الخميس, 21 حزيران/يونيو 2018 11:00

مستقبل قطاع غزة.. رؤية استشرافية

السؤال الأكثر تداولاً بين الجماهير الفلسطينية، قطاع غزة إلى أين..؟ وهو سؤال جوهري ومهم في ظل الاهتمام العالمي المفاجئ بالمسألة الغزية، وكأن الحصار فرض على القطاع قبل أيام فقط، ولم يكن مفروضاً على القطاع منذ اثني عشر عاماً.

تغليف القضية الفلسطينية ببعد إنساني وفقط هو مكمن الخطورة، رغم أن الواقع الإنساني بالغ الصعوبة، وهو ما رصدته أربع مؤسسات أممية، إلا أن الأزمة الإنسانية في قطاع غزة والتي جاءت كنتيجة للحصار هي من صنيعة الاحتلال بالدرجة الأولى، وهو المسئول عنها، فصراعنا مع المحتل ليس على راتب، أو معبر، أو إدخال بضائع، وفقط، بل هو صراع على الأرض والعرض والمقدسات والحقوق المكفولة بالقانون الدولي وبقرارات الشرعية الدولية.

وللبحث في استشراف المستقبل السياسي لقطاع غزة نحن بحاجة إلى تفكيك وإعادة تركيب للمشهد على النحو التالي:

المشهد الأول: تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتريس بنشوب حرب على غزة.

المشهد الثاني: تحذير مفوض الأونروا بأن وكالة الغوث قد لا تفتتح العام الدراسي الجديد، وتوقف صرف رواتب موظفيها بسبب الأزمة المالية الخانقة.

المشهد الثالث: حراك دبلوماسي نشط يقوده مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف، وحراك موازٍ يقوده مبعوثو ترمب للشرق الأوسط كوشنير وغرنبلات لجلب تمويل خليجي يقدر بمليار دولار لمشاريع إنسانية تخدم قطاع غزة وتقام في سيناء.

المشهد الرابع: تشديد الحصار على غزة عبر الإصرار على العقوبات من طرف الرئيس محمود عباس، وعدم تحرك العالم لإنقاذ قطاع غزة، والاكتفاء بالتصريحات فقط.

المشهد الخامس: استمرار مسيرات العودة وكسر الحصار.

المشهد السادس: جولات من القصف والقصف المتبادل بين المقاومة و(إسرائيل).

وفقاً للمشاهد السابقة والتي من خلالها نستطيع استشراف جزئي لمستقبل قطاع غزة من الناحية السياسية فإن ملامح المرحلة المقبلة تؤكد أن غزة تتعرض لمرحلة من التدجين عبر تشديد كافة حلقات الحصار ومن كل الاتجاهات وبكل الوسائل بما فيها العصا (الحرب) لتشكيل رأي عام قابل للتعاطي مع صفقة القرن من خلال سلسلة مشاريع إنسانية يتم تمريرها بعد مرحلة من الجوع والعطش تعرض لها قطاع غزة، حيث ستحل تلك المشاريع مكان الأونروا تدريجياً، وبذلك تذوب قضية اللاجئين مقابل تحسين مؤقت لواقع الحياة في قطاع غزة. وبذلك يكون ترمب قد حقق المرحلة الثانية والثالثة من صفقة القرن بعد الانتهاء من ملف القدس ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهي إنهاء ملف الأونروا كمقدمة لإنهاء حق العودة، وإقامة دولة غزة عبر فصلها عن الضفة الغربية. ثم تبدأ مرحلة تصفية الضفة الغربية، وبذلك تطبيق كامل لصفقة القرن والإعلان عن انتهاء المشروع الوطني الفلسطيني من وجهة نظر الولايات المتحدة، والاحتلال الصهيوني، ومن يدور في فلكهم.

ومن أجل مواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، فلابد من خطوات عملية لمواجهة صفقة القرن من خلال خمس خطوات:

1. توفير دعم دولي ثابت للأونروا لضمان بقائها وديمومتها واستمراريتها في تقديم الخدمات.

2. إنهاء العقوبات الظالمة على قطاع غزة من طرف الرئيس محمود عباس فالعلاقة طردية بين تمرير صفقة القرن والحصار، فكلما زاد الحصار زادت فرص تدجين الشارع الفلسطيني لدفعه للقبول والتعاطي مع الصفقة، وصولاً لإنهاء الانقسام وتبني استراتيجية وطنية قادرة على إنقاذ المشروع الوطني.

3. المواجهة بالصدمة، أي مطلوب مواجهة صفقة القرن بطرق لا يتوقعها أحد من خلال تفعيل المقاومة وتسخين كافة الجبهات بالداخل والخارج.

4. تحفيز الجماهير والدول على دعم فلسطين ماليا وسياسيا وإعلامياً مقابل خطة فلسطينية للتقشف لإدارة المرحلة المقبلة على قاعدة مواجهة صفقة القرن.

5. ضرورة التفكير في سبل إدارة المشاريع الإنسانية الموجهة لقطاع غزة على قاعدة تحويل التهديد لفرصة.

المصدر: فلسطين أون لاين

الخميس, 14 حزيران/يونيو 2018 11:41

!ما بعد رمضان

عشنا مع شهر الخير والمكرومات أجواء إيمانية ربانية رائعة تغذت فيها الأرواح بما تيسر لها من السمو والرقي والتجرد، ولا شك في حصول التفاوت بين خريجي مدرسة الصيام، فيما نالوه من وحدات تهم الإخلاص والإيمان والتقوى، وتهم الصلاة بفرائضها ونوافلها وقيامها وتهجدها، وتهم عبادة الصيام في حد ذاتها، وتهم الإنفاق والزكاة حيث ختمت عبادة الصيام بزكاة الفطر التي عمت المكلفين وغيرهم، وهمت انتعاش العمرة في رمضان، وهمت جوانب الأخلاق من صبر وحبس النفس عن اللغو والرفث وشهادة الزور، وهمت العناية بكتاب الله، وإعمار بيوت الله.

ومن سنة الله في الفرائض التي فرضها على عباده أن أحاطها بسياج من السنن والنوافل، فعبادة الصيام لا تنحصر في شهر رمضان، ولا في أنواع الصيام المفروض بالنذر أو الكفارات، وإنما هناك صيام التطوع الخاص بالأسبوع وآخر يخص الشهر وثالث يخص مناسبات سنوية.

ومن المناسبات الأسبوعية صيام يومي الاثنين والخميس، وذلك لحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخَميس، فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائِم رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وإذا زاد حماس العبد فيمكنه صيامُ يوم وفطر يوم، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لابن عمر: وصُم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصِّيام، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، فقال: لا أفضلَ من ذلك متفق عليه.

ومن المناسبات الشهرية صيام ثلاثة أيام من كل شهر لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صومُ ثلاثة أيام من كل شهر، صوم الدهر كله متفقٌ عليه. وفي حديث أبي ذر يحدد هذه الأيام بأنها الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.

وأما المناسبات السنوية فتبدأ مباشرة بعد شهر رمضان، أي صيام ستة أيام من شوال لحديث رَسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر رواه مسلم. وصيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة لِحديث حفصة: أربعٌ لم يكن يَدعهن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء، والعشر - أي من ذي الحجة - وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة. رواه أحمد والنسائي.

وصيامُ يوم عرفة لغير الواقف بعرفة بالحديث: صوم يوم عَرفة يكفِّر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفِّر سَنة ماضية، رواه الجماعة إلّا البخاري. وصيام شهر المحرم، وذلك لحديث أبي هريرة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاةُ في جَوف الليل ، قيل: ثم أي الصِّيام أفضل بعد رمضان؟ قال: شهر الله الذي تَدعونه المحرَّم رواه أحمد ومسلم وأبو داود. و صيام عاشوراء وهو اليوم العاشر من المحرم بالحديث: إن هَذا يوم عاشوراء، ولم يُكتب عليكم صيامُه، وأنا صائم، فمن شاء صام ومن شاء فليفطر متفق عليه.

ويُسنّ للمسلم صيامُ يوم قبله ويوم بعده أو أحدهما مخالفة لليهود، ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيتُ إلى قابل - العام المقبل - لأصومنَّ التاسِع - أي مع العاشر رواه مسلم.

ومن السنن الصيام في الأشهر الحرم، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ من باهلة: ... صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك .. رواه أبو داود، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، ورَجب.

ومن ذلك صيام أكثر شعبان، لحديث عائشة: ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم استكملَ صيام شهرٍ قط إلّا شهر رمضان، وما رأيتُه في شهر أكثرَ منه صياماً في شَعبان. رواه البخاري

محمد بولوز

الأربعاء, 13 حزيران/يونيو 2018 13:05

مراقبة هلال شوال يوم الخميس 14 يونيو 2018

أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن مراقبة هلال شهر شوال ستكون بعد مغرب يوم غد الخميس 29 رمضان المعظم 1439 هـ موافق 14 يونيو 2018م.

