Wednesday, 07 June 2017 11:55

ترشيد التدين في رمضان - عز الدين توفيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على اشرف الخلق و المرسلين و على آله و صحبه والتابعين بإحسان الى يوم الدين ، أيها الإخوة الكرام و الأخوات الكريمات.

عندما يأتينا شهر رمضان يكون قد مضى احد عشر شهرا على الذي قبله، ومعنى ذلك انه يزورنا في كل عام مرة واحدة، فلا بد أن نتواصى هذه الأيام بما ينبغي ان نستقبل به هذا الزائر الكريم.

الدنيا مزرعة الاخرة :

واول ما علينا ذكره هو ان الدنيا مزرعة الاخرة ، فما زرعناه في هذه الدار الاولى هو الذي نحصده في الدار الاخرة، و هذا الشهر المبارك ينبت من الاجر و الثواب عشرة أضعاف ما ينبته شهر اخر ، و بعبارة اخرى اذا استوى عمل العبد في رمضان و في شهر اخر فان رمضان بعشرة امثال هذا الشهر ، فكيف لا نخص هذا الشهر بعناية زائدة و رعاية فائقة ، و نحسن زراعته و لا ندع من بستانه شيئا يبقى فارغا او تملؤه الاشواك و الطفيليات  و اذا كان الوقت كله نعمة ، فان الاوقات تتفاضل و ينبغي ان يتفاضل الاهتمام بها و الغيرة عليها تبعا لذلك .

اياما معدودات

واذا كان صيام رمضان كما قال الله تعالى اياما معدودات اذا حسبته بالشهور فهو شهر واحد و اذا حسبته بالايام فهو تسع و عشرون او ثلاثون يوما ، و اذا حسبته بالساعات فهو سبعمائة و عشرون ساعة ، فهو زمن قليل ، و يشبه الزائر السريع الذي يسلم ثم لا يلبث ان يودع ، فاذا لم تقض حاجتك منه لم ينتظرك ، فاي كلمة تحث على الاستفادة من زيارة هذا الشهر الكريم فهذا اوان استعمالها ، فسارع و سابق و نافس و بادر و اغتنم و ترصد و تعرض و لا تؤخر و لا تسوف و لا تغفل و لا تكسل و لا تتهاون .

ان شهر رمضان شهر التطهر و هو شهر التزود فيه يمكن ان تتخفف من الذنوب التي اجتمعت في سائر العام ، و فيه يمكن التزود بالحسنات النافعة يوم المعاد و هو بهذا مثل موسم تجاري تباع فيه الاشياء بعشر ثمنها و افتتاحه مع ثبوث هلاله و اغلاقه مع ثبوث هلال الشهر الذي يليه .

للصائم فرحتان :

والفرحتان كما جاء في الحديث الشريف – احداهما في الدنيا و الثانية في الاخرة اذا افطر فرح بذهاب العطش و رجاء ثبوت الاجر بعد اتمام الصوم ، واذا مات فرح بلقاء ربه و بثواب الصوم الذي قدم بين يديه  .

فهل تتم الفرحتان الا اذا كان صومنا صوما لائقا بمكانة هذا الركن و لائقا بجلال الله الذي نعبده و نمتثل لامره .

ان المسلم لن يفرح باي صوم كان بل يفرح بالصوم الذي يرضيه ، و هو صوم المحسنين ، الذين يصومون احسن صوم يقدرون عليه  ، و لا يدخرون وسعا في الارتقاء بصومهم الى اعلى درجات الجودة و الاحسان .

فمن شهد منكم الشهر فليصمه

وها هو القرآن الكريم يفتح ابواب المنافسة بين الصائمين عندما يقول المولى عز و جل " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " و لا يخفى ان الصوم درجات بعضها فوق بعض ، فقد يكون الرجلان في الظاهر صائمين و ما بين صومهما كما بين السماء و الارض ، بحسب ما تحقق به كل واحد من شروط الصوم و اخلاق الصائم ، و قد بشر الله تعالى عباده الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولائك الذين هداهم الله و اولائك هم اولوا الالباب .

ترشيد التدين في رمضان

يمتلئ هذا الشهر بالعادات و ليست جميعها حسنة و يدخل الشهر على المسلمين و هم على احوال فيها الحسن و القبيح، و رمضان فرصة مناسبة لترشيد الفهم و التطبيق ، و اعادة النظر في العوائد و الافكار و الاقوال و الافعال بما يتفق مع الاسلام الصحيح ، و قد اختارت حركة التوحيد و الاصلاح ترشيد التدين شعارا مرحليا ادراكا منها لاهمية التجديد و التقويم المستمر للفهم و العمل ، فالحياة الشخصية و العائلية و الاجتماعية للمسلم عرضة لانواع من الانحرافات و رمضان هو الزمن المثالي لهذا الترشيد ، فليكن شاملا و عميقا بشمول الاسلام و عمق معالجاته لانحرافات النفس الانسانية .

