Tuesday, 06 June 2017 14:48

البيئة وعناية الإسلام بها

تعتبر البيئة الحاضنة الرئيسية التي تحتضن الإنسان، والنبات، والحيوان، إلى جانب العلاقات المتبادلة فيما بينهم، والتي تعود بالنفع على الجميع، ومن هنا فهي تمثل بشكل أو بآخر رأس مال هذه الحياة، وعلى الأخص للإنسان الذي يعتبر خليفة الله تعالى على الأرض، والمسؤول الأكبر عن أي ضرر قد يلحق بهذا النظام البديع، وهذا ما أثبته العصر الحديث، خاصة بعد أن استطاع الإنسان الوصول إلى قمة المنجزات الحضارية، ممّا أدّى إلى إلحاق أشد الضرر بالنظام البيئي، وبالكائنات الحية الأخرى التي يتشارك وإياها عناصر الحياة الرئيسيّة.

فالشَّريعة الإسلاميَّة شمولية للبشريَّة جمعاء، وهي المنهاج الوحيد الذي يصلح للحياة المستقرَّة والسَّليمة في كلِّ مكانٍ وزمان، فمن أشكال المنهاج الصَّحيح في الإسلام، هو علاقته الحميمة بالبيئة واهتمامه بها، وهذا ما نجده من الأمور الواضحة والملموسة في القرآن والسُّنَّة، فقد بيَّنت لنا الأحكام الشَّرعية كيف يمكن التَّعامل الصَّحيح مع البيئة، كالمحافظة على النَّـظافة، وعدم استغلال الموارد الطبيعية بإسراف، وغيرها من النصائح الرَّبانيَّة في علاقتنا ببيئتنا.

تأتي المحافظة على البيئة من الأمور التي حثَّ عليها الإسلام واهتمَّ بها، كما أنه نهى عن تخريبها بأيِّ شكلٍ من الأشكال :

النَّهي عن الإسراف والتبذير يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: "وّالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامَا" ، ويقول جلَّ وعلا في سورة الأعراف: "وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"، والآيات بذلك كثيرة، ولكنَّ ما الذي يفعله البشر الآن؟ فلقد أصبح الصيد الجائر الزائد عن حاجة البشر في البرِّ والبحر من الأمور الخطيرة التي تهدد البيئة، والذي يؤدِّي إلى الإخلال في استقرارها، إذن يجب أن نكون معتدلين في جميع استخداماتنا لمصادر الطبيعية.

النَّهي عن التلوُّث : قال عليه الصلاة والسلام: "إذا أبيتم إلا الجلوس في الطريق فأعطوا الطريق حقَّه، قالوا : وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غَضُّ البصر، وردُّ السَّلام، وإماطة الأذى عن الطريق"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه"، وأيضاً لعن الرسول عليه الصلاة والسلام من يبول في ظلِّ شجرة أو في قارعة الطريق، وغيرها الكثير من الأقوال في الكتاب والسُّنَّة. لكن الآن الذي يحصل يفوق قضاء الحاجة في الماء أو قارعة الطريق، الآن أصبحت الدُّول ترمي بالنِّفايات النَّـوويَّة والكيميائية في البحار أو تدفنها تحت الأرض، مما أدَّى إلى هلاك الحرث، والزرع، والحياة في كلِّ مكان، فلو أطعنا الله تعالى، وأطعنا رسوله عليه الصلاة والسلام لما ظهر هذا الفساد الذي نراه في البرِّ والبحر، ناهيك عن تلوث الهواء الذي نتنفَّسه.

الحثُّ على تنمية البيئة يقول عليه الصَّلاة والسَّلام: "ما من مسلمٍ يغرس غرساً ، أو يزرع زرعاً ، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقة"، ويقول عليه الصَّلاة والسَّلام: "إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها"، وحتى في الحروب فقد نهى عليه الصَّلاة والسَّلام عن قطع الشجر أو قتل الحيوان إلا للأكل من غير زيادةٍ عن الحاجة.

كما نهى الإسلام عن استخدام جلود السِّباع من أجل الملابس، وذلك لعدم طهارتها، وأيضاً حتى يبقى التوازن الطبيعي في استقرار، وهنا نرى جليّاً كيف أن الإسلام يحثُّ على تنمية البيئة بالزَّرع والمحافظة على الحيوانات، لأنه من المعروف الآن أن المصفاة الوحيدة التي نملكها على الأرض لتنقية الهواء من التلوُّث هي النباتات، فبالزَّرع تنمو الحياة على الأرض، ولكنه في زماننا أصبح قطع الأشجار وقتل الحيوانات لحدِّ الانقراض من الأمور التي تهدد البيئة والطبيعة المحيطة بنا، فأدى إلى إخلالٍ فظيعٍ في توازنات الطبيعة.

من جهة أخرى دعا الإسلام المسلمين إلى الاعتناء بالنظافة الشخصية، فقلة الاعتناء بهذه الناحية قد تنعكس بشكل سلبي على البيئة المحيطة، فمن لا يستطيع الحفاظ على نظافته لن يكون قادراً على الحفاظ على نظافة البيئة من حوله. كما أمرت الديانة الإسلامية أتباعها ووجهتهم إلى أهمية الاعتناء بمصادر المياه، كما حثتهم على ضرورة الاقتصاد في استعمالها حتى لو كان هذا الاستعمال من مياه نهر جارٍ، إلى جانب ذلك، فقد دعا الإسلام إلى ضرورة المحافظة على نظافة المياه وذلك من خلال عدم تلويثها، كونها تعتبر من الثروات الجماعية التي لا يجوز للفرد أن يتصرف بها وكأنها من الممتلكات الخاصة والشخصية. وأمر الإسلام بالحفاظ على مختلف أنواع الكائنات الحية، والاستفادة منها بالطرق الصحيحة شرعاً والتي تحقّق الفائدة، ولا تجلب الضرر، وفي تاريخنا الإسلامي نماذج هامّة من اعتناء المسلمين بالحيوانات؛ كإنشاء أماكن تشبه المحمّيات الطبيعية من أجل رعايتها، وتكثيرها. جعل الإسلام المحافظة على نظافة الطرقات، وأمانها ضرباً من ضروب الصدقة، والتقرّب إلى الله تعالى، لما في ذلك من خير عميم يصيب كافة الناس، كما دعا الإسلام الناس إلى التبرع بأموالهم في سبيل تقديم الخدمات العامة، فظهر مفهوم الوقف الذي يمكن أن يستغل بشكل كبير في خدمة القضايا البيئية العديدة خاصة في أيامنا هذه التي تعاني البيئة فيها من أقسى أنواع الملوثات وأشدها فتكاً بالكائنات الحية.

س.ز / الإصلاح