الأربعاء, 06 حزيران/يونيو 2018 15:25

من السنة الإكثار من الخيرات في رمضان

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ( وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان: الإكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن الكريم في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسله، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما لا يخصُّ غيره به من الشهور)

فرمضان مناسبة سنوية عظيمة لأهل الإيمان يتداركون فيه أنفسهم وأحوالهم، ويغتنمون فيه فرصة مضاعفة الأجور، فإذا كان من السنن الكف عن فضول الأقوال والأفعال، فمن اللازم إشغال النفس بمختلف أشكال الطاعات، بدءا من إخراج الزكاة لمن غفل عنها أو جعل رمضان موعدا لأدائها، وبذل ما يستطيع من الصدقات والإحسان وتفطير الصائمين ففي مسند أحمد عن زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من فطر صائما كتب له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ومن جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الغازي شيء"

ومما ينبغي الاشتغال به الإكثار من تلاوة القرآن ومدارسته، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الشاطبي رحمه الله:

وكل عام على جبريل يعرضه .. وقيل آخر عام مرتين قرا

واقتداء أيضا بعمل السلف في هذا الشهر الفضيل، فمما يذكر عن الإمام مالك رحمه الله أنه كان اذا دخل عليه شهر رمضان أغلق على كتبه وأخذ المصحف ومنع الفتوى والمساءلة مع الناس وقال: هذا هو شهر رمضان، هذا هو شهر القرآن، فيمكث في المسجد حتى ينسلخ شهر رمضان.

ومما ينبغي فعله والمواظبة عليه بعد أداء فريضة الصلاة في الجماعة قدر المستطاع، الإكثار من نوافل النهار وقيام الليل وصلاة التراويح، وفي الحديث الصحيح" من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ثم ملازمة الذكر في عامة الأحوال.

كما يستحب أن يعتكف المسلم في رمضان، لا سيما في العشر الأواخر منه رجاء مصادفة ليلة القدر، وعلى الغيورين على إحياء سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم في أي موقع كانوا في الجهات الرسمية أو الشعبية الاجتهاد بما في وسعهم لإحياء هذه السنة المهجورة في مساجد بلدنا الحبيب، وذلك من باب ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا" وقال الترمذي هذا حديث حسن.

أصدر مركز المقاصد للدراسات والبحوث كتابا جديدا ضمن سلسلة دراسات العدد الأول بعنوان "جماعة عباد الرحمن في السنغال – التاريخ والمنهاج" لمؤلفه "نجوغو بن مبكي صمب".

ويقع الكتاب من الحجم الكبير في 287 صفحة وتعد الطبعة الأولى من المؤلف بتاريخ فبراير 2018 لمطبعة شمس برانت بالرباط.

ويفتتح الكتاب بشهادة أمير جماعة عباد الرحمن في السنغال الشيخ عبد الله لام على تجربة جماعة عباد الرحمن وتقديم للكتاب من قبل رئيس التجمع الإسلامي في السنغال والأمين العام لمنتدى الوسطية بأفريقيا سابقا الشيخ مختار كيبي وشهادة في حق المؤلَّف بعنوان "كتاب جمع بين التعريف بالجماعة والتأصيل للمنهج" للأستاذ حماد تيام الكرمجبلي (سالوم).

ويتألف الكتاب من مقدمة منهجية للكاتب وخمس فصول، تتناول على التوالي: مراحل الدعوة الإسلامية وأطوارها في السنغال، وجماعة عباد الرحمن – النشأة وجيل التأسيس، والمنهج الدعوي والحركي لجماعة عباد الرحمن، ومجالات عمل جماعة عباد الرحمن وميادين جهادها، وفصل بعنوان "حركات مندمجة ومؤسسات متخصصة، وأخيرا "المنجزات والآفاق المستقبلية".

ويعتبر هذا الكتاب، حسب أمير جماعة عباد الرحمن في السنغال الشيخ؛ عبد الله لام، إضافة نوعية جديدة إلى المكتبة الإسلامية عامة، وإلى مكتبة الجمعيات والمنظمات الإسلامية خاصة، بأسلوب عربي سلس، وبلغة فصيحة رفيعة، مع تأصيل علمي لكل ما يذهب إليه، والاعتماد على مصادر موثوقة، من كتابات حملة الدعوة أو من أفواههم، من مؤسسي الجماعة ومن لحق بهم من الشباب والدعاة وغيرهم ممن تربوا على أيديهم.

ويضيف أمير الجماعة أنه مما ساعد الكاتب في تأليفه هو معايشته لجيل المؤسسين وقادة جماعة عباد الرحمن في السنغال عن قرب، وشاهد عن كثب الجهود التي بذلوها ويبذلونها، وما حققوا من إنجازات، بل وما عاشوا من إخفاقات، كما عرف الكاتب بمناقشة القادة وإسداء النصح لهم، مما يزيد الكتاب قيمة علمية، ناهيك أن الكتاب خضع لتحكيم لجنة علمية مستقلة، أجازته بعد فحص علمي حر دقيق.

الإصلاح

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 14:55

رمضان شهر الإنتصارات.. (5) فتح مكة

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم فتح مكة.

في العشرين من شهر رمضان المبارك في السنة الثامنة للهجرة كان فتح مكة، وكان عدد جيش المسلمين الفاتح عشرة آلاف مقاتل، يقودهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

• سببها:

أنَّ قريشًا نقضتْ ما كان بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، وقد كان في بنود الصُّلح: أنه مَن أحَبَّ أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه، ومَن أحبَّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.

وحدث أن اقتتلتْ بكر مع خزاعة واعتدَتْ عليها، فساعدت قريش سرًّا بني بَكر بالسلاح؛ كما قاتل رجال من قريش ليلًا مع بني بكر؛ وعليه، فقد نقضوا الصُّلحَ بهذا العمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لا يَحِق لهم أن يفعلوا ذلك، فانطلق بديل بن ورقاء مع نفر من خزاعة حتى قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما أُصيبوا منهم، وبمساعدة قريش لبني بكر، ثمَّ عادوا.

قدوم أبي سفيان للمدينة:

وقَدِم أبو سفيان إلى المدينة ليَستطلِع الخبرَ، وليُصحِّح خطأ قريش ويُوثِّق صُلْح الحديبية ويَزيد في مدته، فكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَرُد عليه، وذهب إلى أبي بكر ليُكلِّم له رسول الله، فقال أبو بكر: ما أنا بفاعل، وقابله عمر بأشد مما قابله أبو بكر، وذهب إلى عليٍّ فكلَّمه أن يشفع له عند رسول الله، فقال له علي: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمرٍ ما نستطيع أن نُكلِّمه فيه، ثَمَّ وجد أبو سفيان أنَّه غير مرغوب فيه بالمدينة، فخاف على نفسه، وانطلق عائدًا إلى مكة خائبًا.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالاستعداد:

وتَجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزْو، وأمر المسلمين بذلك دون أن يُحدِّد لهم وِجهةَ سيره، ثمَّ أخبر الناس بعد ذلك بأنه ذاهب إلى مكَّة، وقال: ((اللهمَّ خذ العيون والأخبار عن قريش؛ حتى نبغتها في بلادها))، وأرسل حاطبُ بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يُخبِرهم بالذي أجمَع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه امرأةً، وجعل لها أجرًا على إيصاله، فوضعَته في رأسها، ثمَّ فتلت عليه شعرها وخرجت به، وأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ من السماء بما فعله حاطِب، فبعث عليَّ بن أبي طالب والزبير وقال لهما: ((أدرِكا امرأة قد كَتَب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يُحذِّرهم ما أجمعنا عليه في أمرهم))، فخرجا فأدركاها واستخرجا منها الكتابَ، واستدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال: ((يا حاطب، ما حملك على هذا؟!))، فقال حاطب: يا رسولَ الله، إنِّي لمؤمن بالله ورسوله، ما غيَّرتُ وما بدَّلتُ، ولكن كنتُ امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عَشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقَه؛ فإنَّ الرجلَ قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما يدريك يا عمر، لعلَّ الله قد اطَّلَع على أصحاب بدر يومَ بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)).

وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان، فصام وصام معه الناس حتى إذا كان بالكَديد[1] أفطر، ثمَّ مضى حنى نزل في مرِّ الظهران قريبًا من مكة.

أبو سفيان يستطلع حول مكة:

وخرج أبو سفيان في نفر يَستطلِع حول مكَّة، فقد كان به هاجس لا ينام ورأى نيرانًا كثيرة، فاقترب فلقيه العبَّاس وأخبره بأنَّ هذا جيش المسلمين، فخاف أبو سفيان، ثمَّ إن العباس أجاره وأردفه وراءه على بَغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل به إلى النَّبي، ثمَّ أسلم أبو سفيان في الصباح، وشهِد استعراضَ النبي صلى الله عليه وسلم لجيشه، فقال أبو سفيان: لا طاقة لقريش به، فأسرع إلى مكَّة، وأخبرهم بذلك وقال لهم: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومن دخل المسجد فهو آمِن، ومَن أغلق عليه بابَه فهو آمن، ووزَّع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجيشَ ليَدخُل مكَّة من أربعة مداخل، وعلى رأس كلِّ جيش قائد، وهم: الزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وسعد بن عبادة، وشهِد جيش خالد قتالًا مع المشركين، فقَتَل منهم ما بين اثني عشر رجلًا وثلاثة عشر، ثمَّ انهزموا.

وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أُناسٍ من المشركين وأهدر دمَهم ولو تعلَّقوا بأستار الكعبة، فقد آذَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

ولما اطمأنَّ الناس بمكَّة خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وطاف بالبيت سبعًا على راحلته، ثمَّ حطَّم الأصنامَ ومسح صورًا داخل الكعبة وطهَّرها من رجس الشرك.

الإصلاح

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 14:21

العشر الأواخر من رمضان.. أين المتنافسون؟

العشر الأواخر من رمضان أيام عظيمة امتن الله بها على الأمة المسلمة بأن أعطاها نفحات ربانية عطرة، فيها الأجر العظيم مع العمل والطاعة القليلة، وفيها أيضا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.. هي خلاصة رمضان، وزبدة رمضان، وتاج رمضان قد قدمت، فيا ترى كيف نستقبل العشر الأواخر من رمضان؟

يبدأ الصائم لقاءه مع العشر الأواخر من رمضان، لقاء مع أيام مباركة لكي تحكي لنا قصة "قرب الوداع" لهذا الشهر الكريم.. ولكي تحكي لنا "ليلة القدر" لعل النفوس أن تنافس.. فأين المتنافسون؟!

لقد بدأت العشر وبدأ السباق، وهذا رسول الله يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، وهو القدوة في علو الهمة.. فأين المقتدون المهتدون؟ إن ليالي العشر قد آذنت ولسان حالها: "أدركني فإنما أنا ساعات"، وقد لا تدركني في أعوام قادمة...إنها ليالي العابدين، وقرة عيون القانتين، وملتقى الخاشعين، ومحط المخبتين، ومأوى الصابرين..


«وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» (القصص 68) ، وقد اختار سبحانه العشر الأواخر من شهر من رمضان، من بين سائر أيام الشهر، وخصها بمزيد من الفضل وعظيم الأجر.

وكان يحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن، تقول عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم.

فكان يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذكر، حرصا على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة، قال ابن رجب: " ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الاعتكاف فيها حتى قبض، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده).

وما ذلك إلا تفرغاً للعبادة، وقطعا للشواغل والصوارف، وتحريا لليلة القدر، هذه الليلة الشريفة المباركة، التي جعل الله العمل فيها خيرا من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: (ليلة القدر خير من ألف شهر) ( القدر 3).

في هذه الليلة تقدر مقادير الخلائق على مدار العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء، والآجال والأرزاق، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان:4).

وقد أخفى الله عز وجل علم تعييين يومها عن العباد، ليكثروا من العبادة، ويجتهدوا في العمل، فيظهر من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها، ومن كان عاجزاً مفرطا، فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهان عليه ما يلقاه من تعب في سبيل الوصول إليه.

الاجتهاد في العشر الأواخر

اهم ما يدعى إليه المسلم في هذه الأيام المباركة أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويجتهد في هذه الأيام والليالي، ويعرض لنفحات الرب الكريم المتفضل، عسى أن يصيبه نفحة من نفحاته لا يشقى بعدها أبدا، كما يستحب الإكثار من من الدعاء والتضرع، وخصوصا الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها ؟ قال: ( قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) رواه أحمد وغيره.

وعليه، ينبغي اغتنام بقية شهر رمضان فيما يقرب من الله، وبالتزوُّد للآخرة من خلال القيام بما يلي:

1 - الحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والقراءة وسائر القربات والطاعات، وإيقاظ الأهل ليقوموا بذلك كما كان يفعل. قال الثوري: أحب إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك.

وليحرص على أن يصلي القيام مع الإمام حتى ينصرف ليحصل له قيام ليلة، يقول النبي: "إنه من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". رواه أهل السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح.

2 - «اجتهد في تحري ليلة القدر في هذه العشر، فقد قال الله تعالى:  «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر: 3). ومقدارها بالسنين ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. قال النخعي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر. وقال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر ما تقدم من ذنبه". وقوله : (إيمانًا) أي إيمانًا بالله وتصديقًا بما رتب على قيامها من الثواب، و(احتسابًا) للأجر والثواب.

وهذه الليلة في العشر الأواخر كما قال النبي: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان". وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع؛ لقول النبي : "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان". وهي في السبع الأواخر أقرب؛ لقوله : "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي". وأقرب السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين؛ لحديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- أنه قال: (والله إني لأعلم أي ليلة هي الليلة التي أمرنا رسول الله بقيامها هي ليلة سبع وعشرين).

وهذه الليلة لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام، بل تنتقل في الليالي تبعًا لمشيئة الله وحكمته.

قال ابن حجر عقب حكايته الأقوال في ليلة القدر: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأواخر وأنها تنتقل. قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها.

وعليه، فاجتهد في قيام هذه العشر جميعًا وكثرة الأعمال الصالحة فيها، وستظفر بها يقينا بإذن الله عز وجل. والأجر المرتب على قيامها حاصل لمن علم بها ومن لم يعلم؛ لأن النبيلم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر.

