـقْلَنة المجرَّدَة، فيما تُـقِرُّ بأنَّه يمتنِع على هذه المعايير.

وعلى هذا؛ تَكُون العَلمنة في نَظر فيلسوفنا التي تنبني عليها الحداثة المعاصِرة عبارة عن عقلنة مجرّدة ناقضَة شاكّة تتناقَض مع المعطى الإيماني، ويتسائل: "فكيفَ يُعقَل أنْ نُطبِّق هذه العقلنة على المعاني الإيمانية؟"

وبيانُ الأمر مِن وَجْهَين:

  • الأوّل: أنّ المعنى الإيماني يُوجِب التَّسليم، والتسليم ضدَّ النَّقض.
  • الثاني: أنَّ المعنى الإيماني يوجِبُ اليقين، واليقين ضدّ الشّك.

وهكذا يتبيَّن أنَّ القدح في المعقولية والطّعن في المشروعية دَليلاً على التهافُت، ومنه نستنتِج أنَّ الحداثة الغربية وما بعدَها؛ حداثة مُـتهافِتة.

وهنا يَـبسُط الفيلسوف (طه عبد الرحمن) مُقتَرَبه الجديد في نَقدْ تهافُت الحداثة بتمحُّلِه طَلَب عَلمنة تَكون محفوظة مِن وُجوهِ التهافُت، أي أنَّه يَطلُب عَقلنَة تَضادُّ الـعقلَنة الـمُجَرَّدَة، كما أنه يسعى لوضْع مفهوم جديدٍ، اختار صياغته مِن نَفْس المادة اللغوية التي اشتُقِت منه (الإيمان والائتمان) ومن نَفس البِنية اللغوية للعلَمنة، وهو مفهوم: "الأيْـمَـنَة"، وحَدُّ الأيمنة هي أنها عبارةٌ عن نَقْل المعاني الإيمانية إلى المفاهيم الفكرية عموما والفلسفية خصوصا، نقلا يتجاوَزُ ما وقَعت فيه "العَلْمَنة" مِن التَّناقُضات مُتسبِّبةً في تهافُت الحداثة.

وَلإيضاح ما يقصده الفيلسوف بهذا المصطلح الجديد، تطرَّق لبعض المقتضيات، على رأسها:

  • "الأيمنة" تتأسّس على "العقلنة الـمُؤَيَّدَة"؛ التي تأخُذ بالاحتياج إلى الأساس الديني، والتوسُّل بالتّسليم واليقين.
  • فأما مُسلَّمة (الأساس الديني)؛ فإنَّ الأيمنة تعتبِرُ ألَّا أساس للعقل بدون الدين، فالعقل لا يُؤسِّس نفسَه، وإلَّا دارَ وتَسَلْسَل إلى ما لانهاية، فما الظنُّ بما دونَه ! فالأساس الديني هو أساس الأساسيات. والعقل غير المؤسَّس على الدين "عَقْلٌ مُعَلَّق"، والتعليق ضدّ العَقل، أيْ يُفيد" عَقلاً بلا عَقْلٍ". إذن؛ لا بُدَّ مِن تأسيس العقل على الإيمان، ويَـنْـبَغِي أنْ يكونَ هذا الإيمان أكْمَل الإيمانات الممكِنة، حتى يَكون العقلُ أكمَلَ عقلانية وأبْلَغ مشروعيةً.
  • أمّا مُسَلَّمةُ (التسليم واليقين) فإنَّ الأيمنة تَعتبِرُ أنَّ المعاني التي تُباشِرُ نَقْلَها هي معانٍ سَبَق اعتِقادُها والانقِيادُ لها. والمعاني الإيمانية وِفْقَ هذا المفهوم هي مَعَانٍ قِيمية ذاتُ دلالاتٍ توجيهية، وذات مقاصِد تخليقية. والعَقْلنة ذاتُ الصبغة الـمُؤَيمَنة؛ هي "عقلنة ذاتُ صِبغة مقْصدية"، وهي "عقلنة مسدّدة"، و"عقْلنة مؤيّدة". ولأنَّ التحقق بالقيم لا يَكون بالعلم المجرَّد فحسب؛ بل بالعمَل بمُقتضاها؛ كانتِ "العقلنة الـمُؤَيمَنة المُؤَيدَّة" في نَظر الفيلسوف هي "عَقلنة عملية" تأخُذ بــ"العمل الحَي".

بناءً على هذا؛ يقول الفيلسوف (طه): "يتضح أنَّ العقلنة الـمُؤيَّدَة تُبيِّنُ كيف أنّه يُـوجَد في المعاني الإيمانية ما قَرّرت العقلنة الـمُجرَّدة أنه غير موجود، ألا وهو (المعقولية)، بل تُبَيّن كيفَ أنَّ معقولية الـمعانِي الإيمانية تعلو على معقولية المفاهيم الـفِكرية. ذلك أنَّ معقولية هذه المعاني تَـجْمَعُ إلى عَقلانية الـمقاصِد إيقاناً بَنفعِها؛ عقلانية الوسائل إيقاناً بـنُجُوعِها. ومتى تقرَّر أنَّ المعاني الإيمانية بموجِبِ العقلنَة الـمُؤَيَّدَة أبلغ عقلانية مِن المفاهيم الفِكرية التي هِي نِتاجُ العقلنة الـمُجَرّدَة؛ ظَهَر أنَّ نَقْلَ المعاني الإيمانية إلى اللغة الفِكرية أو الفلسفية يَــنْزِلُ برُتبَتِها، إذ تكونُ المفاهيم الـمُقابِلة لها أَفْـقَر، بالإضافة إلى هذه المعاني. فمثلاً: (الـحَمْدُ) كمفهوم فلسَفي أضْيَقُ عقلانية من (الحمد) كمعنًى إيماني".