وأهاب بلاغ منشور في موقع وزارة الأوقاف بأصحاب الفضيلة السادة القضاة ومندوبي الشؤون الإسلامية بالمملكة إخبارها بثبوت رؤية الهلال أو عدم ثبوت رؤيته.

الإصلاح

الإثنين, 11 حزيران/يونيو 2018 15:13

رمضان شهر الإنتصارات.. (6) معركة عين جالوت

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم معركة عين جالوت.

في 25 رمضان 658هـ خرج سلطان مصر سيف الدين قطز من مصر على رأس الجيوش المصرية وذلك لملاقاة جيش المغول الرهيب في معركة عين جالوت و انتصر فيها المسلمون انتصاراً ساحقاً و أدت المعركة لانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائياً وإيقاف المد المغولي.

وقعت في 3 شتنبر 1260 م، تعد من أهم المعارك الفاصلة في تاريخ العالم الإسلامي. انتصر فيها المصريون انتصارا ساحقا على المغول وكانت هذه هي المرة الأولى التي يهزم فيها المغول في معركة حاسمة منذ عهد جنكيز خان. أدت المعركة لانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائيا وإيقاف المد المغولي المكتسح الذي أسقط الخلافة العباسية سنة 656 هـ // 1258م. كما وأدت المعركة لتعزيز موقع دولة المماليك من مصر كأقوى دولة إسلامية في ذاك الوقت لمدة قرنين من الزمان أي إلى أن قامت الدولة العثمانية. وقعت المعركة في منطقة تسمى عين جالوت بين مدينة جنين والناصرة و بيسان، في شمال فلسطين خارج الحدود المصرية.

 
  • تعد معركة عين جالوت من المعارك المفصلية في التاريخ الإسلامي والتي وقعت عام 1260، والتي من خلالها تم القضاء على أسطورة جيش التتار الذي عاث في الأرض فسادًا، وقتل من المسلمين ومن غير المسلمين ما قتل.
  • كان قائد معركة عين جالوت سيف الدين قطز الذي وحد المماليك والعرب تحت راية واحدة من أجل صد الزحف التتري، وإيقاف شلالات الدم التي تسبب بها المغول في كل أرجاء الأرض.
  • كان للحنكة العسكرية وقوة الشخصية والذكاء السياسي لسيف الدين قطز دورًا بارزًا مهّد للانتصار في هذه المعركة، ولم يكتف المسلمون بصد الهجوم التتري وحسب، بل تتبعوا فلول التتار.
  • كان من العوامل الهامة في النصر في معركة عين جالوت وجود الظاهر بيبرس إلى جانب سيف الدين قطز.
  • كان التتار يعتمدون على إثارة الرعب في نفوس الناس، وعلى عنصر عدم التوقع من خلال شن هجومات بأعداد كبيرة، وكانوا يقضون على كل شيء، فلا يسلم منهم البشر، أو الشجر، أو الحجر، ولا يفرقون بين رجل، أو امرأة، أو شيخ، أو طفل.
  • كانت هزيمة التتار في هذه المعركة المفصلية في عهد هولاكو بن طولوي بن جنكيز خان الذي أحدث المجزرة الشهيرة في مدينة بغداد عام 1258، والتي قتل فيها الخليفة المعتصم بالله، والتي بها تم القضاء على الخلافة العباسية بشكل نهائي.

الدروس المستفادة من معركة عين جالوت

هناك العديد من الدروس التي يمكن أن تؤخذ من هذه المعركة الفاصلة في التاريخ الإسلامي وهي:

  • المسلمون لا ينتصرون بعدد أو عدة: وهذا ما يحدث في معظم معارك المسلمين، فهم يعتمدون على التوكل على الله، مع الأخذ بكامل أسباب النصر المادية، ويأتي بعد ذلك النصر المبين من الله تعالى.
  • في الإتحاد قوة: عمل سيف الدين قطز على توحيد العرب والمماليك من أجل حشد قوة أكبر يتمكن بها من مواجهة الزحف التتري على ديار المسلمين.
  • بعد العسر يأتي اليسر والنصر: كان التتار قبل معركة عين جالوت قد عاثوا في الأرض فسادًا، وقضوا على الخلافة الإسلامية، ثم بعد ذلك قام قطز بتوحيد العرب والمماليك تحت راية واحدة، وقضوا على التتار الذي كانوا يشكلون مصدرًا للذعر والموت لكل إنسان عايشهم.

الإصلاح

السبت, 09 حزيران/يونيو 2018 11:03

هذه بعض عادات المغاربة في ليلة القدر

عرف المغاربة على مر العصور بتقديس رمضان وقد تجد الواحد منهم تاركا للصلاة ولكنه يخشى أن يتهم بالإفطار في رمضان ولو كان مريضا او شيخا عاجزا عن صيام ولو نصف يوم ولا يقبل غالبيتهم بالأخذ بالأخص ، ولا يستسيغون قاعدة " الرخص" أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه. ويردون على كل مستشهد بقولهم " وأن تصوموا خيرا لكم" .

وقدسية هذا الشهر تأتي بمخالفة الشرع والتنطع والغلو في الدين حيث العديد من النساء الحيض يمتنعن عن ما أباح الله لهن من رخصة ويخفن من أبنائهن ويتحرجن في الأكل أمامهم ويعتبرن هذا الفعل معيبا " حشومة" وهكذا نسجت الثقافة الشعبية تصورا مخالفا للشرع في غالبه. وما تحقق في السنوات الأخيرة لاسيما بعد موجة الصحوة المباركة متقدم نحو خط السنة النبوية . وقد أثمرت جهود العلماء وجمعيات المجتمع المدني في إحياء الدين وتحديثه وإعادة روحه وبريقه وتألقه.

وبالنسبة لليلة القدر فجل المغاربة يحتفلون بها  محافظين على عادات آباءهم وأجدادهم حيث يشترون في مناطق " الفاكهة" وهي خليط من اللوز " والكركاع" والفنيذ ، والحمص، والشريحة " التين" ويصنعون الكسكس ويحرصون على شراء البيبي " الديك الرومي أو الدجاج البلدي ويحملون الطعام للمساجد متيقنين من البركة وحصول الأجر مع كل حبة ألف حسنة وهذا معتقدهم. كما تتزين المساجد وتنظف وتطلق فيها الأبخرة وتعطر. ويلبس الأطفال اللباس التقليدي الأبيض وتستعمل الإناث الحناء ويأخذن الصور لتاريخ المناسبة . ويكون الحرص أشد الحرص على قيام الليلة وإحيائها وعدم مغادرة المساجد. وتحتفي مناطق بمدح رسول الله وقراءة البردة والإكثار من الدعاء. وفئة ثانية تعتبر كل هذا من الخرافات والتخلف تنزوي إلى المقاهي وتقضي الليلة بعيدا عن ما تعتبره مكبلا للعقل وسببا من أسباب تخلف الأمة ولا تنظر له بمنظار الوحي ولا الأجر المحصل في الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن وخاطب فيها الباري عبيده وأغذق عليهم من نعمه. فكان غار  حراء بداية ثورة على الصنمية وعبادة الأوثان والعباد ، وإقرار العبودية والعبدية لله الواحد القهار. ليلة خير من ألف شهر تتنزل فيها الملائكة تشارك المؤمنين فرحتهم وطمعهم في المغفرة والرحمة والعتق  من النار.

وفئة ثالثة من المغاربة تعيش الضلال وتتمسك بحبل الشيطان تجعل من ليلة القدر ليلة للسحر والشعوذة تعلن طقوس الطاعة للكهنة والعرافين " الشواف والشوافة" وتطلق بخورا عفنا يزكم الأنف.

وشنيع أعمال هؤلاء أنهم يصابون بهوس ووساوس قهرية ويصبحون سجناء صنيعهم المنكر .بل منهم من يطلب منها العراف (ة) أن تأتي بماء الرجل حتى يرجع كالحمار لا يعني لها أمرا. ويحجون إلى المقابر لدفن تمائمهم ( الهمزة فوق الياء جمع تميمة) وهم ينسون قول الحبيب "من اتى عرافا فسأله وصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد" أو كما قال وفي رواية لا تقبل صلاته اربعين ليلة .إنها انحرافات مؤلمة تحتاج من الدعاة والوعاظ والخطباء والإعلام والمفكرين التنبيه إليها وتحذير المغاربة من مالاتها وخطورتها على المجتمع

وفئة أخرى تحيي هذه الليلة في الزوايا مرددة اذكار ابدع فيها شيوخ هذه الطرق واعتبروها وسائل للتقرب من الله وتزكية النفس  ويصل بهم الوجد و" الحضرة " بترداد ال " هو" إلى السقوط صرعى وهم بذلك يخالفون توجيهات خير الأنام في إحياء الليلة بالصلاة وقراءة القرآن وصلة الرحم وكثرة الدعاء وغيرها من أعمال البر والطاعات .

