السبت, 23 أيلول/سبتمبر 2017 11:56

قرطاح يكتب: الهجرة النبوية والتأريخ الإسلامي

  1. التأريخ بالهجرة الاختيار الحصيف

      كان اختيار عمر بن الخطاب tحدث الهجرة ليصير فاتحة التاريخ الإسلامي أحد تجليات عبقريته التي شهد له بها رسول الله rحين قال: فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ[1].

لقد عرضت على عمر أحداث أخرى لتكون منطلقا للتأريخ كمبعث النبي صلى الله عليه وسلم أووفاته، ولكنه اختار حدث الهجرة النبوية عن وعي وإدراك لقيمته بالنسبة للأمة الإسلامية، وعلل اختياره ذاك فقال: الهجرة فرقت بين الحق والباطل.

     قال ابن  حجر: " وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ عَمَلِ عُمَرَ التَّارِيخَ أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ؛ فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ، وَبَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ"[2].

ولعل قصد عمر tمن ذلك أن الهجرة كفعل بشري وحدث تاريخي كان له الفضل في الفصل بين مرحلتين في تاريخ المسلمين، أولاهما مرحلة ما قبل الهجرة حيث كانت الصولة والكلمة العليا للجاهلية بقيمها وأفكارها ونظمها الاجتماعية؛ أما المرحلة الثانية فهي مرحلة بناء الأمة الإسلاميةككيان مستقل بشخصيته ورسالته ومؤسساته. وإذا شئنا أن نشبه تاريخ الأمة الإسلامية بعمر الإنسان فإن مرحلة ما قبل الهجرة يمكن أن نعتبرها المرحلة الجنينية للأمة، أما ساعة الهجرة فهي لحظة الولادة والخروج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا والبدء في مشوار الحياة.

ولو حاولنا أن نتفهم سبب إعراض عمر tعن التأريخ بالبعثة النبوية فيمكن أن نقول إنها ـ أي البعثة النبويةـ لوحدها لم تكن كافية لقيام أمة، فكم من الأنبياء الذين بعثوا لكنهم لم يخلفوا من وراءهم أمة؛ فكأين من نبيء قتل، وكم من نبيء بعث فما آمن معه إلا قليل. قال عليه الصلاة والسلام: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ"[3].

أما اقتراح التأريخ بوفاته صلى الله عليه وسلم فلا أظن أنه كان سيلقى قبولا من أحد من المسلمين، فقد كانت وفاته uمصيبة طاشت بها عقولهم، وكلما تذكروها تجددت عليهم الأحزان، فأنى تكون فاتحة للتأريخ عندهم.

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «مَاعَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ مِنْ وَفَاتِهِ، مَاعَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ»[4].

على أنه قد نجد أياما أخرى عظيمة كان من الممكن اقتراحها لتكون منطلقا للتأريخ عند المسلمين كيوم بدر ويوم فتح مكة. فيوم بدر سماه الله تعالى يوم الفرقان تنويها بشأنه،ولكنه مع عظمة شأنه ليس إلا فرعا عن أصل أعظم هو الهجرة. ولا أدل على ذلك من القرآن الكريم ذاته، فحين أذن الله تعالى المسلمين بالقتال تزامن ذلك مع إرهاصات الهجرة حيث وقعت بيعة العقبة الثانية، وقد جعل سبحانه من مبررات ذاك الإذن الإخراج القسري من مكة الذي تعرض له المسلمون فقال سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 39، 40]

وأما فتح مكة فإنه يعتبر تتويجا لمسار طويل وشاق من الأعمال العظيمة كالغزوات و المعاهدات والمصالحات تراكمت نتائجها لتمهد لفتح مكة، فلو تم التأريخ من يومه لربما أدى ذلك إلى طمس ما سبقه من منجزات ونسيانها.

    وخلاصة القول فإن عمر tباختياره للهجرة النبوية كان يؤرخ لنشأة الأمة الإسلامية، تلك الأمة التي عايش مرحلتها الجنينية في مكة، وميلادها بالهجرة وعنفوان شبابها بالمدينة.وكان يريد للأجيال الجديدة أن تحتفظ ذاكرتهم بما تشبع به حدث الهجرة من معان ودلالات عظيمة وأن تتوارث الأجيال التالية تلك المعاني عسى أن تواصل المسيرة التي بدأها جيل الصحابة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم.

  1. الهجرة النبوية الحدث الملهم للأمة الإسلامية

كان فعل الهجرة وسيظل حدثا ملهما للمسلمين، يوقظ فيهم أحاسيس العزة والكرامة، ويحشد عزائمهم للعمل الجاد، ويفرغ في صدورهم كثيرا من معاني الصبر والتضحية واليقين في الله والتوكل عليه.