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 13:07

ترشيد الاستهلاك الأسري

مدخل 

تعتبر الحاجة اليوم إلى فقه ترشيد الاستهلاك الشخصي والأسري من مقتضيات العصر الاجتماعية والاقتصادية، بل والأمنية أيضا، نظرا إلى عدة اعتبارات منها: أن حماية المستهلك بالتوعية وحماية الحقوق المادية والمعنوية له، يعتبر ذلك من صميم حماية حقوق الإنسان والوطن معا.كما يعتبر سعي المستهلك نفسه إلى الوعي بذلك من تمام ذكائهوصميم فطنته، إذا أراد النجاح في حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية والأخروية.

ومن ذلك أيضا أن التغيرات النوعية التي يعرفها العالم على كل المستويات وخصوصا المستوى الاقتصادي منه، والتقدم الرهيب التي تعرفه الشركات والماركات العالمية على مستوى الوعي بنفسية المستهلكين، والإمكانات الرهيبة التي تتوفر عليها على مستوى التسويق مما يجعل المستهلك يشتري السلعة شاء أم أبى، كان قادرا على الأداء من مورده الشهري أو يستلفها إلى أجل غير مسمى، وكل ذلك وغيره يفرز تحديات، وينتج آثارا حقيقية يؤدي عدم الوعي بها مسبقا إلى مشاكل شخصية وأسرية واجتماعية خطيرة...كانتشار المديونية وتضاعفها على مستوى الأفراد والأسر، من أكثر من جهة، مما يؤدي إلى التفكك الأسري والاجتماعي، وانتشار الأمراض النفسية والعضوية، والانتحار... 

وبما أن الشركات تتمتع -من جهتها-بحرية كبيرة في التسويق، وقدرة رهيبة في تجميل سلعتها، وتستطيع أن تصل إلى المواطن في أي بقعة من وطنه الحبيب، لتقنعه بقيمة منتجاتها، حيث يجد المسكين إعلاناتها تطارده في كل مكان واقعيا وافتراضيا، ولانشك بأنهاتطارده أيضا حتى في عالم النوموالأحلام، من كثرة ما يجد ملصقاتها في الشارع، وفي التلفاز، بل وتصله رسائلها التسويقية إلى هاتفه الشخصي، وبريده الإلكتروني، بل وإلى كل حساباته الافتراضية ..فإن كل ذلك يفرض على كل القوى الحية في هذا الوطن أن تحمي الطرف الذي لا حيلة له ولاقدرة، حتى يحصل شيء من التوازن بين الطرفين - على الأقل - على مستوى الوعي تحديدا، وذلك أضعف الإيمان. نعم تساهم في ترشيد الاستهلاك الشخصي والأسري، وتقابل ذلك القصف المتواصل للإعلانات من كل الجهات، بقصف مثله من المعلومات، كل ذلك وفق قانون الكل رابح؛ الشركات تربح ببيع سلعها، والمواطن يربح باستهلاك راشد، والمجتمع رابح لأن العلاقات الاقتصادية فيه تسير بمنطق يحفظ تماسكه، ويحمي وجوده ويضمن تقدمه.

وقد بقي العالم المعاصر ساكتا عن هذه الحقيقة حتى أعلنها الرئيس الامريكي جون كندي في 15 مارس عام 1962 في الكونغرس الامريكيبالقول :(ان شريحة المستهلكين هي الشريحة الكبيرة التي تؤثر وتتأثر بالاقتصاد إلا ان صوتها غير مسموع)، ومن ذلك اليوم اطلق جون كندي الحقوق الأربعة للمستهلك:

- الحق في السلامة.

-الحق في المعرفة.

-الحق في التثقيف.

-الحق في التعويض.

وهكذا تبنت الامم المتحدة هذه الحقوق لحماية المستهلك وترشيده.

مفهوم ترشيد الاستهلاك الاسري 

ويمكننا أن نبيّن المقصود بترشيد الاستهلاك الأسري بعيدا عن التعريفات الأكاديمية، ومكتفين بالمضمون الذي يقرب المعنى لعموم القراء فنقول بأنه: "الإنفاق المادي والمعنوي لسد حاجات الأسرة بمسلك إيجابي وراشد يضمن راحتها وتقدمها."

والمقصود بالإنفاق المادي؛ هو مصروفات الأكل والملبس وغيرها .. لكن الاستهلاك المعنوي على خطورته هو الغائب – للأسف - في اهتمامات جل الباحثين في مجال حماية المستهلك، وسوف أوضحه في هذا العرض بحول الله. 

ومقصودي بمسلك إيجابي؛ بمعنى غير مدفوع بتسرعوتأثر معين من إعلانات أو غيرها. 

والمقصود بالراشد؛ وهو الذي يقوم على وعي حقيقي بطرق الاستهلاك السليم.

يضمن راحة الأسرة: وذلك بتحقيق حاجياتها.

وتقدمها: بالتوفير المادي والمعنوي في صندوق التوفير العائلي والذي يحمي استقرار الأسرة ويزيد من رصيدها. 

بعض المظاهر السلبية للاستهلاك الاسري:

على مستوى الفردي:

هناك مظاهر متعددة، منها ما يتعلق بالرغبة الجامحة في امتلاك الأشياء ومنها أيضا بالشراهة في الأكل والشرب، إلى غير ذلك من المظاهر، ونبدأ بالأول، فنقول بأن العين لا تخطئ مجموعة من المظاهر الواضحة للعيان ولا تحتاج لا إلى دراسة ولا استبيان، ومن ذلك:

- حب الظهور والتفاخر بامتلاك الجديد: في الملبس، وهذا يفرض على أفراد الأسرة كثرة التسوق وشراء الألبسة المتعددة والمتنوعة والمواكبة للموضة ...وأيضا المنافسة الحامية في امتلاك الأشياء الجديدة، منها الهواتف النقالة، ومتابعة آخر الأنواع في ذلك، وكذا الحواسيب بأنواعها المكتبية والمحمولة، وكثرة استبدالها، رغم أن الأنواع السابقة كانت تعمل بشكل جيد، ولا ينقصها شيء؛ إلا متابعة الصعود في الأرقام الخاصة بهذه الماركة أو تلك..

طبعا هذه المظاهر تختلف من فرد في الأسرة إلى آخر، بحسب السن والوعي والجنس، فقد تكون الظاهرة أبرز لدى المراهقين من غيرهم، لما تمثله تلك الأشياء من قيمة نوعية تعزز من قيمتهم الشخصية ومعنوياتهم النفسية..

ومن المظاهر النوعية التي تبرز للعيان في جل المجتمع بدون استثناء نجد:

- الاهتمام الكبير بالمكياج والموضة: ولعل حجم هذا النوع من التجارة يظهر هذه الحقيقة في المجتمع؛ في كل الأسواق؛ الشعبية والكبيرة وغيرها.

وعلى مستوى المأكولات والمشروبات نجد بعض المظاهر الواضحة منها:

- البدانة: بكل مستوياتها الدنيا والمتوسطة والعليا، وأكبر مظاهرها بروز الكرش، وترهل عضلات الجسد بكثرة الدهون وقلة الرياضة،ومشكل البدانة الظاهرة تغذيها شراهة قاهرة، هي عند الكثير تنفيس كبير عن ضغوط نفسية، لكن ما تنتجه تلك الشراهة من تخمة قاتلة، قد لا يعلم الكثير ممن ابتلوا بتلك العادات السيئة؛ بآثارهاالمدمرة؛ من أمراض قلبية وكلوية وسكرية وغيرها من المتاعب البدنية والمصائب الصحية..