تترتَّب على هذا في نَظر الدّكتور النتائج الآتية:

  • أوّلها: أنّ الأيمنَة ليست نَقْلاً للمعاني الإيمانية غير المعقولة إلى المفاهيم الفكرية المعقولة شَأنَ العَلْمَنة، وإنما هي على الضِّدّ مِن ذلك؛ نَقْلُ المعاني الإيمانية المعقولة إلى مفاهيم فِكرية دونَها معقوليةً درجات.
  • ثانيها: أنّ المعنى الإيماني ليسَ له في اللِّسان الواحِدِ مُقابِل فلسفي واحد، ولئِنْ أشْبَهَ نَقْلُ المعنى الإيماني إلى المقابل الاصطلاحي؛ النَّقلَ مِن لُغة إلى أخرى، فإنه يَفتِرقُ عنه مِن حيثُ أنَّ المقابِل الفكريَ عبارة عن تَحديد أو تعديل، بينما المنقول إلى لغة أخرى لا تَحديدَ معه، إذْ هو مُجرَّدُ مقابِلٍ لُغوي مِن جِنس المعنى المنقول.
  • ثالِثُها: أنَّ الـمُقابِلَ الفلسفي للمعنى الإيماني متَى قُطِعَت صِلَتهُ بهذا المعنى واستَقَلَّ بنفسه؛ ضَيَّع مشروعيته، إذْ يُصبِح مفهوماً فِكريا مُجَرَّداً، يَدخل عليه مِن أسباب الاعتراض والتّشكيك ما يَدخل على المفاهيم الفكرية غيرِ ذاتِ الأصلِ الدّيني. فمشروعية المفهوم الـمُؤَيْمَن يَعيشُ في حِضْنِ الاتّصال بالمعنى الإيماني، وليس بالانفصال عنه كما هي مشروعية المفهوم الـمُعَلْمَن.
  • رابِعُها: أنَّ المعنى الإيماني الفلسفي مَتى بَقِيَ على حِفْظِ صِلَتِهِ بهذا المعنى ارتَقَى بالتّـفَـلْسُفِ إلى رُتبَة "التفكُّر"، والتفكُّر/(الدَّلالات الحية) هُو غيرُ التفكير.

بناءً على هذه النتائج الأربع يتبيَّن أنَّ "الأيْــمَنَة" تَعتَبِرُ المعنى الإلهي لا مجرّدَ كلمةٍ كسائر الكلمات في عالم الألفاظ _ شأْنَ "العَلْمَنة"_؛ وإنّما تعتبِرُه عبارة عن مجال مِن المجالات في عالم الإيمان. لذا تَقضي "الأيْمَنة" بالتعامل النّقلي مع مجال المعنى الإيماني للتفريق بين مُستويين اثنين:

  • المستوى الأوّل: يُسميه الفيلسوف "الفضاء الاعتقالي"
  • المستوى الثاني: يُسميه بــ"الأفُق الاحتِضاني".

و"الأيَمـنَة" في الأطروحة الائتمانية للدكتور (طه) هِي على دَرَجَتين:

  • الأيَـمنةُ الـمُصَحِّحة: (تتولى نَقْل المعاني الإيمانية الفرعية إلى مفاهيم فلسفية، بما يَجعل هذه المفاهيم تتزحزح عن صيغتها الاعتِقالية، بقدْرٍ ما. بمعنى أنَّه "يُعَدِّل" المفاهيم الفلسفية بتغيير بعض مقتَضياتها).
  • الأيمنة الـمُؤسِّسة: (تتولَّى نَـقْل المعاني الإيمانية الأصلية إلى مفاهيم فلسفية تُزحزِح الأسُس الفلسفية التي تُبْنى عليها صِبغتُها الاعتِقالية. بمعنى أنَّـها "تَفتَحُ" في تلك المعاني أفُقَ التّعالي بعدَ أنْ كانَ مسدوداً. و"ترتاد" فضاء العمل بعدَ أنْ كانَ مهجوراً).

يَعني هذا حَسَب الفيلسوف أنَّ الأيمنة تجاوُزٌ لطَور التَّفلسُف إلى طَوْرِ التمكُّن منه والتجديد فيه، بَعْدَ أنْ ظَلَّ التَّـفَلْسُفُ يُمارَس عند أغلبهِم خارِجَ نطاق الإيمان، بل أحياناً ضِدَّ الإيمان. فالأيمَنة المؤسِّسة عندَ فيلسوفِنا "أنموذَجٌ خاصٌّ في التفلسُف"، يأخُذُ بأسبابٍ عقلية أوسَع مِن عَقل التّجريد (الغربي) ومَن سارَ على مِنواله من فلاسِفتنا الـمُقلِّدينَ وباحِثينا الكُسالى.