والمثير انه بعد ليلة القدر تلحظ فراغ المسجد من بعض روادها لاعتقادهم أنهم اصابوا ليلة القدر وحصلوا على الخير والأجر الكثير وبالرغم من تنبيههم أنها في العشر والوتر لا يهتمون وينطلقون إلى ماربهم وأعمالهم وكأن رمضان انتهى لإحياء ليلة السابع والعشرين.

إن في هذه الليلة من النعم والخير ما لا يعد ولا يحصى ورمضان أجره تكفل به الله ولا نعرف مقداره " الا الصوم فإنه لي وانا أجزي به " فما على العبد الا تحري ليلة القدر والاجتهاد في إحيائها بإتباع سنة المصطفى عليه السلآم وما ثبت عن السلف الصالح من هذه الامة، اللهم لا تحرمنا أجرها واعنا على إحيائها بما يرضيك وتقبل منا صالح الاعمال.

عبد الرحيم مفكير

السبت, 09 حزيران/يونيو 2018 10:30

ليلة القدر.. الدلالات والعبر والمقاصد

تميزت ليلة القدر في دين الإسلام بمزية خاصة على سائر ليالي رمضان المعظم، حيث ندب الدين الحرص عليها طمعا في إدراكها لما يكون معها وفيها من الخير والفضل.

ويعود سبب تسميتها بهذا الاسم القرآني عند العلماء إلى عدة معان تشملها وتنبه من خلال التسمية عليها.

ليلة القدر: سبب التسمية

أ - التعظيم: فهي ليلة معظمة ذات شأن وقدر كبير وعال، مصداقا لقوله تعالى:" وما قدروا الله حق قدره"(الزمر:67). قال الإمام الشوكاني:" والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من نزول الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر"(نيل الأوطار:4/276).

فجاءت عظمتها مما كان فيها. ومما كان فيها:

نزول القرآن الكريم في ليلتها.

نزول الملائكة.

ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة.

الذي يحييها يصير ذا قدر.

فتحصل بمجموع هذه الأمور الأربعة عظمة هذه الليلة.

ب - التضييق: ومعنى التضييق في المراد منها: إخفاء العلم بها، وستر تعيينها، فضاق على الخلق الإحاطة بعلم وقتها تحديدا(الفتح:ابن حجر:4/300-301). ويشهد لمعنى القَدَرِ: التضييقُ، قوله تعالى: ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله(الطلاق:7).

ج - القَدَر: الذي هو سَمِيُّ القضاء عند الذكر. أما القَدَر فهو علم الله بما كان؛ وما هو كائن؛ وما سيكون. وأما القضاء: فهو قدرة الله على إنجاز قَدَرِه. فالقدر له تعلق بصفة العلم، والقضاء له تعلق بصفة القدرة. فما قَدَّره الله تعالى بعلمه في الأزل فهي أقداره في الخلق. وما أُنجز من قَدَر الله تعالى في حياة الناس؛ فهي قدرته على إنجاز أقداره.

والمقصود منه أن الله تعالى يقدِّر في هذه الليلة ما يكون من مقادير الخلق في تلك السنة. فليلة القدر ليلة تقسيم مقادير الناس عليهم بعلمه الذي وسع كل شيء. وفي هذا المفهوم يقول الإمام النووي: "قال العلماء: وسميت ليلة القدر لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار والآجال التي تكون في تلك السنة، كقوله تعالى:" إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فيها يفرق كل أمر حكيم"(الدخان:3-4) وقوله تعالى: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"(القدر:4). ومعناه: يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره"(شرح صحيح مسلم: النووي:8/ص57).

ليلة القدر : المقاصد والعبر

لليلة القدر من المقاصد والعبر والدلالات ما يجعلها تبقى على مر السنين والأجيال مفتوحة على القراءات المتجددة فيها. ينهل المسلمون من معينها لتجديد العهد وإحياء الصلة بهدي الوحي ومشكاة النبوة. وسنقف في هذه القراءة عند بعض عبرها ومقاصده مما نعتقده ذا قدر كبير وشرف سامق، للباحثين عن المعالي، العاشقين لكل رفعة وسمو. ومن هذه المقاصد ما يلي:

ليلة القدر : ليلة القرآن الكريم

إن أيام الله واحدة، ولكن بعضها يحوز الشرف بسبب عمل صالح للإسلام وقع فيها، أو خير عميم للناس حصلوا عليه في ذلك اليوم أو قاموا به. وهذه الأيام الفاضلة هي التي تعد من أيام الله الواجب التذكير بها وتذكرها والحديث عنها والاستبشار بها، لقوله تعالى:" وذكرهم بأيام الله"(إبراهيم:07)، وهي من النعم التي ينبغي التحدث بها، لقوله تعالى:" وأما بنعمة ربك فحدث"(الضحى:11).

ولقد شرفت هذه الليلة وحازت عظيم الشرف بنزول كلام الله تعالى إلى البشرية، وتلك نعمة من أعظم النعم على العالمين. هذا الكلام الرباني الذي حازت به الليلة الشرف والمقام العلي، إنما كان بسبب خمسة أمور عظيمة، وهي:

أنه كلام الله تعالى الذي استقبلته البشرية بعد ضلال وجاهلية.

أن هذا الكلام أرسله تعالى مع أفضل من يوجد في السماء وهو جبريل عليه السلام:" نزل به الروح الأمين"(الشعراء:193).

أن هذا الكلام أرسله الله تعالى مع أفضل من يوجد على الأرض من الخلق، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

أن الله تعالى أرسل كلامه في خير أشهر السنون، وهو رمضان.

أن الله تعالى اختار من هذا الشهر الكريم أفضل أيامه ولياليه، وهي ليلة القدر. فهي إذن ليلة القدر والشرف والمنزلة العالية بنزول القرآن الكريم الذي اجتمعت حوله هذه المؤيدات العظيمة الخمسة السالفة. فكان شرفها بما نزل فيها، ولهذا عرف الله تعالى رمضان بالشرف الذي نزل فيه فقال:" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"(البقرة:185). فمن أراد أن يحصل شرف ليلة القدر فليكن سبيله إليه الذي شرفت به. فكما شرفت ليلة القدر بالقرآن الكريم، فإن كل شخص أو جماعة أو أمة بإمكانها نيل الشرف والمنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة بهذا القرآن العظيم.

ليلة القدر: ليلة الملائكة

ويحق لنا أن نعتز بهذه الليلة وأن نحتفل بها لنزول ملائكة الرحمان فيها، إنهم ينزلون إلى الأرض ومعهم سيدهم جبريل عليه السلام، أمين كلام الله تعالى إلى خلقه. وإنها لنعمة كبيرة أن يحضر المسلم اجتماعا يضم الصالحين والعابدين الأطهار ويكون معهم. فهذه الليلة تشهد نزولهم جميعا كي يكونوا مع المسلمين الموحدين، ويحضرون تسبيحهم وصلاتهم وقيامهم وذكرهم لربهم، قال تعالى:" تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"(القدر:4). هذا الاحتفال المهيب الذي تضيق الأرض بهم، لا ينبغي أن يعزب عن البال فضله وقدره، كما لا ينبغي أن يشوش عليه بما يعكره من البذاذة والتشعث وسوء الخلق، لكونه مشهود.

ليلة القدر: ليلة إني أعلم ما لا تعلمون

إن نزول الملائكة في هذه الليلة المباركة من الأدلة البارزة على صدق علم الله تعالى العليم الحكيم، وعلى عدم سداد قول الملائكة في الانسان حين اعترضت على خلقه بعلتين اثنتين، هما:

1 - الإفساد في الأرض: أتجعل فيها من يفسد فيها"(البقرة:29).

2 - سفك الدماء:" ويسفك الدماء"(البقرة:29). فكان إنزالها بأمر الله تعالى كي تعلم أن لله عبيدا يسبحون ويقدسون ويهللون ويمجدون ويذكرون ويدعون، ويحيون ليلتهم في الصلاة والمناجاة والتهجد، فيستيقنوا في الأرض كما استيقنوا في السماء قوله تعالى لهم:" إني أعلم ما لا تعلمون"(البقرة:29).

ليلة القدر: ليلة البعد عن التلاحي

ولا يعني بحال أن التلاحي جائز في غير هذه الليلة، وإنما المقصود أن هذه الليلة المباركة العظيمة، لا يحسن ولا يليق جعلها للتلاحي والمخاصمة، فإن الوزر فيها أفحش من غيرها، وكفى إثما وفسادا أن يكون الخصام سببا في رفع بركة معرفتها. ولذلك بوب الامام البخاري في صحيحه في كتاب ليلة القدر على أن الخصام سبب في رفع العلم، فقال: باب رفع ليلة القدر لتلاحي الناس، ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يُخْبِر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين(أي تخاصما)، فقال:" إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فَرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس"(صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر). وفي رواية الشيخين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يا أيها الناس، إنها كانت أُبِينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأُخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان، معهما الشيطان فنسيتها".