- على مستوى الجماعي:

- ارتفاع نسبة الديون الطويلة والقصيرة والمتوسطة، من المؤسسات البنكية، ومن الأفراد؛ كالأصدقاء أو الأقارب.

- هوس الشراء الواضح في المناسبات المتعددة: رمضان، العشر الأواخر، الأعياد، الأفراح المتنوعة، العطل، الدخول المدرسي... 

كثرة الطعام التي ترمى في القمامات: والتي قد لا تعفى منها أسرة، وهذه من العادات السيئة والمرفوضة في شريعة الإسلام، ويعلم الجميع بلا شك أن الطعام نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، ونعم الله ينبغي أن تصان عن الامتهان والاحتقار، ورمي الطعام عمداً في القمامات يدخل في كفران نعمة الله جل جلاله. والطعام له كرامة مقدرة في الإسلام فقد ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال :"أكرموا الخبز." ورأى مرة في منزله صلى الله عليه وسم كسرة خبز يابسة قدسقطت على الأرض فرفعها وأزال ما فيها من التراب، وقال: "ياعائشة أكرمي جوار نعم الله، فقل مانفرت من قوم فكادت أن ترجع إليهم"، والنصوص في هذا كثيرة. ومن كلام الحكماء في هذا الباب :[ الخبز يُباس ولايُداس ] .

أنواع الاستهلاك الأسري

- الاستهلاك المادي: 

وهو ما يخص الناس من أمور مادية كالأكل والشرب واللباس و المركب والسكن وغير ذلك.

- الاستهلاك المعنوي: 

وهذا النوع من الاستهلاك هو الأهم في نظري، لسبب بسيط؛ وهو عدم اهتمام الدارسين والمهتمين بحقوق المستهلك وتوعيته به. ويتعلق الأمر بأنواع متعددة ومتنوعة من الاستهلاك التي تدخل في هذا النوع منها:

- استهلاك الوقت والزمن:وذلك في الاهتمامات التي قد لا تعود بالنفع على الأسرة وأفرادها، بل ينعكس ذلك سلبا على حياتهم ومستقبلهم. وهذا النوع هو الأخطر والأعظم...حيث يستهلك الانسان ذاته ووجوده، وما الإنسان في حقيقته إلى أيام وساعات، إذا ذهب يوم ذهب بعضه...دون أن يلقي بالا واهتماما لخطورة ذلك.

وإذا ألقينا نظرة على فاتورة استهلاك الوقت عند الأسرة؛ فقد نصدم لهول ما نجد من حقائق مرعبة، حيث نجد معدلات إهدار الوقت خارج حسابات خدمة الأسرة خصوصا، مثلا معدلات جلوس الأزواج والأباء في المقاهي على حساب لقاء أفراد الأسرة..نسبة مشاهدة التلفاز والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على حساب اجتماع الأسرة وتواصلها واستمتاع بعضهم بلقاء بعض...وهذا الهدر وذلك الاستهلاك لن تجده محسوبا ضمن خسائر جل الأسر، في حين ذلك هو الربح ورأس المال العائلي الحقيقي. وللأسف قد يعيش الإنسان طول حياته ويلقى ربه دون أن يعلم بخطورة ذلك.

صدمت لما رأيت أحد الأصدقاء نشر على حائطه في الفايسبوك إحصائية خاصة بمكوثه في ذلك العالم الافتراضي حيث كان الرقمكالتالي.:قضى في الفايسبوك مدة4801 ساعة، بما يعادل 200 يوم على الفايس لسنة واحدة فقط، وهي سنة 2016 ميلادية.يعني أن صديقي هذا يقضي وقته في الفايس بمعدل 13 ساعة و 20 دقيقة يوميا. ألا يعتبر هذا إنذار خطير وإهدار رهيب لأوقات الأسرة والعمل والحياة الخاصة والعامة.

ومنها الاستهلاك العاطفي داخل الاسرة :

وقصدي في هذا أن كل أسرة قصدت أم لم تقصد؛ فإن لها رصيدا عاطفيا،وبنكا عاطفيا للعائلة ، وكل السلوكات تؤثر في رصيد هذا البنك سلبا وإيجابا، فمن قدم خدمة للأسرة فإن رصيده ينمو بقدر ذلك العمل،والعكس بالعكس. ولذلك فإن الأم هي صاحبة الرصيد الأوفى والأوفر لخدماتها الجليلة والرائعة لعائلتها. لكن المهم في هذا الموضوع أن ننتبه إلى سلوكاتنا داخل أسرنا، فإنها تؤثر في رصيد أسرتنا ورصيدنا فيها، فمثلا الذي يسيء إلى أسرته بشكل متكرر فقد يفقد أسرته بالكامل في يوم ما، وقد يتخلى عنه الجميع لسوء خلقه، ويظهر ذلك جليا في نسبة الطلاق التي بدأت ترتفع بشكل ملحوظ ومخيف في السنوات الأخيرة...ولذلك الكثير من الأسر لا تنتبه إلى الإسراف الرهيب والاستهلاك غير المبرر للعواطف السلبية بكثرة اللوم والتواصل السلبي والخلافات الأسرية غير المبررة وسوء الأخلاق وبذاءة اللسان وسخط الوالدين وغير ذلك، فكل هذا استهلاك معنوي، سيؤدي لا محالة إلى هلاك مادي ومعنوي للأسرة إذا لم تنتبه لخطورة ذلك. ومن هنا نفهم الميزان النبوي الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي." ونفهم الإنفاق المعنوي الذي يقدمه المسلم في أسرته، كما قال صلى الله عليه وسلم :"الكلمة الطيبة صدق...واللقمة يضعها الرجل في فم زوجته صدقة.."

ومنها الاستهلاك الثقافي والفكري:

الاستهلاك الثقافي والفكري جزء لا يتجزؤ من الاستهلاك المعنوي، ويتعلق الأمر باهتمام أفراد الأسرة بالجرائد والكتب والمجلات، والتيارات الفكرية والتنظيمات الجمعوية...وماذا يقرؤون، وماذا يهمهم من أفكار وأخبار؟؟..ومع أي توجه يتعاطفون؟ ومع من يحضرون ويستفيدون في التأطير الثقافي والتوجيه الفكري ..

ولا شك أن في كل ذلك توجيه لاهتمامات الأسرة واختياراتها في الحياة، وترتيب أولوياتها فيها، بل ومؤطر أساس في توجيه استهلاكها المادي كما ونوعا، بوجه من الوجوه.و قد يكون محددا لمصير الأسرة في الدنيا والآخرة.

وقد يتطور الأمر في هذا النوع إلى أن تصبح الأسرة ليست مستهلكة فقط للأفكار والقيم والتوجهات، بل تصبح منتجة ومساهمة في خدمة مجتمعها بما تستفيده من كل في عالم الثقافة والفكر والتربية والتوجيه.

