الإثنين, 10 أيلول/سبتمبر 2018 16:39

العام الهجري الجديد ومحاسبة النفس

المحاسبة خلق المسلم للرقي المستمر:

كثيرة هي الأخلاق الفاضلة، ومتنوعة تنوعا ملفتا للانتباه، ومتفاوتة تفاوت الحاجة إليها وتفاوت نفعها وأثرها في النفس والمجتمع... رغم ذلك لا نجد صعوبة في الجزم بأهمية تلكم الأخلاق العاملة على تماسك الإنسان والرقي به في سُلّم الكمالات والتقدم به في منازل السير إلى الله... تلكم التي يمكن تسميتها دون تردد بالأخلاق المنهجية. ومن أهمها مما هو مناسب تناوله في أيامنا هذه المحاسبة. أن تحاسب نفسك أخي المسلم أختي المسلمة ليس أمرا عاديا بل هو من أعظم ما أمر الله تعالى به عباده المؤمنين. تأمل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.﴾، أنظر كيف أمر الله المؤمنين بالتقوى التي هي جماع الخير فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) ثم وجه سبحانه إلى خُلق من أعظم الأخلاق المفضية إلى ذلك ألا وهو المحاسبة فقال: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ).

ولم يكتف كتاب الله بهذا وإنما حذر سبحانه وتعالى من الغفلة والإهمال والإعراض عن دينه مما ينتج عنه نسيان النفس من محاسبتها والإحسان إليها، فقال سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.﴾ أخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال: "لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، حتى تعلم من أين مطعمه، ومن أين ملبسه، ومن أين مشربه، أمن حل ذلك أو من حرام؟"

والمحاسبة لا تكون إلا من أصحاب النفوس اللوامة، النفوس المتسمة بالمحاسبة والمراجعة، لا من أصحاب النفوس الغافلة أو النفوس الأمارة بالسوء عافانا الله وإياكم. لذلك لم يكن غريبا أن يقسم بها سبحانه وتعالى تنبيها على منزلتها فقال سبحانه: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال الحسن: " لا تلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه."

العام الهجري الجديد فرصة متجددة لمحاسبة النفس:

والمحاسبة، أيها الأحبة، تتجدد بتجدد الساعات والأيام والشهور والسنوات، وبتجدد الأحوال والمناسبات... وهذا العام الهجري 1427هـ قد انقضى وهاهو العام الجديد 1428 هـ قد أطل علينا من جديد... فهذه لحظة يقف فيها العاقل ملتفتا إلى نفسه محاسبا لها عما قدمت وعما تنوي تقديمه والقيام به. (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)، ويقف الكَيِّس ناظرا في أحوال مجتمعه وأمته وما حمله العام الفائت وما الواجب نحو هذا المجتمع وتلكم الأمة. عن عمره فيما أفناه عام انقضى فيه 354 أو 355 يوماً، أي 8496 ساعة أو 8520، أنظر هذا العدد الهائل ولا تنس أن لكل ساعة من هذه الساعات سجلا يتضمن الجواب على سؤال كبير واضح وحساس: ماذا عملتَ فيها؟ قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ولاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا). وأخرج الإمام الترمذي وصححه عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه." فكـم بربك من هذا الوقت قضيناه في اللهو والعبث؟ وكم قضيناه في التـراخي والكسل والخمول، والنوم والاسترخاء؟ وكم من الوقت قضيناه في الانكباب على الدنيا واللهث خلفها مع النسيان الكامل للآخرة. وكأننا قرأنا من كتاب ربنا وسط الآية 77 من سورة القصص: (وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) وتركنا أولها وخاتمتها الفريدتين. قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ولاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

وقفة مع القلب ووجهته:

وقلبك هذا النابض بالحياة العامل بالليل والنهار، هل تعلم أنه خلال هذه السنة نبض حوالي 40 مليون نبضة (+35683200) في دقة متناهية، لم يتوقف يوما ولم يتخلف عن مهمته التي خلقه الله لأجلها... نبضات كل واحدة منها تذكر أن العمر ليس سوى دقائق وثواني. فهل تمت العناية بهذا القلب فعلا؟ هل سخر في طاعة الله والإخلاص لله والتوجه إلى الله؟ أم ترك له المجال رحبا لحب الشهوات والانغماس في المشغلات عن الله تعالى؟ تذكر أخي المسلم ما قاله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير: (ألا وَإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألاَ وَهِيَ القَلْبُ). حالك مع الصلاة ومن أهم ما يقف عنده المسلم محاسبا نفسه ناظرا في حاله معه صلاته ركن الإسلام العظيم وعمود الدين وسر صلاح القلب والجوارح. لقد فرض الله على عبده حوالي 1800 صلاة في العام (1770- 1775). فكم أدى منها الإنسان بطمأنينة وخشوع وخضوع لله؟ وكم أدى منها في أوقاتها محسنا لركوعها وسجودها؟ إن أعدادا كبيرة من الناس لا هَمَّ لهم من صلاتهم سوى نقرها وتجاوزها كيفما حصل، وينسى العبد أن صلاته لا اعتبار لها ما لم يتحقق فيها ما ذكره الله في مطلع سورة المومنون إذ قال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إلى أن قال: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ). فبشرهم بالفوز قائلا: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

ما نصيب القرآن الكريم من عامك المنصرم؟ وفي عامك الذي مضى هل واظبت على قراءة القرآن الكريم وبتدبر وخشوع؟ وهل متعت نفسك بمجالس قرآنية قراءة وفهما وحفظا؟ إن أخشى ما نخشاه أن تكون قلوب كثير من مسلمي هذا الزمن من النوع الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم حسب ما أخرجه الترمذي وصححه: (إنّ الّذِي ليس فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ). بل أخطر من ذلك أن يكون الإنسان من الذين يشكوهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه قائلا: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).

ما نصيب خدمة دينك من عامك؟ إن خدمة الإسلام والدعوة إلى الله تعالى ليس عمل العلماء وحدهم ولا الأئمة دون سواهم، بل هو عمل كل مسلم كل حسب استطاعته وموقعه. قال الله تعالى متحدثا عن المؤمنين والمؤمنات: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، من أكبر الآفات التي أصابت أمتنا في هذا الزمن انصراف الناس عن خدمة دينهم وانغماسهم الكلي في الدنيا والمصالح الدنيوية الضيقة، فضعفت الأمة وضعف الخير فيها وكثر الشر وظهر الفساد في البر والبحر والجو... وتكالب الأعداء على شبابنا وشاباتنا بوابل من مخططات التمييع والمسخ والتنصير.

وما وقف الأمر عند هذا الحد بل انتُهِكت حرماتنا واحتُلَّت الكثير من ديار المسلمين وأتانا الذل من كل مكان... ففي سنن أبي داود وحسنه السيوطي عن ابنِ عُمَرَ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إذَا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ وَأخَذْتُمْ أذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بالزّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلاّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُم."

إننا أيها الإخوة المؤمنون في أمس الحاجة إلى محاسبة أنفسنا والنظر في حالها مع ربنا جل جلاله، وذلك من أجل أن يكون عامنا الجديد هذا عام خير ونصر وعز ورقي وألا يكون أسوء من هذا الذي سلف. ويرحم الله عمر القائل: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا". فاللهم اجعل عامنا هذا عام خير، إفتح لدينك فيه فتحا مبينا، وانصر عبادك فيه نصرا عزيزا مؤزرا.

الدكتور عبد الرحمـن بوكيلي