صم صيام مودع

و اذا كان ترشيد التدين و تجديده و الارتقاء به مشغلة كل مسلم ، فان هذا الترشيد هو الذي يجعله قدوة عندما يراه الناس في زيادة من دينه كل وقت فيقتدون به، وأبناء الحركة الإسلامية شعروا أو لم يشعروا قدوة بين الناس فمكانهم في السباق هو المقدمة ، و لا يقبل منهم التأخر و التخلف و انما يقبل منهم التقدم المستمر حتى يكون كل رمضان جديد خيرا من الذي قبله ، و يكون صومهم صوم المودع الذي اذا قيل له تموت الساعة لم يقدر ان يزيد في عمله شيئا .

فضائل رمضان

واذا كان رمضان ربيع السنة و موسمها الرابح بلا منازع فان حسن الانتفاع به يقتضي معرفة فضائله ، و فضائل رمضان كثيرة:

شهر القرآن

فيه ابتدأ نزول القران الكريم الى الارض ،  ففي ليلة من لياليه نزلت الايات الخمس الاولى من سورة العلق ثم تتابع نزول الايات و السور على مدى ثلاث و عشرين سنة ، و كان جبريل عليه السلام يدارس مع النبي صلى الله عليه و سلم القرآن في رمضان حتى اذا كانت السنة التي توفي فيها عليه الصلاة و السلام عرض معه جبريل القرآن مرتين ، قال الله عز و جل " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان "

شهر الصيام

وهو شهر الصيام اختاره الله تعالى ليكون الشهر الذي تؤدى فيه هذه العبادة العظيمة ، و صار الركن الرابع من دين الاسلام و هو صيام رمضان ، و هو شرط في اسلام المسلم و شرط في دخوله الجنة ، و لو فوض الاسلام للناس اختيار شهر الصوم لاختلفوا في الاختيار لكنه سبحانه و تعالى سماه و عينه و منذ ذلك الوقت صارت مزية من مزايا هذا الشهر على غيره من الشهور .

شهر التقوى

ليس لان التقوى تختص به دون سواه ، و لكن مقاصد الصيام تنتهي كلها الى مقصد جامع و هو تقوى الله عز و جل و خشيته و مراقبته في السر و العلن ، و اجواء رمضان تعين على هذا المقام و تقود اليه، لذا قال الله عز و جل : " يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "

الصوم طريق من طرق التقوى و التقوى طريق الى الجنة : " ان المتقين في جنات و نهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ".

شهر المغفرة

فقد اجتمعت في رمضان ثلاثة اسباب للمغفرة هي صيامه و قيامه و قيام ليلة القدر منه ، ففي حديث ابي هريرة – كما في البخاري – من صام رمضان ايمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، و من قام رمضان ايمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، و من قام ليلة القدر ايمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .

فمن ادركه رمضان و لم يغفر له فهو محروم لان موجباتها قد اجتمعت فيه كاملة .

شهر الاخلاص

فالصوم ليس من الاعمال التي يرائي بها المراؤون لانه لا يظهر فكان رمضان بذلك مدرسة في تعلم الاخلاص في سائر الاعمال و الحرص على اخفائها و احتساب ثوابها عند الله ، و في الحديث القدسي يقول الله تعالى : " كل عمل ابن آدم له الا الصيام ، فانه لي و انا اجزي به ، و الحسنة بعشر امثالها ، يدع طعامه و شرابه و شهوته من اجلي . "

شهر العبادة

ان الاعمال الصالحة تضاعف في ثوابها فاذا كان رمضان كانت مضاعفة اخرى ، و بعبارة اخرى  فالحسنة بعشر امثالها و في رمضان تصير العشرة مئة ، و هذا اغراء ان تكون كل لحظة في رمضان وعاء للعبادة ، كما قال الله عز و جل لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم : " فاذا فرغت فانصب و الى ربك فارغب " و مما يحسن الاشتغال به في رمضان اداء الصلوات الخمس في وقتها و اداء التراويح في المساجد ، و الاجتهاد في النوافل النهارية و الليلية و تلاوة القرآن الكريم و الإكثار من ذكر الله تعالى و حضور مجالس العلم و المكث في المساجد و إرشاد الناس و تعليمهم و النصح لهم و سيأتي ذكر ذلك لاحقا .