ومنها الاستهلاك الإعلامي:

ويتعلق الأمر بكل منتوج إعلامي؛ فيلما كان أو أغنية او مسرحية أو غير ذلك، لأن كل ما يعرض في الاعلام يعتبر سلعة إعلامية، وقبل ذلك هو منتوج إعلامي مصنوع، له صنّاعه الذين لهم أهدافهم الخاصة والخالصة منها القيمية ومنها الاقتصادية .. ومنها غير ذلك. وكل أولئك لهم أهدافهم المادية والأدبية قطعا وطبعا، وإلا كانوا أغبياء .. وهذا يطرح السؤال على الأسرة؛ كيف تستفيد من هذا النوع من البضاعة؟ وتحافظ على هويتها وهوية أبنائها وقيمهم ومستقبلهم. كيف تنفتح على الثقافات الوافدة؟ وكيف تكسب أفرادها المناعة الفكرية والثقافية اللازمة لحماية هويتهم وقيمهم ووجودهم الثقافي والحضاري في هذا العالم المتغير؟

والعلاقة بين الاستهلاك المادي والاستهلاك المعنوي وأثر كل منهما في الآخر:

لا شك أن الاستهلاك المعنوي له أثر كبير في توجيه الأسرة وتشكيل وعيها وثقافتها ومسار حياتها، وهو بذلك مؤثر بوضوح في الاستهلاك المادي، ومن الدوافع الرئيسية إليه..أعطي مثالا واحدا فقط لذلك، يتأثر الزوجان مثلا بإعلان على التلفاز، فيذهبان لشراء المنتوج في السوق، لكن مسلك الرجل في التسوق غير مسلك المرأة، الأنثى غالبا ما تجد متعة كبيرة في التسوق، وخصوصا بجانب زوجها، لكن الزوج يغتاظ كثيرا في التسوق مع زوجته، والسبب في ذلك أن الزوجة مثلا لتشتري شيئا لا بد أن تمر على السوق كله، طولا وعرضا وعمقا، لتقارن بين الأنواع والألوان والأثمنة والمحلات وطريقة تعامل بائعي المنتوج.. بينما الزوج يحتاج للذهاب مباشرة لشراء المنتوج الذي يريد، ويرجع إلى البيت. وهذا الفرق الجوهري في التعامل مع التسوق؛ يسبب مشاكل كبيرة للكثير منالأسر، فالزوج يتهم زوجته بعدم امتلاكها للذكاء الكافي في التسوق، وأنها تضيع الأوقات والأشغال والفرص، بينما تتهم الزوجة زوجها بأنه لا يهتم بها ولا يكثرت لها، ودائما يعلق على تصرفاتها بما يقلقها ويقصد احتقارها، ولا يشتري لها الشيء حتى تندم على اليوم الذي ولدت فيه...وقد تتطور الأمور بين تسوق وآخر إلى انهيار العلاقة الزوجية لا قدر الله. والسبب هو عدم الاهتمام بالاستهلاك المعنوي، والمتمثل في أمرين مهمين على الأقل وهما : الوقت، والرصيد العاطفي للأسرة. والسؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذه المواقف؛ هل يستحق ذلك المنتوج في السوق كل ذلك الاستهلاك منالوقت.؟ وهل يستحق ذلك الخلاف حوله بين الزوجين إلى درجة تهديد العلاقة الزوجية؟ 

العوامل المؤثرة على الأسرة والموجهة لها في منهج الاستهلاك

لا شك أن هناك عوامل كثير رصدها علماء الاقتصاد وعلماء نفس وغيرهما، يمكن الاطلاع على ذلك بتفصيل في مظانه، لكن سأذكر بعضها باختصار، من ذلك:

- العامل المعرفي:
أهم سبب يدفع الناس إلى كثرة الاستهلاك السلبي؛ هوغياب الوعي، إذ أن طريقة تعامل فئة من الناس مع المال تنطلق من فهم خاطئ، باعتباره وسيلة للإنفاق ليس إلا، وهذا المسلك في الفهم قاصر جدا في استعياب قيمة المال ووظيفته الحقيقية في حياة الانسان.

العامل النفسي :
حيث يجد عدد مهم من الناس أحيانا في كثرة الشراء والاستهلاك متنفسا لنسيان هموم الحياة اليومية وتغيير اللأجواء وتفريغ الشحنات السلبيةوالضغوطات النفسية المتراكمة في البيت والعمل ورتابة الحياة لذلك فهم يهربون أكثر الأوقات من أنفسهم لكي تستعيد وجودها من خلال التسوق. بل منهم من يعتبر الشراء هو إثبات لوجوده، ولسان حاله يقول :"أنا أشتري إذن أنا موجود".

العامل الإجتماعي: 

حيث يلعب حب الظهور والتباهي والمقارنة بالغير عملا مهما في دفع الناس نحو التنافس في الشراء. ومن الأقوال الاجتماعية المشهورة في هذا الباب:" الكم الذي عندك ..يحدد قيمتك"

العامل الإعلامي:

حيث تلعب الإعلانات دورا كبيرا في إغراء المستهلكين وإغوائهم في الحقيقة بما تحمل كلمة إواء من معاني سلبية، واستمالتهم نحو شراء المنتج، بشتى أنواع التدليس والتزييف.

قواعد شرعية لتوجيه السلوك الاستهلاكي الأسري

هناك قواعد قرآنية ناطقة ناصعة البيان والدلالة سأثبتها بدون تعليق، وكفى بكلام الله تعالى بيانا وتفصيلا.

قواعد قرآنية:

قال الله تعالى :"وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَتُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ."( سورةالأعراف31).

قال الله تعالى :"وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً." (سورةالفرقان67)

وقال الله تعالى: "وَلَاتَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةًإِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَاتَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا" (سورةالاسراء 29)

وقال الله تعالى: "لِيُنْفِقْ ذُوسَعَةٍمِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا"(الطلاق: 7).

وقال الله تعالى: "وَلاَتُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوْا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ."﴿الإسراء: 26 - 27﴾.

قواعد منهجية لتوجيه السلوك الاستهلاكي الأسري

رتب حاجياتك وفق ميزانياتك:

دائماضع قائمة باحتياجاتك الأسبوعية والشهرية، والموسمية والسنوية، ورتب هذه القائمة ترتيبا تنازليا من الضرورات، إلى الكماليات، إلى الترفيهيات، وضع جدولا زمنيا لتحقيق وتوفير كل احتياج في حالة سماح ميزانيتك الخاصة، مع مراعاة الأولويات في كل ذلك.

لا للديون –القروض- مهما كانت الظروف: 

الكثير من الناس يعتبر القروض – وأعني الشرعية منها – حلا طبيعيا لسد حاجياته كلما انقضى راتبه، ولا يعلم المسكين بأن تبير الظروف بأقل الإمكانيات، والاستفادة من دروس الحياة بتدبير المصروف وفق رؤية استشرافية حكيمة ومدروسة، وبعيدة عن المزاجية، هو أفضل الحلول على الإطلاق. ألميستعذالرسول- صلىاللهعليهوسلم - مِن "غلبةالدَّين،وقهرالرجال"؟ لذلك فالعاقل هو الذي يفرَّمِنالدَّينفرارهمِنالأسد حتى لا يفترسه،وكم من الناس من افترسته الديون، وأصبح مهموما بين الناس، بل منهم من هرب من الحياة بطرق أليمة بسبب ذلك. 