ثمَّ يعرُج المحاضِر على ذِكر جانِبٍ مِن انشِغالاته البَحثية في أعماله الأخيرة، آتياً على ذِكْر بعض لبِنات "التَّفَلسُف الإيماني" الذي يدعو إليه ويُنظِّر له. فهذا النَّظَر يَـنبني عنده على مَعنَـيين:

  • معنى الإنسان.
  • معنى المفهوم.

مِن هنا يمكن _ يقول (طه) _ أنْ نَصوغَ دعوى فلسفية (فلسفة أخلاقية إسلامية)، وهي أنَّه "لا أمانةَ بغيرِ إيمان""، ودليلهُا مِن الميثاق الملكوتي {وإذْ أخَذَ ربُّكَ من بني آدَم من ظُهورِهم ذُرّياتهم، وأشْهَدَهم على أنفسِهم، ألستُ بربِّكم؛ قال: بلى، شهِدنا أنْ تقولوا إنّا كُنّا عن هذا غافِلين}، كما يَستَدِلُّ الفلاسفة الـمُحدَثُون بالتعاقُد. ثمَّ استَنتَجَ مِن هذه الدعوى الفلسفية مسائل كثيرة، منها:

  • أنَّ الأمانة ابتِلاء؛
  • أنَّ الأمانة على نَوعين، أمانة احتِفاظ (في الودائع) وأمانة اعتِناء (في الفضائل)؛
  • أنَّ الأمانة غيرُ الـمسؤولية؛
  • أنَّ الأمانة قَبْلها اختِيار، وبَعْدَها اختِيار؛
  • أنَّ الأمانة توجِبُ كمالَ العَقلِ وتمامَ العَـدْلِ؛
  • وأنَّ للأمانة ضِدَّين بارِزَين هما "الحيازة" والمكانة"..

خِــتاماً

يخلُص المحاضِرُ إلى أنَّ المعاني الإيمانية ذاتُ سِماتٍ احتِضانية، وهي (القصد، والإشارة، والإلباس، والتمثيل)، وأنَّها تتعارض مع المفاهيم الفلسفية التي هي ذاتُ سِمات اعتِقالية وهي (الالتِقاط، والإحاطة، والانتزاع، والتّصوير). وقد عَرفنا أنَّ الطريقة التي اتَّبَعتها الحداثة في تجاوُزِها التّعارُضَ بين الطَّرَفين هو "العَـلْمَنة"، مما دفع فيلسوفَنا إلى الشكِّ في معقوليتها والقَدحِ في مَشروعيتها. لذلكَ تَعَيَّن عليهِ طَلبُ إبداع عَقلنة مُؤيَّدَة أسماها "الأيْـمنة"، منفتِحة على أفُقِ التعالِي وفضاء العمل.

إننا بِحقٍّ إزاءَ فيلسوفٍ عربي مفقودِ الـمِثال، مُـمَكَّنٍ مِن روح حداثية إسلامية راشدة ومؤيَّدة وناقدة؛ يُعمِلُ مِـعْوَلَ الهدمِ في واقع الحداثة المعاصرة؛ بل وفي أصولها التأسيسية، وبلِسانِ حضارتها. وقدْ استَأنَفَ في محاضرته القيمة هذه _  على تعقيدِها ووُعورَتها _ إعمالَ مِشْرَط النَّقد ومِقَصَّ التفكيك لشبكة المفاهيم التي قامت عليها الأنوارية الأوربية والحداثة، وإيلاء كبيرِ العناية بإشكالية المصطلح والمفاهيم، لذا كانت مَطالِع مُداخلته بيانٌ في شأنِ المفاهيم الـمُهيْكِلة للفلسفة وأجمَلها في أربَع، والمفاهيم المهيكِلة للبديلِ الأيمَنِي وحَصَرها في أرْبَعةٍ كذلكَ. مع ما يُرافِقُ ذلكَ من تأطير منهجي محكَم للموضوع، وتنظير علمي مُنْـتِج، وتبصير فلسفي مؤسّس، ونَزعة استِقلالية نَقدية بَنّاءةٍ ومُجدِّدة.

عدنان بن صالح  - عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وكان الفراغ من تحرير هذا التلخيص 

يوم 13 – 12 – 2018

تطوان

[1] سورة الكهف، الآية: 24

الجمعة, 14 كانون1/ديسمبر 2018 15:55

تعزية الأخ صالح النشاط في وفاة عمه

بقلوب مؤمنة وراضية بقضاء الله وقدره تلقينا خبر وفاة العم الأكبر للأخ صالح النشاط بمدينة خريبكة، وبهذه المناسبة الأليمة، يتقدم أعضاء المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح والإدارة المركزية للحركة بأصدق التعازي والمواساة للأخ صالح النشاط وكافة أفراد أسرته وعائلة الفقيد، سائلين الله سبحانه أن يتغمده بواسع الرحمة والغفران، ويلهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

(( ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ))

أصدرت الرابطة المغربية للأمازيغية بلاغا توصل موقع "الإصلاح" بنسخة منه وذلك بمناسبة انعقاد لقائها العادي للوقوف على السير العادي للرابطة ومتابعة مجمل التحولات والتطورات التي يعرفها المغرب معبرة عن قلقها البالغ بسبب التراجع عن مسار تثبيت اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية ولا سيما في المواسم الدراسية الأخيرة والتلكؤ في إخراج القوانين التنظيمية ذات الصلة بالأمازيغية، وإلكم نص البلاغ كاملا:

بلاغ

انعقد بحمد الله وتوفيقه اللقاء العادي للمكتب الوطني للرابطة المغربية للأمازيغية، وقد شكل اللقاء فرصة للوقوف على السير العادي لعمل  الرابطة ، وكذا مجمل التحولات والتطورات التي تشهدها بلادنا، وإن الرابطة إذ تتابع بقلق بالغ التراجع عن مسار تثبيت تدريس اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية لا سيما في المواسم الدراسية الأخيرة، والتلكؤ في إخراج القوانين التنظيمية ذات الصلة بالامازيغية، وكذا تصاعد خطاب تجزيئي وصدامي لا يمت بصلة لقيم المواطنة والعيش المشترك، فإنها تعلن للرأي العام الوطني ما يلي:

1- استنكارها الشديد للتراجع الحاصل عن مكتسبات إدماج  اللغة الأمازيغية في التعليم والحياة العامة، ودعوتها الجهات المعنية إلى تحمل مسؤولية القيام بدورها في هذا الشأن،

2- شجبها للخطاب المتطرف لبعض المحسوبين على الحركة الامازيغية، وهو خطاب رجعي يهدد وحدة النسيج الوطني ويتنكر لأسس قيام الدولة المغربية الحديثة،

3- رفضها الزج بالأمازيغية في الصراع السياسي والانتخابي وكذا محاولات البعض الربط بين الامازيغية والتطبيع مع الكيان الصهيوني،

4- تضامنها المطلق واللامشروط مع المواطنين المغاربة بسوس، ودعوتها لإعمال مستلزمات دولة الحق والقانون باعتبار الملف ذو بعد حقوقي قانوني وتنموي،

5- دعوتها الدولة بمختلف مؤسساتها التنفيذية والتشريعية التسريع بتفعيل الدستور لاسيما الفصل 5 منه،

6- مطالبتها باخراج المعهد الملكي من حالة الموت السريري، بتفعيل أدواره ودمقرطة تمثيليته والحد من الريع النضالي فيه،

7- استنكارها حرمانها من الوصل النهائي، وتعتبر ذلك شططا في استعمال السلطة.

الجمعة, 14 كانون1/ديسمبر 2018 11:13

ما خلفيات إعادة محاكمة حامي الدين؟

لماذا فتح قاضي التحقيق باستئنافية فاس قضية حامي الدين من جديد؟ هل ظهرت مستجدات بعد 25 سنة ؟ !  ألم تكن هذه المستجدات حاضرة لدى النيابة العامة حين قررت حفظ الشكاية، أو حين قرر قاضي التحقيق مؤخرا عدم فتح تحقيق جديد في التهم المنسوبة إلى حامي الدين؟

على أية معطيات استند قاضي التحقيق ليعيد متابعة حامي الدين على أفعال سبق للقضاء أن بت فيها بأحكام نهائية سلكت كل أطوار التقاضي واكتسبت قوة الشيء المقضي به، فضلا عن صدور قرار تحكيمي بشأنها من قبل هيئة الإنصاف والمصالحة يؤكد الشطط في اعتقال الدكتور عبد العالي حامي الدين؟ 

ألا يعارض ما أقدم عليه قاضي التحقيق الفصل 126 من الدستور، القاضي بمنع فتح ملف سبق أن صدرت في شأنه أحكام قضائية نهائية ملزمة للجميع، والمادة 4 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على سقوط الدعوى العمومية بصدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضي به؟ ألا تعنيه  المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تقول إنه لا يجوز تعريض أحد مجددا للمحاكمة على جريمة سبق أن أدين أو برئ منها بحكم نهائي؟

تلكم هي الأسئلة التي تجعل المتابع يُخرج القضية من حيزها القانوني إلى عمقها السياسي، ليتساءل: لماذا إعادة متابعة حامي الدين في هذا التوقيت؟

من خلال بعض الأخبار التي نفتها الأمانة العامة للبيجيدي يتبين أن الأيادي التي حركت القضية كانت تريد إعادة التوتر داخل الحزب وراهنت على خلق مواقف متضاربة تجاه الأطراف التي حركت ملف حامي الدين من جديد، وهذا لم يحصل لحد الساعة.

المسألة الثانية: إثارة القضية يشير إلى أن ثمة نية لإظهار البيجيدي في ثوب المناهض للمؤسسات لا سيما المؤسسة القضائية ولذلك قامت جمعية القضاة بالدعوة إلى ندوة صحفية للرد على القيادي المصطفى الرميد.