شهر الصبر

ففي رمضان انواع الصبر كلها ، فيصبر على الطاعات و يصبر عن المعاصي و يصبر على اقدار الله عز و جل و يصبر على اذى الناس ، فاذا تكاسل عن طاعة شمر و قال اني صائم ، و اذا تطلع الى شهوة محرمة ، قال اني صائم ، و اذا سابه احد او شتمه قال اني صائم ، و اذا نزلت به مصيبة قال اني صائم لا اجزع و لا اسخط ، عزيمته و ارادته في يوم صومه اقوى و اشد ، فالصوم نصف الصبر و الصبر نصف الايمان و الله تعالى يقول : " انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب " ، و يقول سبحانه : " ان المسلمين و المسلمات و المومنين و المومنات و القانتين و القانتات و الصادقين و الصادقات و الصابرين و الصابرات و الخاشعين و الخاشعات و المتصدقين و المتصدقات و الصائمين و الصائمات و الحافظين فروجهم و الحافظات و الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات اعد الله لهم مغفرة و اجرا عظيما ".

شهر الشكر

وكما كان رمضان شهر الصبر فهو شهر الشكر ايضا لان وقته نعمة و صيامه و قيامه نعمة و ما اعد الله للصائمين في عاجلتهم و آجلتهم نعمة ، فهو بهذه الفضائل نعمة عظيمة من نعم الله عز و جل التي تستوجب الشكر ، لذلك قال سبحانه في ايات الصيام من سورة البقرة : و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون ، فعندما يكمل الصائمون عدة رمضان و يستقبلون يوم العيد يجعلونه يوم الشكر و بهذا اجتمع الصبر و الشكر في شهر رمضان فكان ذلك من فضائله و مقام الصابرين و الشاكرين مقام عظيم عند الله تعالى .

شهر التوبة

واذا كان رمضان شهر الرحمة و المغفرة ، فكيف لا يكون شهر التوبة ، ففيه تفتح ابواب الجنة و تغلق ابواب النار و تصفد الشياطين ، و الواقع يشهد ان رمضان يعرف توبة العدد الغفير من المسلمين ، بل ما من مسلم الا و هو يتوب في هذا الشهر الا قلة قليلة ، غير ان موضوع التوبة يختلف و نادرا ما تجد مسلما لم ينتفع برمضان في رجوعه الى الله تعالى و توبته من الذنوب و المعاصي ، و ان كان المسلمون في ذلك يتفاوتون .

شهر الدعوة

فالقلوب في هذا الشهر اقرب الى الانتفاع بالموعظة و الاجواء الربانية التي تسود فيه تجعل منه موسما للدعوة و البلاغ و الترغيب و الترهيب و الموعظة و التذكير فهو فرصة الدعاة ليوقظوا القلوب و يرشدوا الحائرين و يثبثوا العائدين و السائرين ، و لم يكن رمضان في يوم من الايام شهرا للكسل و الخمول بل هو شهر العمل بمعناه الواسع الذي يشمل كل انواع العمل الصالح و منها الدعوة الى الخير .

شهر الوقاية

وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : " الصوم جنة " أي وقاية ، و هو كذلك يقي المسلم من الأمراض البدنية و الأمراض القلبية كما يقيه النار يوم القيامة كما جاء في الحديث أن الصيام و القرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة .

في رمضان يتوازن غذاء الروح و غذاء البدن، و تظهر وسطية الإسلام في أجمل صورها، فالصوم بالنهار و الفطر بالليل، و كل من الجسد و الروح يأخذ غذاءه باعتدال.

شهر التضامن

في رمضان تعلو مشاعر الإخوة الإسلامية على أي مشاعر أخرى ، و يتوحد المسلمون على صيام رمضان فيعلمون أنهم امة واحدة . دينهم الإسلام و نبيهم محمد صلى الله عليه و سلم ، في رمضان تذوب الخلافات الجانبية بين المسلمين و تتراجع الدعوات المفرقة و يصنع الصيام إحساسا بالوحدة ، بل أن هذا الصيام يقيم الصلة بين الصائمين الأحياء و إخوانهم الذين سبقوهم من الانبياء و اتباعهم لان الصيام من الدين المشترك بين الرسل مصداقا لقوله تعالى : " يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقلون "

هل نحن جاهزون ؟

تلك بعض فضائل رمضان فهل نحن جاهزون للمنافسة عليها و المسابقة اليها ؟

ان ما نحتاجه هو ان نصوم رمضان حق الصيام و هذا يحتاج منا الى فعل و ترك ، فنفعل الفرض و النفل و نترك الاثم و اللغو.