ومن الصور المغرية – المغوية - في شأن الشراء بالقروض ما شاع في بعض المحلات من البيع بالتقسيط، فيفرح الكثير بشراء الجديد بالتقسيط وهو يتوهم أن ذلك مقدور وميسور، وينسى أنه سيدفع ثمن هذه الفرحة باهظًا إذا لم يستطع التسديد، ولن تشفع له إغراءات الإعلان، وتشويق الدعاية، وفرحته وسعادته بكل ذلك. ويجمع عليه ديون من هذا التقسيط ومن ذلك التقسيط ومن ذلك أيضا، وهكذا ..حتى يتمكن منه القرض فيصبح في الأرض حيران يقول يا ليتني ما فعلت.

ادخر 10 في المائة على الأقل من دخلك مهما كانت الظروف:

وهذا المسلك هو أفضل وسيلة للقضاء على كثرة الاستهلاك غير المجدي، وذلك بالتوفير للمستقبل، لأن الإنسان لا يعلم ما تخفيه الأيام في المستقبل، نسأل الله تعالى الخير في أيامنا كلها.

قواعد تربوية لتوجيه السلوك الاستهلاكي الأسري:

- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أو كلما اشتهيت اشتريت." حكمة عمرية خالدة، تعلمنا كيف نتحكم في نزواتنا وغرائزنا التي تدفعنا غالبا إلى الإسراف والتبذير.

- من الأقوال المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم :"نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع." ومن كانت هذه عادته لم ير الطبيب طول حياته، ويكون قد وفر علي نفسه ثمن الطبيب والدواء، وربح الصحة والعافية والزيادة في ادخاره.

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم - :"ما نقص مال من صدقة". وفي الصدقة بركات لا يعلمها إلا الله تعالى، ونجاة من الكثير من الابتلاءات. والصدقة زيادة في المال ومضاعفة له، قال تعالى  "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون" (البقرة245 ). وفي سورة الحديد " مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ." (سورة الحديد11)

وختاما فإنما الأسرة الناجحة هي الأسرة الحكيمة المحسنة في تصرفاتها، والتي لا تتأثر بالدعاية الإعلامية ولا الغواية الإعلانية، تملك إرادتها بالقوة والعزيمة الواعية، وتحسن إدارة مواردها المالية وفق الحكمة الإلهية، تدرك بعمق مقام الضروريات والحاجيات والترفيهيات، وتعطي لكل واحد مقامه بالميزان، ودون خسران، والله المستعان. 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

بقلم محمد الإدريسي

تواصلت سلسلة محاضرات البرنامج الرمضاني الذي ينظمه فرع حركة التوحيد والإصلاح بالرباط من خلال محاضرة ألقاها الداعية المغربي الدكتور عز الدين توفيق في محاضرة بعنوان "رمضان شهر الفرقان".

واستحضر عز الدين توفيق ثلاثة معاني للفرقان مذكورة في القرآن، وهي القرآن ويوم معركة بدر الكبرى وعلى المستوى الفردي.

وأشار الداعية أن معنى الفرقان في الموضع الأول ذكر في آية الصيام حيث أن هذا القرآن أنزل في ليلة مباركة وهي ليلة القدر وهي إحدى ليالي رمضان والراجح أنها في النصف الثاني وقع هذا الحدث العظيم وصفه الله تعالى بأنه الفرقان.

وأضاف المحاضر أن الله عز وجل عرف كتابه في آية الصيام وذكر كلمات ثلاثة هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فهو هدى وأدلته بينات وهو فرقان.

الفرقان بمعنى القرآن

 وأوضح توفيق أنه قبل نزول الوحي كان الناس لا يعرفون أين الخطأ وأين الصواب وأين الحلال وأين الحرام وكانت هناك جاهلية في الشريعة وجاهلية في العقيدة والأخلاق ولم تكن باقي المناطق في العالم أحسن حالا، إما رسالة سماوية محرفة حل محلها الشرك أو دين مبتدع لا يمسك بأثر سماوي.

وأكد عز الدين توفيق أنه بعد نزول القرآن أصبح في الأرض رجل يمثل الحق الذي سار عليه الأنبياء وأصبح في الأرض طائفتان واتجاهان الحق والباطل وبدا هذا الحق حتى أصبح له أتباعه يسيرون في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وانه دائما في كل زمان يكون مد وجزر من ينحاز إلى الحق ومن ينحاز إلى الباطل ومرة أهل الحق قلة ومرة كثرة.

ونبه المتحدث أن الله تكفل بهذا الكتاب حتى يبقى مستقلا عن الواقع البشري حتى إذا قرروا أن يكفروا به يبقى المرجع ويبقى محفوظا، والحق يتدافع مع الباطل في واقع الناس لكن المرجع محفوظ منصوب لكي يرجع له أهل الحق في كل مرة ولا يوجد كتاب بعده حتى قيام الساعة.

واسترسل الداعية الإسلامي أن عقائد الناس تعرض على هذه المرجعية التي هي القرآن فيميز الناس بين الحق والباطل والعدل من الظلم وسيبقى القرآن الكريم فرقانا في أيدي الناس الذين يحتاجون إلى الهدى وهي العقيدة والشريعة ويريدون هداية في مجال الاعتقاد وهداية في مجال السلوك والبينات هي حججه التي استدل بها أن هذا الغيب حق وأن هذا الشرع عدل وهي الحجج التي تأتي لتدعم الهدى وهو فرقان لأنه لم يكتفي ببيان الحق وحده بل بين الباطل الذي يقابله حيث ينسف الأديان الوضعية من الأصل وأما الأديان السماوية فهو يميز بين ما هو من البشر محرف وما هو من الوحي.

الفرقان بمعنى يوم معركة بدر الكبرى

وفي الموضع الثاني استحضر الدكتور عز الدين توفيق الفرقان بمعنى يوم معركة بدر الكبرى التي سمى فيها الله تعالى يوم بدر يوم الفرقان وفي هذا اليوم وقع فرقان فرعي، وكان المشركون يراهنون أن هذه المعركة ستستأصل المسلمين فظهر النفاق ودخل الكفار للإسلام نفاقا للوقيعة والدسائس.

وأوضح المحاضر أنه مضت الأحداث حتى وقع فتح مكة بعد ست سنوات من نصر بدر والجديد هو أنها انتهت قريش المشركة وانتهت مكة الجاهلية وأضحت دار الإسلام وبدأ عهد جديد في تاريخ الإسلام ومن تقدير الله أن فتح مكة جاء في رمضان والحقيقة أن فتح مكة هو امتداد لمعركة بدر فإذ لم تكن بدر ما كان فتح مكة فهو فرقان فرعي للفرقان الأول.

الفرقان بمعنى الفرد

كما استعرض الدكتور عز الدين توفيق الموضع الثالث من معنى الفرقان وهو فرقان لأهل الأرض حيث جاءت غزوة بدر لتكون فرقانا لمسيرة الدعوة الإسلامية قبل عهد كان ينظر للمسلمين أنهم قلة مستضعفون لكن الله ربط هذا الفرقان الفردي بالتقوى إذ لا يكفي أن يكون عند الإنسان العلم بالإسلام ليكون عنده الفرقان لأن هناك الكثير من الناس يكون عنده العلم ولا يكون عنده التقوى ويكون العلم بالدين ولا تكون هناك الخشية.

وأضاف توفيق أن الحقائق تكون مشوشة قبل محطة رمضان بالذنوب والمعاصي لكن في رمضان يقترب من الصورة أكثر وضوحا ويتمنى أن هذا  الحال سيستمر حتى يصل إلى اليقين وهل هذه الحقائق ساطعة لامعة أم مشوشة ومضببة.