المستوى الثالث: إقحام الحكومة في شخص وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان في صراع مع المؤسسة القضائية، والسعي إلى إقحام الملك باعتباره المكلف دستوريا بالتحكيم بين المؤسسات، وإذا واكب ذلك حملة إعلامية يمكن أن تدان الحكومة التي يرأسها العدالة والتنمية من أعلى سلطة في البلاد ومن تم التشويش على العلاقة بين الملك والحكومة والتي طالما طبعها الرضا والتعاون والانسجام.

السيناريو الأخير: سعي القوى المعاكسة للمسار الإصلاحي الذي خطته المملكة إلى إحداث ضجة إعلامية بهدف التغطية على ملفات فساد كبيرة آخرها توجه إدريس جطو فتح تحقيق في تمويل البرنامج الاستعجالي والذي تجاوز 3 آلاف مليار سنتيم بلا جدوى استنادا على ما سمي تعليمات عليا، ثم الملف الثقيل الذي وصل إلى القضاء ويهم الأراضي التي حازها خازن المملكة نور الدين بنسودة باسم أبنائه الصغار.

د.محمد بالدوان
باحث في تاريخ نظريات التواصل والعلاقات الدولية وقضايا التراث وشؤون الحركات الاسلامية
أستاذ التاريخ والجغرافيا/ المغرب

قتل 3 جنود "إسرائيليين"، فيما أصيب آخر بجراح حرجة جدًّا، في عملية إطلاق نار برام الله. وقالت مصادر إعلامية عبرية، إن 3 جنود قتلوا وأصيب أخر حالته خطيرة جدا في عملية إطلاق نار قرب سلواد برام الله.

وذكر الجيش الصهيوني في بيان مقتضب له، أنه سمع دوي إطلاق نار قرب مستوطنة "جفعات أساف". وفي السياق ذاته، قال موقع "0404" العبري إن القوات "الإسرائيلية" هرعت إلى مستوطنة "جفعات أساف"، عقب سماع دوي إطلاق نار في المنطقة.

وذكر موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية (واي نت)، أن عملية إطلاق النار أسفرت بداية عن إصابة أربعة "إسرائيليين" بجراح خطيرة، قرب مستوطنة "جفعات أساف"، شرق مدينة البيرة. وأضافت الصحيفة العبرية، أن 3 "إسرائيليين" قُتلوا في عملية إطلاق النار فيما يتم تقديم العلاج لآخرين أُصيبا بجراح حرجة.

وقال إعلاميون صهاينة إن المنفذين تمكنوا من الانسحاب فيما تطاردهم قوات الاحتلال في هذه اللحظات. وحول تفاصيل العملية كشف إعلامي "إسرائيلي" أن العملية تمت من نقطة الصفر، حيث أن المنفذ ترجل من سيارته تجاه كبينة يتواجد بها الجيش، وأطلق النار عليهم من نقطة الصفر ورجع إلى سيارته وانسحب. ووصفت صحيفة معاريف العملية بأنها واحدة من أخطر العمليات التي وقعت في السنوات الأخيرة.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام - بتصرف

حدد الخبير التربوي الدكتور عبد الناصر ناجي في مقارنه له، أبرز الاختلافات بين الرؤية الاستراتيجية للتعليم 2015/2030 ومشروع القانون الإطار لإصلاح التعليم في ندوة علمية نظمتها حركة التوحيد والإصلاح بداية الأسبوع الحالي بمقرها بالرباط.

وفي مجال المنهاج أكد ناجي أن الاختلاف الأساسي بين الرؤية الاستراتيجية ومشروع القانون الإطار هو أن الرؤية الاستراتيجة لم تنص على لجان متعددة بل نصت على لجنة دائمة واحدة لسبب أساسي هو أن قضية المنهاج مهمة جدا بالنسبة لمنظومة التربية والتكوين.

وأوضح الخبير التربوي أنه عندما قام المجلس الأعلى بتقييم تطبيق الميثاق وقف على اختلالات على مستوى المنهاج يمكن إجمالها في عدم التنسيق أفقيا على مستوى كل المواد الدراسية في كل مستوى دراسي وعدم الانسجام العمودي بين نفس المادة الدراسية عندما ننتقل من سنة إلى سنة دراسية أخرى.

 وأضاف ناجي أن هذا الاختلال المنهجي في تناول المنهاج راجع إلى تعدد المقاربات في إنتاج المنهاج الدراسي وراجع أيضا إلى تعدد اللجان التي تقوم بإنتاج المناهج الدراسية لذلك أوصت الرؤية الاستراتيجية بأن تكون هناك لجنة دائمة واحدة وأكثر من ذلك أن تكون هذه اللجنة هيئة مستقلة بمعنى مستقلة عن الوزارة المعنية بالمنهاج أو بتنفيذ المنهاج بشرط أن يكون المنهاج بمنأى عن كل المزايدات السياسية.

وبين المتدخل أن الرؤية الاستراتيجية نصت كذلك على مقتضى أساسي وهو وضع إطار مرجعي وطني للمعارف والمهارات والكفايات الأساسية التي ينبغي اكتسابها من طرف المتعلم وهذا الإطار المرجعي الوطني هو الذي يحدد مضامين البرامج الدراسية لكن مع الأسف في مشروع القانون الإطار لم ينص على وضع هذا الإطار المرجعي.