ومعنى يحتقان: أن كل واحد منهما جاء يطلب حقه وأنه هم المحق. إنها ليلة صافية لا تقبل تلويثها بمنكرات الأعمال والأقوال، ليلة صافية النهار لا شعاع فيها ولا تكدر كما جاء في الخبر، فعن زر، قال: قلت لأُبَي، أخبرني عن ليلة القدر، فإن عبد الله، يقول: من يقم الحول يصبها. قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن إنه ليعلم أنها في رمضان ولكن عَمَّى على الناس حتى لا يتكلوا، والله إنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: أبا المنذر، أَنَّى علمت ذلك؟ قال: بالآية التي أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعددنا وحفظنا أنَّهَا لَهِيَ. قال عاصم: قلت لزر: ما تلك الآية؟ قال: طلوع الشمس بيضاء كالطست ليس لها شعاع حتى ترتفع. قال: فرمقتها مرارا كذلك"(المعجم الكبير للطبراني).

وقد استفاد ابن العربي المعافري من هذا الحديث النبوي علة ذلك فقال:" ثم أنبأ عنها(أي أنبأ رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ليلة القدر) بعلامة وهي طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة"(أحكام القرآن: ابن العربي:4/ص434). فلتكن هذه الليلة ليلة صفاء القلوب من كل الأمراض: كالكبر والحقد والحسد والعجب والغيبة .الخ. فإن في صفاء هذه الليلة بالبعد عن التلاحي وما جاوره من الموبقات تدريب للمسلم على أن يكون هذا خلقه في باقي أيام السنة. فمثل هذه الأخلاق السنية هي الأولى أن تكون رفيق عمر الانسان. وإنها ليلة الوجوب المؤكد أن يمحو المسلم ما في الصدر من غل، وما في النفس من موجدة على الناس. وأن يقابل صفاء يومها بصفاء القلوب مع بعضها، وليسبق صفاء يومها صفاء المؤمنين في ليلتها.

ليلة القدر: ليلة الاستدراك

وقد جعل الله عز وجل للخلق محطات استدراكية لمن فاته خير أو ضيع خيرا، فجعل هذه الليلة من أعظم الدورات الاستدراكية لمن أراد الصلاح ونيل الأجر عميما. فمن كان حصل له في عبادته لربه نقص وضعف وتفريط خلال ما مضى من سنته أو عمره، فهذه ليلة القدر منحة إلهية وعطية ربانية له أن يستدرك الذي فاته. ومَنْ مِنَ الخلق يزعم الكمال في عبادته لربه؟ ومَنْ مِنَ العابدين لم يحصل في طريقه تشويش وفتور أو ضعف عن القيام بحق الشكر؟ من أدرك ليلة القدر وأحياها وقامها كان أجره فيها كأجر العامل ألف شهر في الطاعة(أي ما يعادل83سنة و4أشهر)، بل أفضل من العامل في هذه المدة، قال تعالى:" ليلة القدر خير من ألف شهر".

إن المسلم السالك إلى الله تعالى قد يذنب في حقه ويسرف بالمعاصي على نفسه، وقد يطول الإسراف والولوغ في الذنوب ومبارزة المولى بالقبائح، فإذا أراد الأوبة والعودة إلى الرشد فإنه واجدٌ أمامه الأيام الفاضلة مجالا لتعويض النقص وسداد الثغرات. وإن في ليلة القدر من البركات لتعويض الليالي الضائعة والأيام الخالية ما يعجز عن الإحاطة "وما أدراك". وهذه الليلة باب من أبواب رحمة الله بعباده.

ليلة القدر: ليلة الوتر من العشر الأواخر

إن ليلة القدر هي الليلة التي تكون في الوتر من العشر الأواخر من رمضان: في الواحد والعشرين؛ أو الثالث والعشرين؛ أو الخامس والعشرين؛ أو السابع والعشرين؛ أو التاسع والعشرين. ولقد أخفيت في الوتر من العشر الأواخر حتى لا يحصل الفتور عند التعيين، بحيث يكون الاجتهاد في التي عينت أكبر منه في الليالي التي لم تعين، وقد تتعرض باقي الأيام للإهمال. وهذا ملحظ بعض الصحابة، حتى ذهب البعض منهم أنها في العام كله، ففي صحيح مسلم أن زر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يَقُمْ الحول يصب ليلة القدر، فقال: رحمه الله، أراد أن لا يتكل الناس .."الحديث.

ليلة القدر: ليلة السابع والعشرين

ولقد اتجهت إرادة الأمة إلى ليلة السابع والعشرين، فاجتمعت قلوبها وممارستها عند هذه الليلة. وإن إرادتها واجتماع قلوبها لمن الأدلة التي ترجح أنها السابع والعشرين. ولهذا أقسم عليها أبي بن كعب رضي الله عنه كما في الصحيح، حيث قال:" والله إني لأعلمها يحلف ولا يستثني ، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين"(صحيح مسلم: كتاب الصيام: باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها)

هذا الإجماع القلبي والعملي من المسلمين عبر الزمان والأمكنة، والذي انضاف إليه مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وعلماء الاسلام، يجعل الليلة راجحة في السابع والعشرين، لقوله تعالى:" ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى"(النساء:114)، وقوله صلى الله عليه وسلم:" ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"(رواه الإمام أحمد)، وقوله:" لا تجتمع أمتي على ضلالة"(رواه الترمذي).

وهذه القرائن هي التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى القول فيما صح عن ابن عمر أنه قال:" إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد توطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر"(رواه البخاري ومسلم). فهذه الإجماع من الأمة مع تواطأ رؤيا الصحابة وتشوف نفوس الأجيال إلى هذه الليلة من مرجحات القول أنها ليلة السابع والعشرين.

أحمد كافي

 سيرا على عادتها الحميدة التي سنتها وككل سنة من شهر رمضان الكريم، نظمت الإدارة المركزية لحركة التوحيد والإصلاح إفطارا جماعيا تواصليا على شرف جيرانها بمقرها بحي المحيط.

الإفطار عرف كلمة تربوية بمناسبة هذا الشهر الفضيل وفضل تقوى الله والمسارعة في الطاعات خلال شهر رمضان كمحطة من المحطات التعبدية وما بعد رمضان، كما عرف اللقاء التواصلي إطلاق عدد من الأناشيد الرمضانية والقراءات القرآنية.

وشهد الإفطار الذي دأبت الإدارة المركزية لحركة التوحيد والإصلاح على تنظيمها حضور أعضاء ومتعاطفي الحركة بالرباط وعددا من جيران المقر المركزي من مختلف الفئات العمرية شبابا وشيوخا ونساء ورجال.

الإصلاح

الخميس, 07 حزيران/يونيو 2018 11:32

الأمة بين رمضان والقرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين،

أحمد الله أن جمعني بهذه الوجوه الخيرة في هذا اليوم المبارك وفي هذا المكان المبارك وأسأل الله أن يجعلنا من المتحابين فيه والمتجالسين فيه الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

لا يخفى عليكم في هذا اليوم من الفضل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مطرقة مسيخة من طلوع فجره إلى طلوع شمسه تنتظر الساعة إلا الإنس والجن، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائما يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها)، هذا اليوم العظيم الذي خلق فيه الله أبانا آدم عليه السلام وأهبطه إلى هذه الأرض إيذانا باستخلاف هذا الجنس البشري في هذه الأرض، خص الله به هذه الأمة من بين الأمم، فقد كان مطلوبا لكل الأمم لكن الله هدى إليه المسلمين وأضل عنه الأمتين السابقتين فلذلك الناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد، كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا هذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له، والناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد )، فيه هذه الساعة المباركة التي هي موسم إجابة لا يسأل الله سبحانه وتعالى أي عبد من عباده في حاجة إلا أعطاه إياها، وقد ثبت في الموطأ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن عبد الهل بن سلام رضي الله عنه أنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فلذلك اختار الإخوة هذه الساعة دائما لإحيائها باللقاءات الخيرة الطيبة التي تتلقاها ملائكة الرحمان كما ثبت في الصحيح (إن لله ملائكة سيارين في الأرض بغيتهم حلق الذكر فإذا وجدوهم حفوهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا فإذا انصرفوا انطلقوا إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم : ماذا يقول عبادي؟ فيقولون يحمدونك ويكبرونك ويهللونك ويسبحونك، فيقول هل رأوني؟ فيقولون لا، فيقول فكيف لو رأوني، فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوك لكانوا لك أشد ذكرا، فيقول ماذا يسألونني؟ فيقولون يسألونك الجنة، فيول هل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا لها أشد طلبا وأشد حرصا، فيقول ومماذا يستعيذونني؟ فيقولون يستعيذونك من النار، فيقول وهل رأوها؟ فيقولون لا، فيقول فكيف لو رأوها؟ فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا منها أشد خوفا، فيقول لهم أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك يا رب فيه عبدك فلان وليس منهم وإنما جاء لحاجته، فيقول هم الرهط أو هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