لا نهتم بالفعل على حساب الترك و لا بالترك على حساب الفعل لان الاسلام جمع بينهما في قول النبيي صلى الله عليه و سلم : " اذا جاء رمضان فتحت ابواب الجنة و غلقت ابواب النار و صفدت الشياطين ، و نادى مناد : يا باغي الخير اقبل و يا باغي الشر اقصر " فان كنت تبغي الخير فاقبل و ان كنت تبغي الشر فامسك لان رمضان ليس للتضييع و لا للتمييع ، و خير وسيلة لصرف النفس عن الاثم هو شغلها بالبر و ابوابه كثيرة فلنذكر امثلة البر و الاثم:

انواع البر الذي ينبغي الاكثار منه :

1 – التفقه في احكام الدين عامة و في احكام الصيام خاصة فان الله عز و جل يعبد بالعلم ، و الذي يعبد على غير علم يفسد اكثر مما يصلح ، و فقه الصيام كغيره مر باطوار و خير ما ياخذ به المسلم هو فقه السلف الصالح فانه يتسم بالتيسير و تضييق دائرة المفطرات و جبر الصوم ما امكن ، و قد ظهرت مؤلفات معاصرة ترفع الاصار و الاغلال التي اثقلت بها بعض الاجتهادات كاهل الصائمين و يمكن التمثيل لهذه المؤلفات بسلسلة تيسير الفقه للشيخ يوسف القرضاوي و فيه جزء عن فقه الصيام .

2 – الصلوات الخمس فانها اسبق من الصوم و لا يستقيم ان يهتم المسلم بالصوم و يضيع الصلاة و تضييعها يكون بتركها او اخراجها عن وقتها او الانتقاص من ركوعها و سجودها و خشوعها او التهاون بالخروج اليها في المسجد و رمضان مناسبة لتعود الصلاة الى مكانتها و يزول هذا التفريق الظالم الذي يقع فيه الكثير من الناس حتى ان بعضهم يصوم و لا يصلي .

3 – الاكثار من نوافل الصلاة و خاصة التراويح التي تميز ليالي رمضان ، و قد مضى العمل بها في مساجد المسلمين عبر القرون ، و كثير من الائمة يصلي بالختمة و هذا فضل لا ينبغي تفويته ، غير ان التراويح ليست النافلة الوحيدة في رمضان ، فان الرواتب و الفجر و الضحى و الشفع و الوتر و النفل المطلق انواع اخرى لصلاة التطوع ، و كلما اكثر المسلم فالله تعالى اكثر ، و لا يمل الله تعالى حتى يمل العبد .

4 – ملازمة المساجد و العكوف فيها للصلاة و الذكر و تلاوة القرآن و التفكر و سماع الدروس ، ففي الحديث : صلاة الرجل في الجماعة تفضل صلاته ببيته و سوقه بسبع و عشرين درجة  ذلك ان احدهم اذا توضأ و خرج من بيته لا يريد الا الصلاة و لم يخط خطوة الا كتبت له بها حسنة و محيت عنه بها خطيئة ، فاذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه و الملائكة يصلون على احدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ما لم يحدث فيه ما لم يؤذ فيه .

وذكر سبحانه الاعتكاف في المساجد في آيات الصيام فقال : " و لا تباشروهن و انتم عاكفون في المساجد " و الاعتكاف من العكوف و هو المكث و الملازمة .

5 – الاشتغال بالقرآن الكريم تلاوة و تدبرا و انصاتا و حفظا و مراجعة في المسجد و في البيت و السوق و السيارة و غيرها ، و اذا كنا نتفنن في ملء مائدة الافطار و نتحلق حولها و نتناول منها فان مائدة القرآن الكريم اعظم نفعا و ابعد اثرا

6 – الذكر الكثير ، فان الذكر  حصن المسلم و هو دواء القلب ، و به يلين و تزول عنه القسوة و هو السلاح الذي يطرد الشيطان و يمنعه من الاستحواذ و السيطرة ، و كان النبي صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل احواله و الاذكار كثيرة منها المطلق و منها المقيد بوقت او بعدد و يمكن الرجوع الى كتاب الاذكار او غيره للوقوف على ذلك تفصيلا .

7 -  الدعاء

ففي رمضان تجتمع اسباب كثيرة للاجابة اولها الصيام ، ففي الحيدث ثلاث دعوات لا ترد منها دعوة الصائم و ثانيها الجموع الغفيرة من المؤمنين الذين يؤمنون على الدعاء و ثالثها هذا القيام الذي يكون بعد العشاء و قبل الفجر فإنه وقت اجابة ففي الحديث ينزل ربنا الى السماء الدنيا في الثلث الاخير من الليل فيقول : " من يستغفرني فاغفر له ، من يسألني فاعطيه ، من يدعوني فاستجيب له " و اذا دعا المسلم فليدع لنفسه و اهله و اخوانه و عامة المسلمين .