ونصت كذلك الرؤية – يضيف ناجي _ على اعتماد منهاج مندمج يستند على المدرسة وركائزها ووظائفها ويقوم على تفاعل المعارف وتكامل التخصصات انطلاقا من نفس الهاجس الذي ذكرت بالنسبة لتعيين لجنة واحدة ووحيدة بالنسبة لبناء المناهج وهو هاجس الانسجام والاندماج والتنسيق بين البرامج الدراسية.

يذكر أن حركة التوحيد والإصلاح عقدت مساء يوم الإثنين 10 دجنبر 2018 ندوة علمية في موضوع :"قراءات في الإصلاح التربوي التعليمي المغربي"، بالمقر المركزي  الحركة بالرباط. وتأتي بعد اللقاء الصحفي التواصلي، لعرض مذكرتها حول رؤيتها لمشروع إصلاح التعليم، بمناسبة مناقشة القانون الإطار 51.17، بالمقر المركزي للحركة يوم الخميس 29 نونبر 2018.

الإصلاح

الأربعاء, 12 كانون1/ديسمبر 2018 13:00

الإنتربول يلغي ملاحقة الشيخ القرضاوي

ألغت منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول) الإشعارات المتعلقة بملاحقة العلامة د. يوسف القرضاوي، وحذفت كل الملفات والبيانات المتعلقة بقضيته.

وقد أوضحت الأمانة العامة للإنتربول في بيان أنها أزالت الإشعارات الحمراء المتعلقة بالقرضاوي في الثلاثين من نونبر الماضي.

وجاء في قرار المنظمة أنه بات بإمكان الشيخ القرضاوي السفر بحرية بعد إسقاط طلبي قبض من حكومتي مصر والعراق.

وعلل القرار هذه الخطوة بالقول إن طلب القبض على القرضاوي من أجل محاكمته يحمل بعدا سياسيا وغير منصف، وينتهك المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وكان القرضاوي اعترض عبر محاميه على وضعه بلوائح الإنتربول، وقال إن الخطوة ذات مغزى سياسي وتنتهك النظام الأساسي لجهاز الشرطة الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يُشار إلى أن السلطات المصرية بررت طلب القبض على القرضاوي "لضلوعه بالتخريب، وارتكاب عمليات إرهابية" في الفترة من يناير/كانون الثاني 2010 وفبراير/شباط الثاني 2011.

وحاكم القضاء المصري القرضاوي غيابيا وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، لكن الإنتربول توصّل إلى أن القضية ذات بعد سياسي محض وبلا أساس قانوني.

وجاء في قرار الإنتربول أن استمرار اعتقال بنت القرضاوي زوجها بالسجون المصرية يغذي المخاوف من كون الشيخ التسعيني سيتعرض لذات المعاملة التي يخضع لها الزوجان.

أما السلطات العراقية فتتهم الشيخ بالتحريض على الإرهاب من خلال حديثه على قناة الجزيرة، لكن الإنتربول وجد أن هذه التهمة غير ملموسة ولا يمكن إثباتها.

وجاء في القرار أيضا أن الطلب العراقي ينتهك النظام الأساسي للإنتربول، ويتعارض مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وتعليقا على القرار، قال د. القرضاوي للجزيرة نت "الحق دائما أقوى من الباطل، والظالمون انتصارهم مؤقت، والدول والأنظمة التي تسخر إمكاناتها لتشويه الشرفاء ستنكشف أمام العالم مهما طال الزمن".

المصدر: الجزيرة

استعرض محمد سالم بايشي، مفتش تربوي ورئيس اللجنة المكلفة بالتعليم داخل حركة التوحيد والإصلاح، خلال ندوة علمية نظمتها الحركة أمس الإثنين بمقرها بالرباط، أهم المراحل التي قطعها النظام التعليمي بالمغرب ولخصها في ثلاثة مراحل أساسية، المرحلة الأولى هي السعي إلى بناء نظام تعليمي مستقل و هي بعد الاستقلال إلى الثمانينات من القرن الماضي والثانية هي مبادرة الدولة بشكل انفرادي وبإرادة منفردة إلى الإصلاح عبر محطة أساسية يمكن أن نأخذ فيها نموذجا وهي التعليم الأساسي والمرحلة الثالثة هي المرحلة التي نحن فيها والتي بدأت مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1998 وعمرت إلى أن وصلنا إلى الرؤية الاستراتيجية.

السعي إلى بناء نظام تعليمي مستقل

وأوضح بايشى أن المرحلة الأولى يمكن أن نميز فيها بين ظرفين أساسيين الظرف الأول كان في البداية من 1956 إلى 1963 هذه الفترة كانت هناك نوع من التعبئة الوطنية لبناء مدرسة مغربية هناك حماس شديد لهذا البناء التربوي وهناك تساؤلات طرحت في النموذج الذي ينبغي أن نأخذ به وطبعا هناك اختلافات ونقاشات وصراعات لكن كان السعي الأساسي هو بناء منظومة تربوية.