لذلك نحن نجتمع ونحن نستقبل شهرا مباركا الذي جعله الله موسما من مواسم الخير، وخص به هذه الأمة أيضا، هذه الخصوصية لها معنى وعظة، فإن الله سبحانه وتعالى خص هذا الشهر بمزيد من الفضل والعناية وجعله مبدأ لانطلاق هذه الأمة، لأن هذه الأمة الخاتمة للأمم مبدأها هذا الوحي المنزل من عند الله، وقد افتتح الله نزوله في ليلة القدر على محمد صلى الله عليه وسلم بغار حراء وذلك في رمضان، ولهذا قال الله تعالى :"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن" وقال "إنا أنزلناه في ليلة القدر" فدل ذلك على أن ليلة القدر في رمضان، وقد اختار الله عز وجل هذا الشهر لنزول هذا الوحي الشريف وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اختار لأمور أخرى ثبت في سنن النسائي أنه قال ( عند دخول رمضان فتحت أبواب السماء وأغلقت أبواب جهنم وصفدت مردة الشياطين)، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النيران وصفدت مردة الشياطين )، والحديثان لا تعارض بينهما ففتح أبواب السماء معناه استقبال الدعاء فلذلك ما من شهر الدعاء فيه آكد وأضمن في الإجابة من هذا الشهر لأن الله يفتح فيه أبواب سماواته لاستقبال دعوات عباده، وكذلك فتح أبواب الجنة حيث يصل منها الخير والبركة والنماء إلى الأرض وكذلك إغلاق أبواب جهنم فإن كل شر يصل إلى الأرض هو من جهنم أعاذنا الله منها، فالبرد الشديد من جهنم والحر الشديد من جهنم والأوبئة والأمراض والآفات التي تتنزل على أهل الأرض تأتي بها النيازك أو الكواكب أو غير ذلك من الرياح كلها أضرار من جهنم، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (اشتكت النار لربها فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف وذلك أشد ما يكون الحر والبرد ) فالنار فيها الزمهرير وهو البرد الشديد وفيها الجحيم وهو الحر الشديد وما يصل إلى الأرض من حرارة يأتي مرورا بالشمس وهي أشد الكواكب حرارة في مجموعتنا، وما يأتيها من البرد ياتي بواسطة الكواكب المعاكسة للشمس، وهي شديدة البرد، وكل ذلك قادم من النار أعاذنا الله منها.

وكذلك بين الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصية هذا الشهر بتصفيد مردة الشياطين وفي ذلك نعمة عظيمة على الإنسان، لأنه في هذه الدار ممتحن، كأنه جالس على كرسي الامتحان وعليه خمس رقابات : الرقابة الأولى رقابة الملك الديان سبحانه وتعال فهو يعلم ما في أنفسكم " يعلم السر وأخفى"، " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"، فلذلك هو الشاهد الذي لا يغيب وهو معكم أينما كنتم " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم أينما كانوا"، والرقابة الثانية هي رقابة الملائكة الكرام فإنهم يحصون على الإنسان عمله ولذلك قال الله تعالى " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون"، وقال تعالى "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" وقال تعالى "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله"، وقد قال الحافظ بن حجر رحمه الله (بالتقصي تبين أن مع كل واحد من البشر واحد وعشرون ملكا فمنهم صاحب اليمين الذي يكتب الحسنات، وصاحب الشمال الذي يكتب السيئات، والقرين الذي يلم بقلبه وملائكة الجوارح كل جارحة عليها ملك، والملائكة الذين يتعاقبون في الناس فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر فإذا ارتفعوا إلى ربهم سألهم وهو أعلم فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون فيحصل بذلك واحد وعشرون ملكا مع كل واحد من البشر، والرقابة الثالثة رقابة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فكل أمة بعث الله فيها رسولا جعله شهيدا عليها ومراقبا على أعمالها يشهد عليها بأعمالها يوم القيامة، وقد اختار الله لهذه الأمة أفضل رسله محمدا صلى الله عليه وسلم وهو شهيد على هذه الأمة بأعمالها كما قال الله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونـــوا شهــداء على النــاس ويكون الرسول عليكم شهيدا"، وقال تعالــى" فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" وقال تعالى " ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء"، وهو الشاهد الذي لا يجرح ولا يطعن في شهادته وتعرض عليه أعمال أمته في قبره فيشهد بها ودليل هذا العرض قوله صلى الله عليه وسلم (فإن صلاتكم معروضة علي)، وأيضا أن الشهادة من شرطها العلم وقد ثبتت الشهادة فيما ذكرنا من الآيات وغيرها فقال تعالى " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون"، وقال " وما شهدنا إلا بما علمنا"، وقد أخرج البيهقي في السنن من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أترى الشمس إذا طلعت قال نعم، قال على مثلها فاشهد أو دع) فلا يحل للإنسان أن يشهد بما لا علم له به، وهو قطعا يشهد على الأمة بعملها وذلك دليل على أن عملنا معروض عليه، وحينئذ سيسر بحسنه لأنه حريص علينا ويساء بسيئه لأنه لا يحب لنا إلا الخير، ولذلك قال (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم) كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه.

في رمضان تلاحظون أن الوقت أوسع وأرحب لأن البركة التي فيه أكبر، وتلاحظون أن النفس تقبل من الإنسان أن يبقى في المسجد لانتظار الصلاة بعد الصلاة وهذا قل ما يجد له الإنسان فرصة في الأيام الأخرى في غير شهر رمضان، والسبب أن النفس الآن قد أعن عليها بسد أبواب الشهوات.

ثم الجبهة الثالثة وهي إخوان السوء أعاننا الله عليهم بالصيام فإنهم لا يأتون إلا من أجل الشهوات فإذا لم يجدوا طعاما ولا شرابا ولا كلاما في ما لا فائدة فيه انصرفوا، والجبهة الرابعة وهي مفاتن الدنيا وشهواتها أعاننا الله عليها بالصيام بأنه تذكير بالآخرة، فالصائم متشبه بالملائكة الكرام عبادتهم دائمة لا تنقطع المسبح منهم يسبح الدهر كله ولو مضى عليه مليارات السنوات، كما قال الله تعالى "يسبحون بالليل والنهار لا يفترون"، ليس لهم فترة لنوم ولا لأكل ولا لشرب ولا لراحة، كل الوقت للتسبيح، والراكع منكم راكع أبد الأبدين ولو مضى عليه مليارات السنين، والساجد منهم ساجد أبد الآبدين ولو مضى عليه مليارات السنين، ولذلك أخرج ابن جرير الطبري بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أطت السماء وحق لها أن تئط فما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع)، والملائكة الكرام هم جنس من خلق الله جعلهم فوقنا لنتأسي بهم ونقتدي ولذلك كان الإيمان بهم ركنا من أركان الإيمان، أركان الإيمان الستة هي أصول التفكير لأن الإنسان بإيمانه بالله يتحرر من الأغيار وبإيمانه بكتب الله يعلم مصادر العلم التي هي يقينية قطعية، وبإيمانه برسل الله يعرف أن لله عبادا اصطفاهم وعصمهم وهم الذين يطيعونه ويعملون بأمره ويجاهدون في سبيله ويدعون إليه ويبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وهم بشر مثلنا في البشرية فعلينا أن نقتدي بهم "فبهداهم فاقتد"، والإيمان بملائكة الله يبين لنا الطبقة التي فوقنا من خلائق الله الذين وحدهم لطاعته وخلصهم لعبادته لم يمتحنهم بالشهوات ولم يسلطها عليهم، وإنما امتحنهم بالطاعات وسخرهم لها فطاعتهم هي سعادتهم، الإنسان الآن له مبتغيات أخرى غير الطاعة يبحث عن السعادة في شهواته، يبحث عنها في نومه وراحته، والملائكة ما لهم سعادة إلا بالطاعة، فقد خلقوا لها وسخروا لها، الإيمان بالله وقدره خيره وشره معين للإنسان على عدم الإحباط وعدم الهزيمة لأن القدر يقتضي من الإنسان إذا آمن به أن يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه رفعت الأقلام وجفت الصحف عما هو كائن، ولهذا قال الله تعالى " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم"، لكي لا تأسوا أي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ولا تفرحوا بما آتاكم منها، لأن ذلك كله قد كتب ورفعت الأقلام وجفت الصحف، والإيمان باليوم الآخر يقتضي من الإنسان أن يعلم أن هذه الدار لا تساوي شيئا ولا ينبغي أن تكون جل اهتمامه ولا مبلغ علمه وألا يعمل لها، فرزقه مضمون " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها" لكن عليه أن يعمل لدار القرار و"إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" فهي الحياة الحقيقية التي لا تنقطع وبذلك تكون هذه الأركان جميعا محررة للعقل البشري ومنورة له، ولذلك لم يكن الإيمان بالجن ركنا من أركان الإيمان لأنهم ليسوا قدوة لنا ولا أسوة بخلاف الملائكة الكرام، فنحن معشر البشر جعلنا الله بين نوعين من أنواع الخلائق نوع أسمى من نوع وهم الملائكة الكرام، ونوع أدنى من نوع وهو الحيوان البهيمي، فالملائكة سخروا للطاعات ولم تسلط عليهم الشهوات، والحيوان البهيمي سخر للشهوات ولم يمتحن بالطاعات، ونحن جمع الله لنا بين الخاصيتين خاصية الملائكة بالطاعات وخاصية الحيوان البهيمي بالشهوات فنحن نجمع بين العالمين، فمن اتبع الشهوات وضيع التكاليف التحق بالبهائم بل كان أدنى منها لأن الحجة على الإنسان أكبر من الحجة على الحيوان، قال تعالى " إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا"، وقال " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم"وقال تعالى" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد غلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القول الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتذكرون ساء مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون" وقال تعالى " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين"، فلذلك كان الذين يتبعون الشهوات ويعرضون عن الطاعات بمثابة البهائم وأخس من البهائم فهم مثل الكلاب والحمير كما ضرب الله لهم المثل في كتابه وجعلهم أخس أنواع الخلائق كما قال الله تعالى إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية" وشر البرية معناه هم أخس ما خلق الله فهم أرذل من فيروس السيدا وكل أنواع الفيروسات أو أخس من كل ذلك، وإذا أدى الإنسان التكاليف ولم يتبع الشهوات التحق بالصنف الأسمى وهم الملائكة الكرام كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الذي يقرأ القرآن ولا يتعتع به وهو عليه شاق فهو مع السفرة الكرام البررة ) وهم خيرة الملائكة الكرام، فلذلك أعاننا الله سبحانه وتعالى في رمضان على هذه الجبهة وهي جبهة مفاتن الحياة الدنيا وشهواتها بتذكرنا للدار الآخرة، فالذي يصوم متشبه بالملائكة لأن الملائكة لا تأكل وهو صائم من طلوع الشمس إلى مغربها وهو في عبادة، إذا نام لا يقطع ذلك عابدته، وإذا دخل السوق واشترى وباع لا يقطع ذلك عبادته،و إذا دخل المسجد وصلى أو قرأ القرآن لا يقطع ذلك عبادته الأولى فهو في عبادة مستمرة هي تشبه بالملائكة الكرام في طاعتهم، ولذلك كان الصوم يختص بغيره من العبادات بمزيد أجر وثواب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يقول الله تعالى كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها قال إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، ودل على ذلك قول الله تعالى " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"، وجمهور أهل التفسير يفسرون الصابرين بالصائمين، ولا يدخل في هذا المقياس عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والله يضاعف لمن يشاء بل هو جزاء من عند الله وهو الجزاء الأوفى، ولذلك المتشبه بالملائكة الكرام لا يمكن أن يركن إلى أوساخ الدنيا وما فيها مما هو زائل مضل، فكل ما يبتغيه الناس فيها مصيره إلى زوال إذا أعجبك أي شيء فيها فانظر إلى مثله وبقيته في القمامات والأوساخ، السيارات الفارهة إذا أعجبتك أي ماركة فاذهب إلى القمامات فستجد بقايا تلك السيارات، والمباني الشاهقة إذا أعجبتك فاذهب إلى القمامات فستجد شظاياها وأنقاضها، والملابس الجميلة إذا أعجبتك فانظر إلى القمامات فستجد قطعا منها بالية، وهكذا في كل أموال الدنيا وزخارفها وكل ما يرغب الإنسان فيها مآله إلى أن يتضرر به الإنسان من رائحته ولونه ويكرهه كراهة شديدة إما أن تنتقل عنه وإما ينتقل عنك.

والجبهة الأخيرة وهي جبهة النعم، أعاننا الله عليها في رمضان بذكرها فالإنسان إنما يهمل الشكر على النعم لغفلته عنها، ففي رمضان نبه الإنسان وهذا التنبيه من سنة الله ولطفه بالعباد ألا ترون أنكم عندما تدخلون الصلاة يجهر الإمام بتكبيرة الإحرام لينتبه الجميع فيدخل في الصلاة، فيمكن أن يسهو أحدنا أو بعضنا فإذا حان وقت الركوع جهر الإمام بالتكبير ليرجع الإنسان وينتبه، فيعود مرة أخرى فإذا ركع يمكن أن يسهو فيكبر الإمام سمع الله لمن حمده فينتبه فإذا قام من الركوع فقد يسهو فإذا حان وقت السجود يرفع الإمام صوته بالتكبير لينتبه الإنسان، وهذا التكبير اختير من بين العبادات الأخرى فلم يقل سبحان الله ولا الحمد لله ولا لا إله إلا الله وإنما اختير التكبير ليقطعك عما أنت فيه فالله أكبر، كل ما دون الله لا يساوي شيئا من جلاله سبحانه وتعالى وعظمته وكبريائه، وقد ورد في الحديث لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت عنه قال يا ابن آدم إلى من تلتفت أنا خير ممن التفت إليه)، وهذا التنبيه واقع أيضا في الصيام فإنه يذكرك بأوقات كنت فيها محتاجا فأغناك الله كنت لا تجد ما تطعم به أهلك فأعطاك الله فتتذكر حال الفقراء الذين لا يجدون ما يسدون به خلتهم وقديما قال حاتم بن عبد الله الطائي :

لقدما عضني الجوع عضا                        فآليت ألا أمنع الدهر جائعا

فمن حكمة مشروعية الصيام أنه تذكير لنا بنعم الله علينا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا آوى إلى فراشه (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم من لا كافي له ولا مؤوي) فتتذكر هذه النعم العظيمة الجليلة ويكون ذلك عونا لك عليها.

إذن فرمضان عون لك على الجبهات الخمس جميعا، ما من جبهة من الجبهات إلا وقد أعنت عليها في رمضان، ورمضان زيادة في العمر فالإنسان ما من شيء أحب إليه من عمره، هو حبيب الإنسان الأول، إذا فكر في أي حبيب وبقي له العمر سيبقى عنده أمل أن العمر سيعوضه ذلك الحبيب ولو كان أبا أو أما أو زوجا أو أخا لأن كل ما سوى العمر مخلوف، لكن في الواقع إن العمر في الأصل حدد وكتب وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين قال حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمة أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح فيأمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) والناس يحفظون هذا الحديث من الأربعين النووية وقد زاد فيه الإمام النووي رحمه الله أربعين يوما نطفة ولا توجد هذه اللفظة في الصحيحين، والذي يعلم أن عمره مكتوب ويعلم أن نهايته حتمية ويعلم أنها مجهولة بالنسبة إليه، يسعده فعلا أن يزداد عمره وهذه الزيادة أيضا ليست وهمية إنما هي قطعية، ما هي هذه الزيادة؟ هي في حق من أدرك ليلة القدر فقامها إيمانا واحتسابا فإن الله قال " وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر"، عادة الله في كتابه أنه إذا قال ما أدراك معناه أنه سيبين ذلك، وإذا قال ما يدريك فإنه لن يبينه، فالمضارع جاء في ذكر القيامة " وما يدريك لعل الساعة قريب"، فهذا لا بيان له ولا يعلمه إلا الله، لكن إذا قال ما أدراك فسيأتي البيان بعدها، كما قال هنا " وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر"، وخير أصلها أخير ولكن لكثرة الاستعمال حذفت منها الهمزة كما قال ابن مالك وغالبا أغناهم أن يقولوا أخير منه وأشر وقالوا خير منه وأشر، فلذلك هي أخير من ألف شهر أي أكثر خيرا ونفعا وثمرة وفضلا من ألف شهر، فهي إذن زيادة في العمر تعادل أربعا وثمانين سنة وستة أشهر، في حق أقل الناس لأن الخيرية تقتضي زيادة إذا قلنا هذا خير من هذا معناه أن أكمل كل ما في المرء من خير وزاد عليه وتلك الزيادة غير محصورة فهي متفاوتة بحسب الفضل عند الله، فمن الناس من تكون ليلة القدر في حقه أفضل من آلاف السنوات ومنهم من تكون أفضل من آلاف الأيام ومنهم من تكون آلاف الشهور وأقلهم درجة التي تكون في حقه أفضل من ألف شهر، فلذلك هذه الليلة العظيمة أخفاها الله في ليالي رمضان ليطلبها الناس من أول رمضان إلى آخره، وفيها أقوال كثيرة والذي يترجح من أقوال أهل العلم أنها متنقلة في رمضان أغلب ما تكون في العشر الأواخر، واغلب ما تكون في العشر من أوتارها، لكن مع ذلك محتمل أن تكون في كل ليلة من ليالي رمضان فهي متنقلة فيه، لكن وجدنا دليلا على أنها في رمضان لا تتعداه وهو ما ذكرناه في نزول القران بأن الله قال "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"، وقال "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، وقد تواترت رؤى الصحابة رضوان الله عليهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام من الأعوام، أنها في العشر الأواخر، لكن لا يقتضي ذلك أنها دائما في العشر الأواخر، فقد تتعداهم، وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوائل من رمضان فأتاه جبريل فقال أن الذي تطلبه أمامك فاعتكف العشر الأواسط فقال أن الذي تطلبه أمامك فاعتكف العشر الأواخر فلم يزل يعتكفها ويعتكفها أزواجه من بعده، كما ثبت ذلك في الصحيح، وقد بين الله الفضل في هذه الليلة المباركة وبين خصائصها ومنها أنها تتنزل فيها الملائكة الكرام وقال فيها "بإذن ربهم"، والمقصود بإذن ربهم أي بأمره، ودليل ذلك ما جاء في سورة مريم في قوله تعالى حكاية عن الملائكة الكرام "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا كذلك ما كان ربك نسيا"، وهي سلام من كل أمر من الأمور أو السلام هو تسليم الملائكة فيها فهم يسلمون على عباد الله المؤمنين فيها، وذلك من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهي سلام وأمان إلى طلوع الفجر، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم علامة من علاماتها فذكر أن الشمس في يومها تصبح حمراء ليس فيها أشعة أي تطلع كذلك، وسألهم كما في صحيح مسلم أيكم رأى القمر البارحة فبين لهم أنه طلع كشق جفنة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل قيامها فقال (من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له)، وهذا الحديث مقتضاه أن من وفق لقيامها وتقبل الله منه "إنما يتقبل الله من المتقين" فسيكون ذلك تكفيرا لسيئاته وجعل ذلك في كل رمضان في قيامه وصيامه كما في حديث أبي هريرة أيضا في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، كذلك من خصائص هذا الشهر أن فيه ليلة المغفرة وهي آخر ليلة من رمضان، يعتق الله فيها رقاب الصائمين من النار والمقصود بالصائمين الذين صلح صيامهم واستقام فسلم لهم رمضان وتسلمه الله منهم، فكان رمضان لهم وهؤلاء هم الذين يستحقون الجائزة وهي في آخر ليلة من رمضان، قالوا يا رسول الله أليلة القدر هي؟، قال لا، وغنما العامل إنما يوفى أجره عند نهاية عمله، وهذا الشهر مرتبط بالقرآن فكانت بداية نزول القرآن فيه، وكانت مدارسة جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم القران فيه، ولذلك كان تهذيب النفس فيه أوفر لأن القران مهذب للنفوس بالأوامر والنواهي والمواعظ والعبر والأيام الله الخوالي وما يرجى من إحسانه وفضله، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن وحين يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان فالرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة)، فالرسول صلى الله عيه وسلم ما عرفت البشرية أجود منه، ولذلك كان يعطي الرجل ما بن الجبلين من الإبل وما بين الجبلين من الغنم ويعطيه من الذهب حتى ما يقله أي لا يستطيع حمله وقد جاءه أعرابي إلى سمرة يوم أوطاس فتعلق بها رداءه فقال إليكم عني فلو كان عندي مثل سمر تهامة لقسمته بينكم ثم لم تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ) هو أجود الناس في حديث جابر في الصحيح (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ما سئل شيء قط فقال لا)، إن كان عنده أعطى وإلا رد بميسور من القول، وهذا الذي علمه الله في كتابه فالله يقول له "إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا"، لكن كانوا يشعرون بزيادة في سخائه في شهر رمضان وقد بين ابن عباس سر ذلك وهو مدارسة القرآن، والكرم والسخاء إنما يكون بزوال الشح والبخل، وقد قال الله تعالى " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"، فالشح والبخل من أمراض القلوب، وقد اختلف أهل العلم هل الأصل في الإنسان اتصافه بإمراض القلوب أم الأصل البراءة منها، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأصل في الإنسان البراءة من أمراض القلوب واستدلوا بقول الله تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم"، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكونا أبواه هما الذين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وبقوله صلى الله عليه وسلم (ما من أحد منكم إلا يولد كما تنتج البهيمة البهيمة جمعاء فهل ترى فيها من جدعاء وفي رواية فهل ترى فيها من جدع وقت ميلادها ) وذهب الإمام أو حامد الغزالي رحمه الله إلى أن الأصل في الإنسان أمراض القلوب أن تكون موجودة فيه ولكن الله يذهبها عنه إما بالاجتباء وإما بالاهتداء، فهما أمران الاجتباء اختيار رباني يختار الله به ما يشاء من عباده فيخلصه من الأقدار والأكدار ويصطفيه لنفسه، والقسم الثاني الاهتداء والذي يسلك طريق الحق ويعالج نفسه فيهديه الله، والله تعالى يقول والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" والسالكون الواصلون قسمان الذين اجتباهم الله فلم يتعبوا أنفسهم وغنما أصلحهم الله دون عناء، والذين جاهدوا أنفسهم وأصلحوها فانتصروا على أنفسهم، قال الله تعالى" ممن هدينا واجتبينا"، ويقول في سورة الشورى"الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب"، الذي يتوب ويعالج نفسه يهديه إليه، والذي يجتبيه الله لا يحتاج إلى شيء من ذلك مباشرة يجد نفسه صالحا مقبلا على الله، مدبرا عمن سواه، فلذلك يختار الله من يشاء من خلقه فيصفيهم من أمراض القلوب ولكن الأصل عند الغزالي وجودها، واستدل الغزالي بذلك بشق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وغسل قلبه وانتزاع المضغة السوداء منه وغسله بطست من ذهب جاء به جبريل من زمزم وحشاه من الإيمان والحكمة قال لو كان أحد ينجو من هذه المضغة السوداء التي هي مرض القلب فكان مثل رسول الله صلى الله عليه، والذي أراه أنه لا بد من الجمع بين القولين والدليلين فنقول الأصل في الإنسان السلامة من الاتصاف بأمراض القلوب والأصل في الإنسان القابلية لأمراض القلوب فالذي أزيل عن الرسول صلى الله عيه وسلم ليس أمراض القلوب فلم تسبق عليه قط، لكن الذي أزيل عنه قابليته لأمراض القلوب وأمراض القلوب مثل أمراض البدن، الأصل في الإنسان السلامة من السل الرئوي والأصل في الإنسان السلامة من السكري لكن الأصل القابلية لذلك والرسول صلى الله عليه وسلم شق صدره وأزيل عنه قابلية للأمراض القلبية، وإن كانت القابلية للبشر كلهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لم نيزل الله داء من السماء إلا وأنزل له دواء فتداووا عباد الله) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (الحديث للوجوب في أمراض القلوب وللندب في أمراض البدن) لكن هذا الذي قاله ابن حافظ لا يسلم بالإطلاق فأمراض البدن بعضها أيضا يجب العلاج منه كما أن يمنع الإنسان من أداء فريضة من فرائض الله يجب عليه أن يتعالج منه، ومن ذلك أمراض القلوب ليست كلها أيضا مما يجب علاجه فأغلبها كذلك ولكن الخفيف منها قد لا يجب العلاج منه.

فرمضان إذن علاج للإنسان من أمراض القلوب وهذا العلاج مركب بين رمضان والقرآن، فجبريل كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان مرة، وليست هذه المدارسة كما يتوهم البعض تأخذ وقتا كمدارستنا نحن بل مدارسة جبريل داخلة في ما بينه الله في قوله "لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأنه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه"، وقد بين الله لرسوله حفظه لهذا القران "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا نحن لحافظون"، فكانت المدارسة سريعة بضمان الله له أن الله يجمعه في صدره وهذا يشمل ألفاظه وحروفه وحدوده ومعانيه وبيانه ومعجزه وكل ما فيه، لكن في العام الذي هو عام موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان الذي لم يعش بعده، تدارسه معه جبريل مرتين في كل ليلة فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن أمرا ما قد حدث ولذلك قال لابنته فاطمة (إن جبريل كان يدارسني القران كل ليلة مرة وفي رمضان هذا دارسني في كل ليلة مرتين وما أظن ذلك إلا أجلي قد اقترب ).

فلذلك ارتبط رمضان بالقرآن وارتبط القران برمضان، وارتبطا معا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد سئلت عائشة عن حلق النبي فقالت كان خلقه القران)، فهو بمثابة قران يمشي على الأرض، ولذلك قال الله تعالى "وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فصلناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا"، وفي سورة الطلاق يقول الله تعالى" ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات مبينات "، فالرسول باعتقاده وبعبادته وبمعاملته وبخلقه بيان للقران، وقد زكاه الله تعالى فقال فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا" وأخلاقه زكاها الله بقوله وإنك لعلى خلق عظيم"، وعبادته ومعاملته يقول الله فيها "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"، فلذلك ارتبط القران بالرسول صلى الله عليه وسلم وارتبط بهذا الشهر الكريم، فإذا أراد الإنسان أن يحصل له الزكاء في نفسه ويخليها عن صفات المنافقين والمشركين وأن يحليها بصفات المؤمنين فعليه أن يستغل فرصة الموسم العظيم الذي هو شهر رمضان وأن يتدبر هذا القرآن، والتدبر من أجله أنزل القران كما قال الله تعالى كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب" وقال " أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها " وقال " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " والتدبر قسمان القسم الأول تدبر المعاني وهو في حق الناطقين بالعربية، فمن كان ينطق بالعربية يمكن أن يتدبر ويفهم معانيه فإذا أشكل عليه شيء رجع فيه إلى أهل العلم، والقران حينئذ أربع أقسام :

القسم الأول ما يفهمه كل ناطق بالعربية على وجه السليقة .

