Thursday, 29 June 2017 13:05

القيم الأخلاقية في الإسلام

يمكن إجمال تعريف قيم التربية الإسلامية بأنها : صفات إنسانية إيجابية راقية مضبوطة بضوابط الشريعة الإسلامية تؤدي بالمتعلم إلى السلوكيات الإيجابية في المواقف المختلفة التي يتفاعل فيها مع دينه ومجتمعه وأسرته في ضوء معيار ترتضيه الجماعة لتنشئة أبنائها وهو الدين والعرف وأهداف المجتمع ، وتصبح هذه القيم تربوية كلما أدت إلى النمو السوي لسلوك المتعلم, وكلما اكتسب بفضل غرسها في ذاته مزيداً من القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ , وبين الخير والشر , وبين القبيح و الجميل ... الخ.

ولعل من أظهر المعالم في تاريخنا الإسلامي وفي حضارتنا الإسلامية: بروز العنصر الأخلاقي فيه، ورسوخ القيم الأخلاقية الأصيلة: من الصدق والأمانة، والوفاء، والعدل، والإحسان والرحمة، والعفاف، والشجاعة، والسخاء، والعزة والتواضع، والحياء وغير ذلك من الأخلاق، التي عدها الإسلام مجسدة للإيمان، وعدها من خصال المؤمنين، كما عد الرذائل المضادة من آيات النفاق، وخصال المنافقين.

وتلعب القيم دوراً مهما في حياة الفرد والمجتمع ويبدو ذلك في انتقاء الأفراد الصالحين لبعض المهن، مثل رجال السياسة والدين وهي موجهة وضابطة للسلوك الإنساني، كما تلعب دورا مهما في تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي ، وفي عمليات العلاج النفسي، وتساعد في إعطاء المجتمع وحدته .

جاء في وصف المؤمنين في القرآن قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِ‌ضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُ‌وجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ‌ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَ‌اءَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَ‌اعُونَ} [المؤمنون:1-8].

وجاء في وصف الكفار: {إنَّمَا يَفْتَرِ‌ي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل:105] ووصف القرآن المنافقين بكل الرذائل الأخلاقية من الكذب والخيانة والغدر والتلون والخداع وغيرها من الصفات التي تميزهم، وفي الأحاديث الصحاح "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"، والعبادات الشعائرية الكبرى في الإسلام التي تعد في نظر المسلمين عامة: أركان الإسلام ومبانيه العظام، من الصلاة والزكاة والصيام والحج لها -مع الأهداف الروحية- أهداف أخلاقية معروفة ومطلوبة بحيث إذا أديت على وجهها أتت أكلها، وأعطت ثمرتها الأخلاقية. فالصلاة كما ذكر القرآن {تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ‌} [العنكبوت:45]. والزكاة {تُطَهِّرُ‌هُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة:103] والصيام يؤهل للتقوى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]. والحج {فَلَا رَ‌فَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197] وبين نبي الإسلام منزلة الأخلاق في رسالته فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (السلسلة الصحيحة:45).

لهذا فالإسلام رسالة أخلاقية، حتى أن الله تعالى أثنى على رسوله قال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] وإن الرسول الكريم ليعلمنا: أن العبادة التى لا تثمر ثمرتها الأخلاقية: تكون عبادة مدخولة مغشوشة، غير حائزة للقبول عند الله، فيقول عليه الصلاة والسلام: "رب قائم حظة من قيامه: السهر، ورب صائم حظه من صيامه: الجوع والعطش" (صحيح الترغيب:1083 صحيح لغيره)، ويقول كذلك "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (صحيح الجامع:6539)، ولا غرو أن أثرت هذه التوجيهات القرآنية، والتعليمات النبوية، أن يكون لها صداها أثرها على امتداد القرون وتوالي العصور.

ومن تأمل تاريخ المسلمين العلمي والفكري، أو السلوكي والعملي: يجد أنهم حفلوا بالأخلاق والفضائل، واهتموا بها نظرا وتطبيقا، وقولا وفعلاً. كذلك ربط المسلمون بين العلم والأخلاق، فلا قيمة لعلم لا يطابقه العمل والسلوك. والعالم المنحرف السلوك مطرود عند الله، مذموم عند الناس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ‌ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:3-2]، وأثر عن المسلمين قولهم: "علم بلا عمل، كشجر بلا ثمر، أو كسحاب بلا مطر".