وأضاف الخبير التربوي أن الظرفية الثانية من 1963 إلى بداية الثمانينات تقريبا كانت عبارة عن نوع من التنافس الفكري لكن يشوبه أيضا نوع من الصراع الإديولوجي بين بعض أطياف المجتمع والدولة آنذاك والتي عرفت أحيانا بالتشاورات وأحيانا بالتراجع عن هذا الإصلاح لكن أهم ما تمخض عنها  من خلال استقراء المناظرات آنذاك كالمعمورة وإفران فيما بعد، وأهم ما نستخلصه من هذه المرحلة وأهم إيجابياتها أن هناك اتفاق على مجموعة من المبادئ عادة ما نشير إليها بالمبادئ الأربعة. هذه المبادئ هي مبدأ التعميم ثم مبدأ المغربة والتوحيد والتعريب.

واشار بايشى هذه المبادئ لا تزال إلى يومنا هذا محط نقاش ولا تزال مرجعية بالنسبة للذين يتشبثون بها ويرون بأنها عصارة فكر واختيارات لجيل معين وينبغي ألا نحيد عنها ما لم تكن هناك ظروف تجعلنا نحيد  وبالتالي فإن الكثير مما في هذه المبادئ هل تحقق فعلا على أرض الواقع.

مبادرة الدولة في الإصلاح

واستطرد بايشى في مداخلته أن "المرحلة الثانية هي مرحلة مبادرة الدولة في الإصلاح من خلال وزارة التربية الوطنية التي اتخذت في بداية الثمانينات من القرن الماضي قرارا بإصلاح التعليم وكانت هناك موجة عالمية آنذاك وهي موجة التعليم الأساسي في المراحل الأولى وكذلك توصيات لمؤسسات دولية وبالتالي هذه الموجة لم يشهدها المغرب فقط وإنما شهدتها دول مختلفة، وهذا كان في ظل ما سمي آنذاك بالتقويم الهيكلي وأهم الظروف المرتبطة به وأهم النتائج التي كانت في هذا الإصلاح. والنتائج الاقتصادية التي كانت آنذاك هي شح الموارد والكثير من المقترحات كان الهدف منها هو ترشيد الموارد أو تقليصها أي تقليص كلفة التعليم إذا تقليص الموارد انعكس بشكل كبير على الخيارات التربوية".

"لكن للإنصاف"، يضيف بايشى، "يمكن أن نقول انه من الناحية البيداغوجية هناك الكثير من الأمور التي دخلت المنظومة التربوية المغربية ودخلتها في هذه الفترة، كمثال على ذلك تمت هيكلة أسلاك التعليم، وبصمات هذه الفترة لا زالت مؤثرة إلى يومنا هذا.. كذلك دخلت بيداغوجيا الأهداف وغيرت أشكال عمل الأساتذة، ودخلت مفاهيم جديدة كالتقويم والدعم حيث أنه في البيداغوجيات قبلا لم يكن هناك اهتمام أكبر بها وتنظير وتقعيد لها قبل هاته المرحلة أمثال أساتذة يعتمدون خبراتهم بينهم، لكن التركيز أساسا كان على المضامين".

"بعد هذا" - يواصل الخبير التربوي حديثه - "انتقلنا إلى البيداغوجية وكذلك كانت حركية تعريب المواد في الثانوي والإعدادي حيث كانت هذه الفترة بالنسبة للثانوي هي فترة ازدهارها بالنسبة للمنظومة التربوية المغربية وكان كذلك إنتاج الكتب المدرسية التي هي اليوم أحد التساؤلات الكبيرة بدايتها كانت في هذه الفترة، لأنه قبلا منها لم تكن لدينا هناك كتب مدرسية إلا نادرا في الثانوية أو غير ذلك لكن قبلا في الابتدائي والإعدادي على سبيل المثال لم تكن هناك كتب لوزارة التربية الوطنية، والذي كان هو الاستفادة من خبرة أساتذة ذاتيين كمثال المرحوم أحمد بوكماخ في الكتاب الذي ألفه للتعليم الابتدائي وكذلك بالنسبة للتعليم الإعدادي أو استغلال إنتاجات عربية في سوريا ولبنان وغيرها ولكن حينما بدأت وزارة التربية الوطنية في اعتماد لجان التأليف واصبح لأول مرة هناك دليل للأستاذ يحدد له الاتجاهات البيداغوجية العامة ثم كتب مدرسية بالنسبة للمتعلمين بدأت تظهر إنتاجات خاصة بالوزارة المعنية والاعتماد عليها".

مرحلة المحاولات التشاركية وسؤال التعليم الجديد

وأكد المفتش التربوي أن المرحلة الثالثة هي مرحلة المحاولات التشاركية وسؤال التعليم الجديد الذي كانت التقارير الدولية أثر في طرح هذا السؤال وشكلت لجنة أولى لإصلاح منظومة التربية والتكوين ولا يذكر كثيرا عملها لأنها ربما لم تنل الرضى وشكلت بعد ذلك لجنة أخرى لجنة ملكية للتربية والتكوين هذه اللجنة التي نتج عن عملها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وأهم ظروف هذه المرحلة هي سياسة الانفتاح الذي عرفها المغرب لذلك لا بد أن نشير إلى أن الظروف العامة والسياقات الدولية يكون له أثر كبير في الإصلاحات التي يشهدها النظام التربوي.

