Friday, 25 August 2017 18:56

يتيم ينعي الشيخ زحل: بيننا وبينهم الجنائز

كتب الأستاذ محمد يتيم؛ القيادي الإسلامي ووزير الشغل والإدماج المهني على حسابه الشخصي "فايسبوك" تدوينة ينعي فيها الشيخ العلامة محمد زحل رحمه الله ويذكر ببعض خصاله وماضيه:

“وصلت متأخرا عن تشييع جنازة الشيخ زحل بسبب التزامات حكومية وقصدت توا بيت الفقيد. كان في انتظاري على مقربة من الحي الذي يسكن فيه احد رفاق الدرب القدامى ومحبي الشيخ زحل الاخ “البهي” الذي لم يتخلف منذ عرفته في الايام الاولى للشبيبة الاسلامية الى يومنا هذا عن اي نشاط داخلي او خارجي او تظاهرة ثقافية او دعوية او نقابية من قبيل مظاهرات فاتح ماي او نشاط حزبي ..

ما ان التقيت ابنه معاذ وابناءه الآخرين وعددا من محبي الشيخ زحل وتلامذته حتى تردد في خاطري ومسمعي صوت الشيخ زحل وهو يشرح قوله تعالى:”يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون”، يشرحها بلغة عربية متينة سهلة ممتنعة، وبلسان ذي نكهة صوتية امازيغية، وكان هذا اول ما قلته لابنائه، وكيف ان شرحه تلك الآيات لم يمح من ذاكرتي الى اليوم، وإنني كلمت سمعت تلك الآيات تتلى او تيسر لي تلاوتها الا تذكرت المعاني التي ذكرها الشيخ زحل رحمه الله !!

تذكرت في تلك اللحظة بلاءه في التدريس والتعليم والوعظ والإرشاد، فزحل ومجالسه وخطبه لم تكن مجالس او خطبا او دروسا عادية بل كانت مدرسة علمية فيها العمق العلمي والفقهي والفكري والأدبي والتاريخي تشهد لها ردهات المساجد التي اعتلى منابرها خطيبا وواعظا ومدرسا من قبيل اول مسجد استمعت فيه لخطبة قرب “كراج علال” ومسجد عين الشق ومسجد “الشهداء”حيث برز نجم المقرئ “حسن غربي”.

تذكرت حين كان يستقبلنا في بيته المتواضع، ولعله في (بين لمدون) بكامل الترحيب والود والحرص على رفع الحرج والكلفة يعتمد في ذلك على النكثة البليغة وروح الدعابة التي لا تفارقه حيث يُحد لكل حالة ما يدعمها من نكث تراثية وأدبية وشعرية ومن الأدب الشعري ومن الأمثال الامازيغية ..

وَمِمَّا يحضرني منها انه كان ينعثني عند تكليفي بمسؤولية الحركة عند الانفصال عن الشبيبة وتأسيس الجماعة الاسلامية ب “الامير المستور” او “الغايب” دلالة على ما كان يطبع سلوكنا من فرط السرية وفَرَّط الاحتياط في التواصل والشعور الموهوم بكوننا مرصودين ومتابعين على الدوام !

كان الشيخ زحل رجلا قوي البديهة، متيقظ الذكاء، له في كل حالة وحديث ما يستشهد به من حكم وقصص ومواقف تاريخية، فضلا عن انه رجا نكثة رفيعة !!

ومنا اذكره انه ذات يوم ونحن ذاهبون لزيارة رفيقه في الدرب الحاج علال العمراني الذي كان واحدا من جيل المؤسسين المربين للاجيال ممن سموا في ادبيات الحركة انذاك ب”المعلمين”، وكان الحاج علال يسكن في عمارات “بورنازيل” في اخر طبقة من واحدة منها، وبعد ان يكون الجهد قد اخذ يأخذ منه ما اخذ، فيقول: “اذن يا اخي” كناية على اننا صعدنا صومعة وليس عمارة !!

لا يمكن ان تحضر لعزاء الشيخ زحل دون ان تستحضر كفاح الرجل وبلاءه وخاصة رجالا من جيله ممن ندين لهم بالفضل علينا ومن العرفان تذكرهم وذكرهم .

لا يمكن الا ان اذكر الاستاذ عبد الكريم مطيع، وربما سيفاجا البعض من هذا العرفان، فالرجل مهما كان لنا معه من خلاف، وان كانت السبل قد تفرقت بيننا وكان لنا خيار اخر في الدعوة والحركة والسياسة فهو خلاف للتاريخ اصبح وراء ظهورنا، لكن لا يمكن ان ننسى للرجل انه قد فتح لنا بيته ونحن شباب صغار واحاطنا بكرمه ونحن الذين ننحدر من احياء هامشية، واسهم في إذكاء وعينا السياسي والحركي في وقت مبكّر بغض النظر عن صوابه او خطئه وصوابنا او خطئنا،

وقد كان الشيخ زحل من رفاقه في تأسيس العمل الاسلامي وهو واحد ممن عملوا على تأمين مضمونه العلمي والتربوي والاخلاقي، وكان احد رموز ما كان يسمى بتوجه او مجموعة “المعلمين” التي كانت ترمز انذاك للاعتدال والوسطية والتعقل وتناضل من اجل التأصيل التربوي والاخلاقي والعلمي في الحركة وتحصين الشباب والتحذير من مخاطر الاندفاع السياسي النزوعات ” الثورية ” و ” الانقلابية “

ومنهم ايضا الاستاذ ابراهيم كمال الذي كان في الحقيقة احد رجالات مدرسة المعلمين الذي كان يتولى مهمة التوجيه التربوي في كل اللقاءات التي كان يجمعنا فيها مطيع نحن التلاميذ المقبلون على المرحلة الجامعية .