    ربما لم يتوقف البشر عن الهجرة عبر التاريخ المديد للإنسانية، لكن عند استعراض أسباب الهجرات البشرية فغالبا ما تذكر الكوارث الطبيعية كالجفاف والتصحر، أو الأزمات كالمجاعة، أو الحروب، فيهاجر الناس بحثا عن أسباب العيش أو عن الأمان؛وحين يذكر الأبناء والأحفاد تلك الهجرات يذكرونها مع الشعور بكثير من الحزن والأسف لما تعرض له آباؤهم المهاجرون.

أما الهجرة النبوية فقد كانت شيئا مختلفا تماما عن غيرها من الهجرات، لقد كانت انتصارا صادقا للمبادئ والقيم الدينية، وإعلاء سلميا لكلمة الله، وتعاليا وترفعا عن الوشائج المادية ومشاعر الحمية والقبلية. وحين نذكرها نحن اليوم نذكرها وصدورنا تمتلأ بمشاعر الفخر والاعتزاز بذاك الصمود الأسطوري الذيسطره ذلك الجيل من الصحابة برجاله ونسائه وحتى أطفاله، وترتوي قلوبنا بقدر عال من العزيمة على مواجهة الاستبداد والجبروت.

لقد هاجر الصحابة رضوان الله عليهم من قبل إلى الحبشة، ووجدوا فيها موطنا يضمن لهم حرية العبادة والأمن والأمان على أنفسهم، لكن النبي عليه السلام لم يقنع بذلك، بل واصل جهوده ليلا ونهارا في البحث عن موطن تكون فيه الكلمة العليا للإسلام، ويقيم فيه مؤسساته الدينية، ويُحَكم فيه شريعته، ويكون موقعا حصينا لتبليغ رسالته،حتىتكللت جهوده بالنجاح في ساعة من الليل في أحد شعاب مكةحين التقى بوفد من أهل يثرب الذين آمنوا به ورحبوا بإيوائه هو ومن معه، وعاهدوه على نصرتهحتى يظهر الله دينه. 

خرج الصحابة رضي الله عنهم إلى يثربأفرادا وجماعات،وكل واحد منهم يحمل معه قصة من التضحيات في سبيل اللحاق بالموطن الجديد. فهذا صُهَيْبُ بن سنان الرومي حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ، وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي[5]. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ: رَبِحَ البَيْعُ أبا يَحْيَى، وتلا قول الله تعالى:}وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ{[البقرة الآية: 207] .[6]

وتلك أم سلمة تخرج هي وطفلها مهاجرة إلى المدينة بعد سنة كاملة من المنع والتفريق بينها وبين زوجها وابنها حتى صارت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة[7].

وحين وصل النبي r إلى المدينةرفقة صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه أقدم على إجراء ثلاثة أعمال كبرى هي بناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وتوقيع معاهدة المدينة. وبمجموع هذه الخطوات وضع المسلمون أنفسهم أمة بين الأمم المحترمة يؤدون رسالتهم التي كلفوا بها ويسهمون بنصيبهم في الحضارة الإنسانية، ويواجهون الطغيان بما يستطيعون {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج: 41].

وقد حرص النبي rعلى أن يبقى للهجرة معانيها القيمية ومدلولاتها النفسية، وأن لا تتحول إلى مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى بدون موجب أو مقتض، فدعا u المسلمين إلى التوقف عن الهجرة من مكة بعد فتحها، لكنه بالمقابل دعا إلى مواصلة الجهاد وإخلاص النية لله مع الحفاظ على سرعة الاستجابة للنفير، وهي شروط ضرورية للحفاظ على حيوية الأمة ويقظتها.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لاَهِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَااسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»[8].

     ذلك هو حدث الهجرة، بزمانه وأشخاصه ووقائعه، سيظل معينا لا ينضب للأمة الإسلامية من القيم التربوية والعبر البليغة، وسيظل مستوى الاحتفال به يعكس إلى حد بعيد حال الأمة وموقعها بين الأمم، ويجيب على السؤال الذي يرتسم على شفاه أبنائها الغيورين على حالها: هل نريد لنا موقعا محترما بين الأمم، أم رضينا أن نبقى على هامش التاريخ؟

[1] ـ صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.

[2] ـ فتح الباري (7/ 268) في شرحه لترجمة البخاري بَابُ التَّارِيخِ، مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ؟ من كتاب مناقب الأنصار.

[3] ـ صحيحمسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.

[4] ـصحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، بَابُ التَّارِيخِ، مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ؟

[5] ـ سيرة ابن هشام ت السقا (1/ 477)

[6] ـ المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم، باب ذكر مناقب صهيب بن سنان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[7] ـ سيرة ابن هشام ت السقا (1/ 470)

[8] ـ صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير.