الإثنين, 03 تشرين1/أكتوير 2016 12:36

شهر الله المحرم، فضائل ومقاصد وأحكام

من حكمة الله تعالى يوم خلق الخلق، أن جعله متفاضلا متفاوتا بعضه فوق بعض، فقد اصطفى من البشر ثلة صالحة مصلحة، طيبة خيرة، تنشر الحق وتتمثله وتدل عليه، واختار من الأزمة شهورا مفضلة وأياما مباركات، جعلها مواسم للخيرات، وأوقاتا لتنزل الرحمات، وفضل بعض الأمكنة على بعض، مثلما فضل مكة، وجعلها بقعة طاهرة وحرما آمنا، ومثلما فضل بيت المقدس، وبارك في أكنافه وما حوله. ومن الشهور التي اختارها الله وفضلها على سائر الشهور، وشرفها بالذكر في محكم التنزيل، الأشهر الحرم، ومنها شهر الله المحرم.

حرمة شهر الله المحرم

قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:36).

قال العلامة القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن": " خص الله تعالى الأشهر الحرم بالذكر ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها، وإن كان منهياً عنه في كل الزمان، كما قال تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج ِّ) (البقرة: من الآية197)، وعلى هذا أكثر أهل التأويل، أي: لا تظلموا في الأربعة أشهر الحرم أنفسكم".

وعن أبي بكرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – خطب في حَجِّة الوداع، فقال: (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر بين جمادى وشعبان) ( متفق عليه).

فضل شهر الله المحرم

قال ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم": "وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل؟ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن، قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه، و أخرج النسائي من حديث أبي ذر – رضي الله عنه - قال:" سألت النبي – صلى الله عليه وسلم - : أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: (خير الليل جوفه، وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم)، وإطلاق النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث أفضل الأشهر، محمول على ما بعد رمضان، كما في رواية الحسن المرسلة" .

ومما يدل على فضل شهر محرم ما رواه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل).

قال ابن قاسم: "أي أفضل شهر تطوع به كاملاً بعد شهر رمضان شهر الله المحرم؛ لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه كعرفة وعشر ذي الحجة، فالتطوع المطلق أفضله المحرم، كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل".

قال ابن رجب: "وقد سمى النبي – صلى الله عليه وسلم – المحرم شهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، كما نسب محمداً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته، ولما كان هذا الشهر مختصاً بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصيام من بين الأعمال مضافاً إلى الله تعالى، فإنه له سبحانه من بين الأعمال، ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله ، بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام، وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله عز وجل، إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صَفَراً، فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرمه، فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغيير".

وفي شهر محرم يوم حصل فيه حدث عظيم، ونصر مبين، أظهر الله فيه الحق على الباطل، حيث أنجى فيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فهو يوم له فضيلة عظيمة، ومنزلة قديمة.

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما هذا اليوم الذي تصومونه؟" فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، و أغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه) (متفق عليه).

ولأحمد عن أبي هريرة نحوه وزاد فيه: (وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا ً).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " ما رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان) (متفق عليه).

قال ابن حجر: "هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان، لكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه، فليس فيه ما يرد علم غيره، وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعاً أن صوم عاشوراء يكفر سنة، وأن صيام يوم عرفة يكفر سنتين، وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان أفضل".

فضل يوم عاشوراء

يوم عاشوراء له فضل عظيم وحرمة قديمة، فقد كان موسى – عليه السلام - يصومه لفضله، بل كان أهل الكتاب يصومونه، بل حتى قريش كانت تصومه في الجاهلية، وقد وردت عدة أحاديث عن فضل عاشوراء وصيامه، منها:

ما جاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رجلاً سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) (رواه مسلم)، وهذا من فضل الله علينا أن جعل صيام يوم واحد يكفر ذنوب سنة كاملة.

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما - قال: (ما رأيتُ النبي – صلى الله عليه وسلم – يتحرّى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان) (أخرجه البخاري)، ومعنى يتحرى، أي: يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.

الحكمة من صيامه

والحكمة من صيامه، أن يوم عاشوراء هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده، فصامه موسى شكراً لله تعالى، وصامه نبينا صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم النبي – صلى الله عليه وسلم – المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم النبي – صلى الله عليه وسلم - : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله فنحن نصومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه).

أما الحكمة من صيام اليوم التاسع، فقد نقل النووي – رحمه الله – عن العلماء في ذلك عدة أقوال:

أحدها: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر.

الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم، كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده.

الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلطٍ، فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر.

وأقوى هذه الأقوال هو مخالفة اليهود، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

خامسا: مراتب صيام يوم عاشوراء:

أولاً: صيام اليوم التاسع واليوم العاشر، وهذا أفضل المراتب، لحديث أبي قتادة عند مسلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في صيام يوم عاشوراء : (أحتسب على الله أن يكفر السنةالتي قبله)، ولحديث ابن عباس عند مسلم أيضاً (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر).

ثانياً: صيام اليوم العاشر والحادي عشر، لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) (أخرجه أحمد وابن خزيم).

ثالثاً: صيام اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر، لحديث ابن عباس مرفوعاً (صوموا يوماً قبله ويوماً بعده).

رابعاً: إفراد العاشر بالصيام، لحديث أبي قتادة عند مسلم: (أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في صيام يوم عاشوراء: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله).

وآخر دعوانا، أن الحمد لله رب العالمين.

الإصلاح/ د. عبد الكبير حميدي