وبين بايشا أنه من المشاريع التي ميزت هذه المرحلة مشروعان أساسيان، المشروع الأول هو الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمشروع الثاني هو الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 لإصلاح التعليم التي خرجت تحت عنوان مدرسة الإنصاف

وأضاف رئيس اللجنة المكلفة بالتعليم داخل حركة التوحيد والإصلاح "ما ميز الميثاق الأساسي هو النفس التشاركي وكان فيه نوع من التوافق ومن شاركوا فيها اعتبروا أنها مرجع بالنسبة للإصلاح وضمت شقا مهما متعقلا بالثوابت الوطنية بالتركيز على القيم والدين الإسلامي واللغة العربية وقسمت إلى ست مجالات تجيب على سؤالين اساسيين ما الذي نريده وبماذا سنطبق ذلك. وإلى حدود سنة 2006 أصبح السؤال إلى أي حد بالفعل نستطيع تنفيذ الأمور التي تم تسطيرها وأن نلتزم بالآجال المسطرة  وهذا استدعى تدخل جهات الدولة وفي الأخير تم إخراج ما سمي بالمخطط الاستعجالي الذي هو محاولة لاستدراك الإصلاحات المتأخرة في ظرف زمني قليل، والسؤال لماذا لم تنزل وجوابه هو أنه من الناحية القانونية لم تكن ملزمة".

وختم بايشى مداخلته بالرؤية الاستراتجية التي تم اعتمادها والتي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين رغم التنازع الذي كان بين وزارة التربية الوطنية والمجلس والمنتظر– حسب بايشى – هو "أن نتحول من الإصلاحات الجدية بدل أن نبقى في الشكلية. لكن بقيت هناك محاولة تكييف ما سبق مع الرؤية الاستراتيجية من قبل الاوزارة ولا تعتمد على الرؤية إلا كمرجع" . وظهر مشروع القانون الإطار الذي طرحته الرؤية الاستراتيجة وهو موجود بالبرلمان ونتمنى أن يرى الوجود قريبا. رغم ان هناك تغيرات فجائية تؤثر على القطاع وعلى الإصلاح عبر قرارات وزارية تقطع التراكمات التي تم تحقيقها والهوة بين الجانب النظري والتطبيقي ونحتاج اليوم إلى قوة حقيقية لتنزيل الإصلاح".

يذكر أن حركة التوحيد والإصلاح قد عقدت مساء يوم الإثنين 10 دجنبر 2018 ندوة علمية في موضوع :"قراءات في الإصلاح التربوي التعليمي المغربي"، بالمقر المركزي  الحركة بالرباط، وتميزت الندوة بثلاث مداخلات تناولت المداخلة الأولى موضوع "محطات في تاريخ الإصلاح التربوي بالمغرب"  ألقاها الأستاذ محمد سالم بايشى؛ مفتش سابق في التعليم وخبير في التربية والتكوين.

الإصلاح

عقدت حركة التوحيد والإصلاح مساء اليوم الإثنين 10 دجنبر 2018 ندوة علمية في موضوع :"قراءات في الإصلاح التربوي التعليمي المغربي"، بالمقر المركزي  الحركة بالرباط.

DSCN5468

وتميزت الندوة بثلاث مداخلات تناولت المداخلة الأولى موضوع "محطات في تاريخ الإصلاح التربوي بالمغرب"  ألقاها الأستاذ محمد سالم بايشى؛ مفتش سابق في التعليم وخبير في التربية والتكوين.

DSCN5458

وتطرقت المداخلة الثانية إلى موضوع "الإصلاح التربوي بين الرؤية الإستراتيجية للتعليم ومشروع القانون الإظار لإصلاح التعليم" ألقاها الأستاذ عبد الناصر ناجي؛ الخبير التربوي والأستاذ المبرز بالمدرسة العليا للأساتذة.

DSCN5476

أما المداخلة الثالثة فاستعرض فيها المفكر الإسلامي والمتخصص في اللسانيات واللغة؛ الأستاذ المقرئ أبو زيد الإدريسي، موضوع "الهندسة اللغوية في الإصلاح التربوي بالمغرب".

DSCN5502

وعرفت  الندوة حضور الأستاذ عبد الرحيم شيخي؛ رئيس حركة التوحيد والإصلاح، ونائبه الدكتور أوس رمال وعدد من القيادات الوطنية والجهوية والمحلية، كما أشرف على تسيير الندوة الأستاذ رشيد العدوني ؛ عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح.

DSCN5485

DSCN5455

يذكر أن الندوة العلمية لحركة التوحيد والإصلاح تأتي بعد اللقاء الصحفي التواصلي، لعرض مذكرتها حول رؤيتها لمشروع إصلاح التعليم، بمناسبة مناقشة القانون الإطار 51.17، بالمقر المركزي للحركة يوم الخميس 29 نونبر 2018.

الإصلاح