والتقوى - يضيف المحاضر - هي أن يكون أكثر تحرجا من المعاصي ولا فرق لديه أن يكون وحده أم مع الناس وحتى يأتي آخر الشهر يجد منسوب الإيمان قد ازداد وهذا هو الفرقان.

يذكر أن المحاضرة التي ألقاها الدكتور عز الدين توفيق بالمقر المركزي لحركة التوحيد والإصلاح بالرباط تعتبر المحاضرة ما قبل الأخيرة في البرنامج الرمضاني الذي ينظمه فرع الرباط.

الإصلاح

السبت, 02 حزيران/يونيو 2018 13:37

رمضان شهر الإنتصارات.. (4) غزوة بدر الكبرى

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم غزوة بدر الكبرى.

في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى، التي أطلق عليها القرآن الكريم “يوم الفرقان”، وهي أولى المعارك المهمة في التاريخ الإسلامي، حيث كان عدد المسلمين فيها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وعدد المشركين تسعمائة و خمسين رجلاً.

غزوة بدر هي غزوةٌ وقعت بين المسلمين وكفّار قريش، في السابع عشر من شهر رمضان المبارك في العام الثاني للهجرة. وكانت هذه الغزوة المعركة الفاصلة في تاريخ الدولة الإسلاميّة، حيث انتصر فيها المسلمون رغم الفرق في القوّة العسكريّة بين المسلمين وكفّار قريش، إذ كان عدد المسلمين حوالي ثلاثُمائةٍ مقاتل في حين كان عدد المقاتلين كفّار قريش حوالي ألف مقاتل.

تولّى قيادة المعركة في صفوف المسلمين رسول الإسلام محمّد وحمزة بن عبد المطّلب وعلي بن أبي طالب، وتولّى قيادة صفوف المشركين أبو جهل وعتبة بن ربيعة وأميّة بن خلف.

مكان وقوع غزوة بدر

وقعت غزوة بدر في منطقة بدر التي تشتهر بوجود الآبار، حيث تقع جنوب غرب المدينة المنوّرة، وتقدّر المسافة الّتي تبعدها عن مكّة المكرّمة 343 كيلومتر، في حين تبعد عن المدينة المنوّرة حوالي 153 كيلومتر. وسُمّيت هذه الغزوة باسم غزوة بدر نسبة إلى مكان وقوعها. ولها عدّة أسماء مثل غزوة بدر الكبرى، وغزوة بدر القتال، وغزوة يوم الفرقان.

أحداث غزوة بدر

في السنة الثانية من الهجرة هاجر المسلمين من مكة إلى المدينة، وتركوا أموالهم في مكة، فاستولى عليها كفّار قريش، وعندما علم المسلمون بقدوم قافلة من الشّام لتجارة قريش بقيادة أبي سفيان قبل إسلامه، قرّر الرسول عليه الصلاة السلام ملاقاة هذه القافلة لاسترجاع أموال المسلمين التي أخذتها قريش من المسلمين قبل الهجرة.

وصل خبر نيّة المسلمين بملاقاة القافلة لأبي سفيان فسلك طريقاً آخر ووصل إلى قريش وأخبر أهل قريش، فعزموا على قتال المسلمين والقضاء على الدولة الإسلاميّة نهائيّاً.

علم المسلمون باستعداد كفّار قريش لمحاربتهم، فجمع الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين لأخذ مشورتهم فأيّدوا جميعهم ملاقاة كفّار قريش. استعدّ المسلمون للحرب نفسيّاً ومادّيّاً وتكتيكيّاً، وأنزل الله سبحانه وتعالى السكينة والهدوء عليهم قبل المعركة، لقوله تعالى:" إذ يُغشّيكمُ النّعاسَ أمنةً مِنهُ ويُنَزّلُ عليكُم منَ السّماءِ ماءً لِيُطهّرَكُم بهِ ويُذهِبَ عَنكم رِجزَ الشّيطانِ ولِيَربِطَ على قُلوبِكُم ويُثَبّتَ بِهِ الأقدامَ" صدق الله العظيم.

خطّط الرسول عليه الصلاة والسلام للمعركةِ، حيث جعل صفوف المسلمين تقابل المغرب بمعنى أنّ الشمس في ظهر المقاتلين المسلمين، وقام الرسول الكريم عليه السلام بترتيب وتسوية صفوف المسلمين لتكون مستقيمة ومتراصّة.

أنزل الله ملائكته لمؤازرة المسلمين وتثبيتهم لقوله تعالى:" وأَعِدّوا لَهم ما استَطَعتُم مِن قُوّةٍ وَ مِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوّ اللهِ وَعَدُوّكُم وآخرين مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُم الله يَعلَمُهم وما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سبيلِ الله يُوَفّ إليكُم وأنتُم لا تُظلمون" صدق الله العظيم.

الإصلاح

 

تستضيف أمواج إذاعة "إم.إف.إم راديو mfm radio " رئيس حركة التوحيد والإصلاح "الأستاذ عبد الرحيم شيخي" مساء اليوم الجمعة فاتح يونيو 2018 بداية من الساعة الحادية عشر مساء (23:00) إلى غاية الساعة الواحدة بعد منتصف الليل (01:00).

ويحل رئيس حركة التوحيد والإصلاح ضيفا بالإذاعة المذكورة من خلال برنامج "المواجهة" الذي يعده الزميل الصحفي "عادل بلحجام".

الإصلاح

كتب العلامة محمد الروكي قصيدة يرثي فيها الراحل المفكر والعلامة والمجاهد الدكتور إدريس الكتاني الذي توفته المنية مؤخرا ووري جثمانه إلى مثواه الأخير نهاية الأسبوع الماضي.

وكتب الروكي في صفحته على الرسمية على فضاء التواصل الاجتماعي "فايسبوك" "إلى روح العلامة الكبير والمفكر القدير ومربي الاجيال ومحقق الآمال المدافع عن الشريعة الإسلامية وحرماتها والمنافح عن اللغة العرببة .

إلى روح مؤسس نادي الفكر الاسلامي الذي جعله للقيام برسالة الثقافة الاسلامية والدفاع الهوية المغرببة والذات الاسلامية باللسان والقلم والحوار ..
إلى الذي جاهد من أجل حفظ الثوابت الدينية والوطنية للمغرب 

إلى روح الأستاذ الدكتور مولاي ادريس بن محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله ورضي عنه وأرضاه واسكنه فسيح جناته وقدس سره ونور ضريحه أهدي هذه القصيدة".