لا يمكن ان الا ان تتذكر في هذه المناسبة رجالا من هذه المدرسة لهم بعد الله الفضل علينا وعلى جيلنا منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بذلوا تبديلا من قبيل السي احمد الزيدوني والسي عمر عصامي والسي عبد اللطيف الحمداوي والسي احمد الديني (القنيطرةً) والسي عبد الله اشبابو والسي احمد الحداد والشيخ القاضي برهون، والأستاذ ادريس شاهين والحاج لعربي لعظم وبر تغراس..وو.. ورجالا اخرين ممن لا اذكرهم الان .. رحم الله الأموات واطال عمر الاحياء.

تذكرت وانا أتقدم بالتعازي لابناء الشيخ زحل لحظات لا تنسى منها الجمع العام للجماعة الاسلامية صيف 1981 ببوسكورة في ضيعة صغيرة كان فيها مسكّن احد محبي الشيخ زحل الحاج “بولحية”، الجمع العام الذي لم يتجاوز أعضاؤه بضع عشرات، حيث تم انتخابي مسؤولا عن الحركة وانا ابن الخمسة وعشرين عاما، واذكر انه حينها تم الوضع اللبنة الاولى للتداول الذي سمي حينها ” الجرح والتعديل ” وكان ذلك من اقتراح الشيخ زحل رحمه الله،

وما زلت اتساءل عن سر تواضع رجال كبار يسلمون قيادة حركة خرجت من ازمة بنيوية لشباب صغار وهم أعلم وانضج، لكني افهم الان ان الشيخ زحل ومن معه كانوا يقدرون ان تفاصيل العمل التنظيمي وتبعاته هي اقرب ما تكون توافقا مع حماس الشباب وهمتهم وانهم قد اختاروا ان يبقوا مرابطين على جبهة الدعوة والتربية والتثقيف والتوعية . وتذكرت جولة في عدد من مدن المغرب نشرح ونتواصل مع اعضاء الجماعة انا والأخ الحاج علال العمراني رحمه الله مباشرة بعد تأسيس الجماعة الاسلامية

وأتذكر الايام الاولى لتأسيس مجلة “الفرقان” حيث كنت انا والدكتور سعد العثماني من هيئة تحرير المجلة حيث كنّا نجتمع لاعتماد ومدارسة موادها، كانت اللقاءات تتم داخل بيته وكنا نطلع ونقرأ ونقر المقالات واحدا واحدا، وكنت قد كتبتا او مقال افتتاحي في اول عدد من اعداد المجلة تحت عنوان: في المسالة الثقافية، وكان قد نال استحسان الشيخ زحل ومن معه انذاك !!

واخيرا و ليس آخراً ..من منا لا يتذكر الجموع الغفيرة تحج من كل فج عميق من مدينة الدار البيضاء واحيانا من خارجها لحضور خطبة صلاة الجمعة بمسجد مقبرة الشهداء، ومنهم ذات يوم وزير الداخلية الأسبق ادريس البصري الذي حصر الصلاة للاستماع المباشر للشيخ زحل ومعاينة هذه التظاهرة؟؟ وَمِما نقل حينها مما يحتاج الى إثبات من قبل من حصر انه قد تضايق من اصرار الشيخ زحل وتكراره لدقائق عدة على المصلين يوجههم لتسوية الصفوف : سووا صفوفكم رحمكم الله !! ان تسوية الصفوف من تمام الصلاة .. !!

ولعل ذلك من مهمة العلماء العاملين والفقهاء المصلحين.. يعيشون ويموتون وهم يعملون وينادون ويوصون: بتسوية الصفوف واقامة الصلاة التي هي عماد الدين .. الإقامة بمعنى الاحسان والإتقان والاصلاح.. ونحسب ان الشيخ زحل قد عاش داعية للاصلاح .. ومات وهو كذلك كما نحسب والله حسيبه.. ولعل الجموع الغفيرة التي خرجت تشيعه خرجت عرفانا ولعمله لتوكد ان الشيخ زحل مدرسة علمية وتربوية كان لها الفضل بعد الله في وقاية الآلاف من براتن الانحراف والجريمة والغُلو والتطرف ..ولنا ان نتصور تاريخا لم يقع لو لم يكن في المغرب رجال مثل زحل وحركات اصلاحية تسير على نهجه او قريبا من نهجه !!

صدق من قال: بيننا وبينهم الجنائز!!”.