القسم الثاني ما هو من غريب اللغة التي لم تعد مستعملة في كلام الناس فيما بينهم.

القسم الثالث ما هو من أدلة الأحكام وتوجه الاستنباط وهذا يختص بالراسخين في العلم أي أهل الأصول.

القسم الرابع ما كان من المشكل والمتشابه وهو خفي الدلالة من القرآن و المرجع فيه إلى أهل الأثر وأهل الرواية.

والقسم الثاني من التدبر هو تدبر المحبة، وهذا لجميع المؤمنين، سواء كانوا من الناطقين بالعربية أو لم يكن يفهم حرفا في العربية، بأن يقول هذا كلام ربي سبحانه وتعالى فيحبه حبا شديدا كحبه لله، فبقدر محبة الإنسان لله تكون محبته لكتاب الله وكلامه سبحانه وتعالى ولذلك كان عكرمة بن جهل عند موته يقلب المصحف على خديه ويبكي ويقول كتاب ربي محبة القرآن، فكل مؤمن أيا كان سواء كان ذكرا أو أنثى كبيرا أو صغيرا عالما أو جاهلا يجب عليه أن يحب هذا القرآن حبا شديدا وهذا حظ غير الفاهمين له من تدبره، فيصلهم منه أنوار وبركات لا حصر لها "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا يجعل لكم فرقانا" وكم من إنسان لم يكن من أهل هذا الشأن هدي بسبب لحظة تدبر لكتاب الله.

فهذا القران إذن هدى للناس الذين أراد الله بهم الهداية ولذلك قال الله تعالى " لا ريب فيه هدى للمتقين"وقال "إن هذا القرآن يهدي لتي هي أقوم"، وهو شفاء مع الهدى كما قال الله تعالى "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"، لكن لا ينال ذلك إلا مقصده وتدبره فإن البركات والرحمات تتنزل عند تلاوته كما قال الله تعالى وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون"، فمن استمع له وأنصت فإنه يرحم برحمات الله وبركاته المتنزلة، ويكون نصيبه منها أوفر، وهذا الشهر الكريم ينبغي للمؤمنين أن يأخذوا نصيبهم منه فهو شهر الانتصارات، وقد هيأ الله فيه النفوس لتنتصر والإنسان إذا انتصر على نفسه بترك الشهوات والآثام والمعاصي فان ذلك يسهل له الانتصار في كل جبهة أخرى، فإذا أراد الإنسان أن ينتصر على نفسه فليصلحها أولا ولينتصر عليها أمام الشبهات وأمام الشهوات، فالشهوات لا يقهرها الإنسان إلا بالصبر والشبهات لا يقهرها إلا باليقين، وعندما يجمع الصبر باليقين ينال الإمامة في الدين كما قال تعالى "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون "، وقد نصر الله المؤمنين في هذا الشهر انتصارات كبيرة منها ما كان يوم بدر وهو يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ومنه ما كان في فتح مكة، وكانت فيه معارك إسلامية كبرى كعين جالوت وحطين والزلاقة فقد خرج المغاربة مع يوسف بن تاشفين في رمان لنصرة إخوانهم في الأندلس بعد أن جاءه المعتمد بن عبا د مستنصرا مستنجدا فلما دخل الأندلس بجيشه المرابطي أرسل إليه ملك الإسبان فقال اليوم يوم جمعة وهو يوم عيدكم وغدا يوم السبت وهو يوم اليهود، ويوم الأحد هو عيدنا فلذلك نترك القتال إلى يوم الاثنين، وكانت هذه خدعة لم ينخدع لها يوسف بن تاشفين فلبس السلاح تحت لباسه فلما وقف في الناس يخطب الجمعة ثارت الخيل في وجهه فصلى صلاة المسايفة.

الشيخ محمد الحسن ولد الددو

الأربعاء, 06 حزيران/يونيو 2018 15:25

من السنة الإكثار من الخيرات في رمضان

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ( وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان: الإكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن الكريم في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسله، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما لا يخصُّ غيره به من الشهور)

فرمضان مناسبة سنوية عظيمة لأهل الإيمان يتداركون فيه أنفسهم وأحوالهم، ويغتنمون فيه فرصة مضاعفة الأجور، فإذا كان من السنن الكف عن فضول الأقوال والأفعال، فمن اللازم إشغال النفس بمختلف أشكال الطاعات، بدءا من إخراج الزكاة لمن غفل عنها أو جعل رمضان موعدا لأدائها، وبذل ما يستطيع من الصدقات والإحسان وتفطير الصائمين ففي مسند أحمد عن زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من فطر صائما كتب له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ومن جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الغازي شيء"

ومما ينبغي الاشتغال به الإكثار من تلاوة القرآن ومدارسته، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الشاطبي رحمه الله:

وكل عام على جبريل يعرضه .. وقيل آخر عام مرتين قرا

واقتداء أيضا بعمل السلف في هذا الشهر الفضيل، فمما يذكر عن الإمام مالك رحمه الله أنه كان اذا دخل عليه شهر رمضان أغلق على كتبه وأخذ المصحف ومنع الفتوى والمساءلة مع الناس وقال: هذا هو شهر رمضان، هذا هو شهر القرآن، فيمكث في المسجد حتى ينسلخ شهر رمضان.

ومما ينبغي فعله والمواظبة عليه بعد أداء فريضة الصلاة في الجماعة قدر المستطاع، الإكثار من نوافل النهار وقيام الليل وصلاة التراويح، وفي الحديث الصحيح" من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ثم ملازمة الذكر في عامة الأحوال.

كما يستحب أن يعتكف المسلم في رمضان، لا سيما في العشر الأواخر منه رجاء مصادفة ليلة القدر، وعلى الغيورين على إحياء سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم في أي موقع كانوا في الجهات الرسمية أو الشعبية الاجتهاد بما في وسعهم لإحياء هذه السنة المهجورة في مساجد بلدنا الحبيب، وذلك من باب ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا" وقال الترمذي هذا حديث حسن.

أصدر مركز المقاصد للدراسات والبحوث كتابا جديدا ضمن سلسلة دراسات العدد الأول بعنوان "جماعة عباد الرحمن في السنغال – التاريخ والمنهاج" لمؤلفه "نجوغو بن مبكي صمب".

ويقع الكتاب من الحجم الكبير في 287 صفحة وتعد الطبعة الأولى من المؤلف بتاريخ فبراير 2018 لمطبعة شمس برانت بالرباط.

ويفتتح الكتاب بشهادة أمير جماعة عباد الرحمن في السنغال الشيخ عبد الله لام على تجربة جماعة عباد الرحمن وتقديم للكتاب من قبل رئيس التجمع الإسلامي في السنغال والأمين العام لمنتدى الوسطية بأفريقيا سابقا الشيخ مختار كيبي وشهادة في حق المؤلَّف بعنوان "كتاب جمع بين التعريف بالجماعة والتأصيل للمنهج" للأستاذ حماد تيام الكرمجبلي (سالوم).

ويتألف الكتاب من مقدمة منهجية للكاتب وخمس فصول، تتناول على التوالي: مراحل الدعوة الإسلامية وأطوارها في السنغال، وجماعة عباد الرحمن – النشأة وجيل التأسيس، والمنهج الدعوي والحركي لجماعة عباد الرحمن، ومجالات عمل جماعة عباد الرحمن وميادين جهادها، وفصل بعنوان "حركات مندمجة ومؤسسات متخصصة، وأخيرا "المنجزات والآفاق المستقبلية".

ويعتبر هذا الكتاب، حسب أمير جماعة عباد الرحمن في السنغال الشيخ؛ عبد الله لام، إضافة نوعية جديدة إلى المكتبة الإسلامية عامة، وإلى مكتبة الجمعيات والمنظمات الإسلامية خاصة، بأسلوب عربي سلس، وبلغة فصيحة رفيعة، مع تأصيل علمي لكل ما يذهب إليه، والاعتماد على مصادر موثوقة، من كتابات حملة الدعوة أو من أفواههم، من مؤسسي الجماعة ومن لحق بهم من الشباب والدعاة وغيرهم ممن تربوا على أيديهم.

ويضيف أمير الجماعة أنه مما ساعد الكاتب في تأليفه هو معايشته لجيل المؤسسين وقادة جماعة عباد الرحمن في السنغال عن قرب، وشاهد عن كثب الجهود التي بذلوها ويبذلونها، وما حققوا من إنجازات، بل وما عاشوا من إخفاقات، كما عرف الكاتب بمناقشة القادة وإسداء النصح لهم، مما يزيد الكتاب قيمة علمية، ناهيك أن الكتاب خضع لتحكيم لجنة علمية مستقلة، أجازته بعد فحص علمي حر دقيق.

الإصلاح