السبت, 28 تشرين1/أكتوير 2017 13:53

التعاون في الإسلام

يُعدّ التّعاون من القيم الإنسانيّة العظيمة، ويُمكن أن يُعرَّف بأنّه تساعُدُ الأفرادِ وإعانتهم لبعضهم على عمل الخير والبِرِّ، واتّقاء الشرّ. ويكونُ التّعاون بأنْ يُساعد الفردُ الآخرين، ويُسهّل الطّريق قدر المُستَطاع أمامهم إن كان في الأمر خير، وأن يمنعهم ويُحذّرهم قدر ما استطاع إنْ كان الأمر شرّاً، ويترتّب عليه ضررٌ قد يلحق بهم.

وهذا التعاون من أهم الصفات التي تتصف بها الكائنات جميعًا في الكون، فلا يستطيع كائن أن يحيا بمفرده دون أن يكون في حاجة إلى مساعدة أخيه، فالطيور تعيش في جماعات وتتعاون فيما بينها ، والحيوانات- أيضًا- تعيش في جماعات ترعى معًا، وتخرج للصيد معًا .

فالإنسان لا يمكن أن يعيش إلا متعاونًا مع غيره، فكل منا يحتاج الآخر، فأنت تحتاج إلى الطبيب والمهندس والمعلم، والصانع والخباز، والنجار والحداد، وسائق الطائرة والقطار، ولا يوجد إنسان يجيد كل تلك الأعمال، فكل صاحب مهنة محتاج إلى غيره، بهذا تسير الحياة وتدور حركتها ، وبغير ذلك تتوقف الحياة ولا تتقدم إلى الإمام .

وقد شجّع الإسلام التّضامنَ والتَّعاونَ بين أفراد المجتمع؛ لأنّ هذا أساسُ كلِّ نجاحٍ وتقدُّمٍ، وبه يقوم دين الأفراد ودُنياهم، فكلمتهم لن تتوحّد، ومصالحهم الدنيويّة لن تتمّ وتترتّب، وعدوُّهم لن يخشى بأسهم، إلّا بالتّضامن الذي أوجبه الإسلام، وجعله من أهمّ الواجبات التي يجب فعلها لتحقيق صلاح المجتمع؛ فالمسلمون مثل البنيان المرصوص والجسد والواحد إن هُم تعاونوا.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، هذا وقد  ظهرَت مفاهيم التّضامن والتّعاون وتشاركيّة صنع القرار جليّةً في المُجتمع الإسلاميّ، وذلك عن طريق تطبيق مبدأ الشّورى الرّاسخ في عقول المسلمين وأفعالهم، وفيه سمَتِ الحضارة الإسلاميّة بشكل عامّ.

وقد فهم المسلمون معنى التعاون منذ أن بدأ النبي- صلى الله عليه وسلم- دعوته في مكة، فتعاونوا في نشر الإسلام ، ودعوة من يرون فيه خيرًا واستجابة للإسلام، وبفضل تعاونهم دخلت أفراد جديدة إلى الإسلام . وكان "أبو بكر الصديق" أبرز من عاون النبي- صلى الله عليه وسلم- في نشر الإسلام، فأسلم على يديه "عثمان بن عفان" ، و"عبد الرحمن بن عوف" و"أبوعبيدة بن الجراح" ، وغيرهم .

إن التعاون واجب ديني وضرورة اجتماعية، ولا يغيب عن أذهاننا أن ابن خلدون واضع علم الاجتماع قال في كتابه الذي يعد الأول في هذا العلم، المقدمة لابن خلدون يقول:

إن الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان اجتماعي بالطبع والضرورة، أي لا بد له من الاجتماع، وبيانه أن الله عز وجل خلق الإنسان وركبه على صورة لا تصح حياته ولا يصح بقاؤه إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجاته من ذلك الغذاء، يعني هذا الرغيف الذي تأكله صباحاً هل تعلم كم إنسان ساهم حتى أصبح بين يديك؟ بدأ من حرث الأرض، ومن إلقاء النبت، ومن الوقاية والسقاية، ومن التسميد، ومن الحصاد، ومن الدرس، ومن الطحن، ومن العجن، ومن الخبز، آلاف مؤلفة بل عدة ملايين من بني البشر، يعدون لك هذا الرغيف، هل تستطيع أنت أن تعده وحدك؟ هذا الرغيف، وذاك النسيج، وهذه الخياطة، أنت تتقن حاجة واحدة، وتحتاج مليار حاجة، تحتاج إلى زر له معامل، وله خصائص، تحتاج إلى قماش، تحتاج إلى ملايين الحاجات، وسمح الله لك أن تتقن واحدة، فأنت مضطر أن تكون في مجموع، وأنت في هذا المجموع إما أن تكون صادقاً أو غير صادق، أميناً أو غير أمين، مستقيماً أو غير مستقيم.

ويمكن القول أن التّضامن والتّعاون يدمج الفرد ببيئته، ويُبعِده عن الانعزال، كما يُبعده عن الأنانيّة المُبالَغ بها، ويُمكّنه من تحقيق معنى التّعاضُد أو ما يُسمّى بالجسديّة الواحدة، ويُوفّر البيئة الملائِمة لنموّ الإنجاز التطبيقيّ والعلميّ.

ولا ننسى  دور الأسرة في التّضامُن والتّعاون حيث تشكِّلُ الأسرةُ المكان الأوّل الذي يُنشئ الطّفلَ، ويُكسِبُه القِيَم والمبادئ الأساسيّة؛ لتكوين شخصيّته وأفكاره تكويناً متوازناً، قادراً على التّعامل مع مختلف فئات المجتمع الخارجيّ تعاملاً سليماً، متعاوناً مع أفراده، وساعياً في تطوير المجتمع، ولا يحدث هذا إلا بما يُعرَف بالتّنشئة الأسريّة السّليمة التي تمُكّنه من النموّ والتّنمية، فيكون الفرد مُنتِجاً فاعلاً، وجزءاً أساسيّاً في نهضة مجتمعه.

وأخيرا، يمكن أن نلخص فوائد التعاون في :

- ازدياد الروابط الأخوية بين الزملاء .

- إنجاز الأعمال في أسرع وقت وفى صورة جيدة، حيث يؤدى كل فرد ما يجيده ويحسن عمله .

- توفير الوقت وتنظيم الجهد، فبدلاً من أن يتحمل فرد واحد مسئولية إنجاز عمل ما، فإنه يوزع على آخرين لإنجازه، وهذا يعنى مجهودًا أقل ووقتًا أقل  

- إظهار القوة والتماسك، فالمتعاونون يصعب هزيمتهم ، مثلهم مثل العصا يمكن كسرها إن كانت واحدة ، ويصعب كسر مجموعة من العصى المترابطة .

- نيل رضا الله، لأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه .

- يد الله مع الجماعة : فالله تعالى يكون معهم ، وما دام الله معهم فلن يخسروا، ويكون النجاح حليفهم .

- القضاء على الأنانية وحب الذات، حيث يقدم كل إنسان ما عنده ويبذله للآخر عن حب وإيمان .

الإصلاح – س.ز