وعنون العلامة الروكي قصيدته التي ينعي فيها الراحل إلى دار االبقاء العلامة والمجاهد إدريس الكتاني ب"دموع على الفراق" وإليكم نص القصيدة كما نقلها موقع "الإصلاح" عن صفحته الرسمية على الفضاء الأزرق:

دموع على فراق عالم
**********
أيُّ خطب من الزمان رماني***ومُصابٍ قد حلَّ بـي فدهانــــي 
أي رزءٍ من الرزايا تــــمطّى***عابساً مثقلاً بأحــمرَ قـــــــــانِ
قد أتانا النَّعِيُّ وهو ينـــــــادي***بلسانٍ ويـاله من لســـــــــــــان
قائلاً: مات مات شيخ المعالي***غاب إدريسُ عن عيون زماني
مات أُستاذنا الحبيبُ وَولــَّــى***عن وجوه الأحباب في رمضانِ
غاب عنا من عاش شهما أبياًّ***ووفياَّ للحـق دون تــــــــــــوان
وطنياًّ مجاهدا وغــــــــــيورا***وشجــاعا يرتاد فوق عنــــــان
رحل الفارس المنافح، عـــنا****ومضى يبــتغي نعيم جنــــــان
رحل العالم المفكر عـــــــــنا*** وتوارى عــن الورى في أمان
فعيون الأحباب تذرف دمـعاً***قد تلظَّى بساخنات الزمــــــــان
وجفون النادي تكفكف دمــعا*** ساخنا قد جرى بكل معـــــان
و مداد القرطاس سال دموعاً***حزنا أن يجف سيل بنـــــــــان
وحقول التأليف أضحت قفاراً***من زهور تعانقت وأغـــــــــان
لَهْفَ نفسي ولهْف لهف فؤادي*** إنني من فراقه لأعـانــــــــي
فلقد كان في الجلاد هزبـــــرا***حذرا كل لحـظة و ثـــــــــوان
وإذا ما الطعون في الدين لاحت***يتصـدى لها بكـل سنـــــــان
لغة الضاد قد حباها بسيــــفٍ*** من خطـاب يصـد كل هـوانِ
كم له من مواقف العز تعلـــو***صفحـات التاريخ فهي عـــوان
إنه أن يغب بشخصه عـــــنا***فهو بـاقٍ بفكره المتدانــــــــي
نَوّر الله بالبهاء ضريـــــــــحا*** فيه إدريس قد ثـوى بأمـــــان

محمد الروكي 
فاس في : 11 رمضان 1439 هــ
الموافق: 27.05.2018 م

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم معركة فتح الأندلس.

alhambra4

بعد أن ولَّى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك قائده موسى بن نصير على المغرب ، استطاع أن يفتح طنجة ، وترك بها حامية يقودها مولاه طارق بن زياد ، ومنذ ذلك الحين بدأ طارق يتطلع لفتح بلاد الأندلس التي لم يكن بينهم وبينها إلا خليج يسير ، وكان ميناء سبته هو أقرب المدن إليه ، وكان حاكمها هو الكونت يوليان الذي كان نائباً للإمبراطور البيزنطي لذريق حاكم طليطلة ، ولكنه تحرر من سلطان الدولة البيزنطية ، وأصبح كالحاكم المستقل في سبتة وما حولها ، بسبب أحقاد كانت بينهما، وذلك أن لذريق اعتدى على عِرض ابنةيوليان بعد أن بعث بها إليه لتخدمه واستأمنه عليها. وقد استفاد موسى من هذه الخصومة وراسل يوليان حتى كسب وده ، وصار دليلاً لهم في تلك البلاد.

وعندها كتب موسى بن نصير يستأذن الخليفة في أن يوسع دائرة الفتح لتشمل بلاد الأندلس ، فرد عليه الوليد بن عبد الملك قائلاً له : " خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها ، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال"، فكتب إليه موسى مبيِّنا له أنه ليس ببحر خِضَمّ، وإنما هو خليج يبين للناظر منه ما خلفه " ، فرد عليه الوليد بأنه لا بد من اختباره بالسرايا قبل خوضه واقتحامه.

فأرسل موسى رجلاً من البربر يسمى طريفاً في مائة فارس وأربعمائة راجل ، وجاز البحر في أربعة مراكب ، مستعيناً بيوليان ، وكان دخوله في شهر رمضان سنة (91هـ)، فسار حتى نزل ساحل البحر بالأندلس ، فيما يحاذي طنجة ، وهو المعروف اليوم بـ" جزيرة طريف " التي سميت باسمه لنزوله فيها ، فقام بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل ، وغنم فيها الشيء الكثير ، ثم رجع سالماً غانماً ، وكان في ذلك تشجيعاً لموسى بن نصير على فتح الأندلس.

وبعدها انتدب موسى لهذه المهمة طارق بن زياد ، فركب البحر في سبعة آلاف من المسلمين ، أكثرهم من البربر ، وتذكر الروايات أنه لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحوله المهاجرون والأنصار ، قد تقلدوا السيوف ، وتنكبوا القِسيّ ، ورسول الله يقول له: " يا طارق تقدم لشأنك" ، ونظر إليه وإلى أصحابه وقد دخلوا الأندلس قدّامه ، فهب من نومه مستبشراً ، وبشَّر بها أصحابه ، ولم يشكوا في الظفر.

ورست السفن عند جبل لا يزال يعرف حتى اليوم بـ " جبل طارق " ، وكان نزوله في رجب سنة (92هـ)، ولما نزل فتح الجزيرة الخضراء وغيرها، وبلغ لذريق نزول المسلمين بأرض الأندلس، فعظم ذلك عليه، وكان غائباً في بعض غزواته، فجمع جيشاً جراراً بلغ مائة ألف.

hqdefault

وكتب طارق إلى موسى يطلب منه المدد ويخبره بما فتح الله عليه ، وأنه قد زحف عليه ملك الأندلس بما لا طاقة له به ، فبعث إليه موسىبخمسة آلاف مقاتل معظمهم من العرب، فتكامل المسلمون اثني عشر ألفاً ومعهم يوليان يدلهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار، فأتاهم لذريق في جنده والتقى الجيشان على نهر لكة ، يوم الأحد لليلتين بقيتا من رمضان سنة (92هـ)، واستمرت المعركة ثمانية أيام، وأخذ يوليان ورجاله يخذلون الناس عن لذريق ويقولون لهم: " إن العرب جاؤوا للقضاء على لذريق فقط ، وإنكم إن خذلتموه اليوم صفت لكم الأندلس بعد ذلك"، وأثر هذا الكلام في الجنود فاضطرب نظام جيشه، وفر الكثير منهم، وخارت قوى لذريق ، لما رأى جنده يفرون أو ينضمون للمسلمين، وهجم طارق على لذريق فضربه بسيفه فقتله، وقيل: إنه جرحه، ثم رمى لذريق بنفسه في وادي لكة فغرق ، وهزم الله لذريق ومن معه وكتب الغلبة للمسلمين.

وبعد هذه المعركة توسع طارق في الفتح، وتوجه إلى المدن الرئيسية في الأندلس، ففتح شذونة ومدوّرة، وقرمونة، وإشبيلية، واستجة، واستمر في زحفه حتى انتهى إلى عاصمة الأندلس "طليطلة" وتمكن من فتحها، وحينها جاءته الرسائل من موسى بن نصير تأمره بالتوقف.

ودخل موسى الأندلس في رمضان سنة (93هـ) في جمع كثير قوامه ثمانية عشر ألفاً، ففتح المدن التي لم يفتحها طارق كشذونة، وقرمونة، وإشبيلية، وماردة.

وهكذا تُوِّجت هذه الانتصارات التي تحققت في هذا الشهر المبارك ، وكان لها أعظم الأثر في بقاء سلطان المسلمين في الأندلس لمدة ثمانية قرون من الزمان، أقاموا فيها حضارةً لم تعرفها البشرية كلها، حتى حل بهم داء الأمم قبلهم، وفشا فيهم التنازع والاختلاف والأثرة، فانشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم، فحقت عليهم سنة الله التي لا تحابي أحداً: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} (الأنفال:46).