وربط المسلمون بين العبادة والأخلاق، فمن أدى العبادات، وأساء في المعاملات، انتقده الناس وسخروا منه، وقالوا عنه: يصلي الفرض، ويفسد في الأرض! لسانه يسبّح ويده تذبّح! ولذا شاع بين المسلمين هذه الحكمة: الدين المعاملة! حتى عدّها البعض حديثا نبويا، وما هي بحديث ولكن معناها صحيح. وربط كذلك المسلمون بين الاقتصاد والأخلاق، فلم يجيزوا كسب المال من الحرام، ولا تنميته بطريق حرام، ولا إنفاقه في مصرف حرام، وقد حرم الله الخمر مع ما فيها من منافع اقتصادية لبعض الناس، لأن إثمها أكبر من نفعها، وربط المسلمون السياسة بالأخلاق، فلم يعرفوا في تاريخهم (الغاية تبرر الوسيلة) والوصول الى الحق بطريق الباطل، وارتكاب الموبقات لتحقيق هدف نبيل في نظر صاحبه.

بل لا بد من الغاية الشريفة، والوسيلة النظيفة. هذا وقد ربط المسلمون الحرب بالأخلاق، فلا يجوز أن يقتل إلا من يقاتل، لهذا نهى الإسلام عن قتل الصبيان، ورأى الرسول امرأة مقتولة في إحدى الغزوات، فأنكر ذلك، وقال: «..ما كانت هذه لتقاتل..» (سنن أبي داود:2669، مسكوت عنه).

ومن أهم الأخلاق التي تميز بها الإسلام خلق الرحمة، والذي كان له دور في تاريخ المسلمين، وظهر أثره في سلمهم وحربهم، وتجلت مآثره في حضارتهم وتاريخهم. هذا الخلق هو خلق الرحمة التي جعلها القرآن عنوانا على الرسالة المحمدية، فقال تعالى: {وَمَا أَرْ‌سَلْنَاكَ إِلَّا رَ‌حْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. ووصف الرسول نفسه في جملة واحدة فقال: «إنما أنا رحمة مهداة» (الجامع الصغير:2583)، على خلاف اليهود الذين اشتهروا بالغلظة والقسوة، حتى سمتهم التوراة الشعب -الغليظ الرقبة- وقال القرآن عنهم: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَ‌ةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74].

والمسلمون يستمدون رحمتهم من الله تعالى، الذي سمى نفسه الرحمن الرحيم، ومن أوصاف الله تعالى في القرآن: أنه سبحانه أرحم الراحمين، وأنه خير الراحمين، وقد وصف الله تعالى نفسه فقال {وَرَ‌حْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156].

كما وصانا الرسول الكريم على أن نتحلى بخلق الرحمة «الراحمون يرحمهم الرحمن» (الألباني السلسلة الصحيحة:925). «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وقال «من لا يرحم لا يرحم» (الألباني السلسلة الصحيحة:925). ويتجلى هذا الخلق أول ما يتجلى في معاملة الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، مثل: المرضى والعجزة، ومثل الحيوان الأعجم، وغيره... وبالجملة تعد الأخلاق في الإسلام من أجمل الركائز الأساسية لهذا الدين.

وكما قال الشاعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

ويترتب على أن القيم من عند الله تعالى عدة اعتبارات منها :  

أن القيم تتسم بالعدل : فالعدل في الإسلام مطلق وبعيد عن أهواء البشر ، قال تعالى { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} النساء ( 58) .

أن القيم تتصف بالقدسية :تُحترم وتلتزم القيم في الإسلام لأنها تقوم على الإيمان      

أن القيم تنال ثقة المسلم : باعتبارها مستمدة من كتاب الله فإن ذلك يؤدي إلى شعور عميق بالثقة الكاملة بتلك القيم.

ارتباط القيم بالجزاء الدنيوي والأخروي :فالتزام شرائع الإسلام وقيمه مرتبط بالترغيب والترهيب وبالوعد والوعيد قال تعالى { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} الجن ( 16 ) .

ثانيا: الوضوح : ويدل على ذلك وصف القرآن وهو مصدرها الأول بأنه كتاب مبين ونور وهدى للناس، وتبيان، والفرقان والبرهان، وما ذلك إلا لوضوحه قال تعالى { قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} المائدة ( 15 ) ( الجمل ، 1416 ، 25 ) .

ثالثا : الوسطية : وذلك بالجمع بين الشئ ومقابله، بلا غلو ولا تفريط، فمن ذلك التوازن بين الدنيا والآخرة ، قال تعالى { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } القصص ( 77) .

ومن ذلك الوسطية والتوسط في الإنفاق والعاطفة وتوفية مطلب الجسد والروح، قال تعالى{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا } الإسراء ( 29) .

رابعاً : الواقعية :قال تعالى { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } البقرة ( 286 ) .فالقيم الإسلامية واقعية يمكن تطبيقها لا تكليف فيها بما لا يطاق ، ولا تغرق في المثالية التي تقعد بالناس عن الامتثال ، فالعبادات واقعية ، والأخلاق واقعية ، والقيم كذلك واقعية راعت الطاقة المحدودة للناس فاعترفت بالضعف البشري وبالدافع البشري ، والحاجات المادية ، وبالحاجات النفسية . ( القرني ، 1426 ، 136 ) .

خامساً: العالمية والإنسانية: فقيم الإسلام التي تضمنتها رسالة الأنبياء والرسل كافة وختمها محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ليست للمسلمين بخصوصهم وإنما هي منفتحة على سائر الأمم والشعوب ، ينهلون منها فتقوّم سلوكاتهم، وتعدل من اتجاهاتهم، فتكون هذه العالمية مدخلاً إلى الإسلام عند كثير من الأمم والشعوب والأفراد ،وقد أخذ محمد صلى الله عليه وسلم بهذه القيم العالمية وجاء ليتممها ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " .

سادساً: قيامها على أساس الشمول والتكامل : فهي لم تدع جانباً من جوانب الحياة الإنسانية بجميع مجالاتها روحية كانت أو جسمية ،دينية أو دنيوية، القلبية أو عاطفية، فردية أو جماعية إلا رسمت له الطريق الأمثل للسلوك الرفيع ، فللفكر قيم ، وللاعتقاد قيم ، وللنفس قيم ، وللسلوك الظاهر قيم ، كما أنها تتمثل نظرة التربية الإسلامية في الغاية والهدف تمثلها في الوسيلة ،فالإحسان للآخرين وأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه جزء مكمل للعبادة ، كما أن التفكر في ملكوت السموات والأرض وآيات الله في الكون جزء مكمل للعبادة.

سابعاً: الثبات والاستمرارية: وتستمد القيم الإسلامية استمراريتها من صلاحية مصادرها لكل زمان ومكان ،قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ( الأنبياء : 107 ).

ومن مظاهر الاستمرار في القيم الإسلامية تكرر حدوثها في سلوكيات الناس حتى تستقر، قال صلى الله عليه وسلم : « لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً » [) رواه الإمام أحمد في مسنده .

ثامناً : الإيجابية : والمقصود بها أن يتعدى الخير للآخرين فلا يكفي كون الإنسان صالحاً في نفسه بل يكون صالحاً ومصلحاً ، يتفاعل مع المجتمع وينشر الخير ، ويعلم الجاهل ، ويرشد الضال وتأتي هذه الإيجابية للقيم من إيجابية الإسلام نفسه فهو دين إيجابي مؤثر ليس من طبيعته الانكماش والانعزال والسلبية . ( المانع ،   1425 ،160 )

تاسعاً : التكيف والمرونة:

ذلكم أن القيم الإسلامية قابلة للتحقق في المجتمع بمختلف الوسائل والطرق، وتتكيف مع مختلف الأحوال والأزمان والأمصار دون أن يؤثر ذلك في جوهرها، فالعدل يتحقق في المجتمع عبر مؤسسات مختلفة قد تخلقها الدولة بحسب حاجتها وعلى قدر إمكاناتها ؛ المهم أن يتحقق العدل، وقد يتحقق في مختلف مظاهر الحياة العامة داخل الأسرة وفي الأسواق وفي المنظمات والهيئات وغير ذلك بصور شتى وبوسائل مختلفة ، والأصل في ذلك قوله تعالى : { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ( الأنعام : 152 ) .

منقول (بتصرف)