8 – الانفاق في سبيل الله

بهذا تجتمع العبادة البدنية و هي الصوم مع العبادة المالية و هي الانفاق ، و قد شرع الاسلام زكاة الفطر في آخر الشهر لتأكيد هذا المعنى ، غير ان الانفاق اوسع من زكاة الفطر في اخر الشهر و هو اما واجب او تطوع فيبدأ بالانفاق الواجب و يزيد عليه التطوع ، و في الحديث : " من فطر صائما فله مثل اجره من غير ان ينقص من اجر الصائم شيئا " .

9 -  العمرة

العمرة في رمضان كحجة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و الصلاة في المسجد الحرام بمئة الف صلاة ، و في المسجد النبوي بالف ، و من لم يقدر على نفقة العمرة و سفرها فهو مأجور بنيته ، و من قدم على العمرة اعمالا رآها انفع له و للمسلمين فهو مأجور باجتهاده ايضا ، و ينبغي على من انشأ نية العمرة ان يكون قصده خالصا لله عز و جل و ان يقوم بالحقوق قبل ان يسافر و ان يعرف لذلك المقام حرمته و قدره .

10 – القيام بالمهنة

الدراسة و الحرفة و العمل المهني ، كل ذلك داخل في مسمى العبادة ، و يمكن ان يكون رمضان شهر الزيادة في الانتاج و شهر النشاط و العمل و شهر الانتصارات في مختلف الميادين ، بل ان الصيام نفسه انتصار على النفس و على الشيطان.

11 – القيام بحق البدن

وذكرنا هذا النوع من العمل حتى لا يظن احد ان الاعمال العادية ليست من العبادة ، ففي الحديث نوم الصائم عبادة و نفسه تسبيح و فيه اذا وضع الرجل شهوته في حلال كان له اجر و في التنزيل : " احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم هن لباس لكم و انتم لباس لهن ، علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم فالان باشروهن و ابتغوا ما كتب الله لكم و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " .

وتأخذ هذه الاعمال من اكل و شرب و نوم و استراحة ما تستحق بغير اسراف حتى تكون عونا على العبادة و لا تكون عائقا عنها .

12 – القيام بحق الاسرة

ومن كانت له اسرة فهذه فرصته للتوجيه و الارشاد بالكلمة الطيبة و القدوة الحسنة ، فليغتنم اجتماع اهله على مائدة الافطار و السحور لينصح لهم و يغتنم الصلاة و التراويح ليرافقهم ، و اذا كان له ابن او بنت و اطاق الصيام ان يأمره به ، و اذا راي ببيته عادات سيئة في رمضان ان يصلحها .

13 – الدعوة الى الله تعالى

بين الاسرة و المعارف و الاقارب و الاصدقاء و عموم الناس ، و الدعوة الى الله  باب كبير من الوسائل و الوسائط التي يمكن استعمالها في هذا الشهر الكريم و منها الدعوة الفردية ، و الدعوة العامة و توزيع الكتب و الاشرطة و عقد المجالس التربوية و الندوات و الامسيات و المسابقات و الانشطة الرياضية و الزيارات و المكالمات و الحوارات عبر المواقع الالكترونية و المقالات الصحفية و  كافة الوسائل التي يتواصل الناس بها ، و الله عز و جل يقول : " و من احسن قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحا و قال انني من المسلمين " .

والنبي صلى الله عليه و سلم يقول : " لان يهدي الله بك رجلا واحد خير لك مما طلعت عليه الشمس " .

فكيف اذا كانت هدايته على يدك في شهر رمضان ؟

تلك بعض الاعمال التي ينبغي الاشتغال بها في رمضان و ما لم نذكره اكثر مما ذكرنا لاننا لا نستطيع ان نسمي كل اعمال البر ففي الحديث كل معروف صدقة.

غير ان العبادة ليست فعلا فحسب ، بل هي ترك ايضا ، و في رمضان ينبغي الاهتمام بترك ما نهى الله عنه ، و لهذا نذكر امورا من هذا الجانب :

امثلة لما ينبغي اجتنابه في رمضان

اذا كان الحلال يصير في نهار رمضان حراما و هو الاكل و الشرب و الجماع ، فان الحرام الذي نهى الله عنه يتأكد اجتنابه في رمضان لعل الله تعالى يوفق العبد فيستمر بعد رمضان على ما كان عليه اثناء الشهر الكريم

واذا كان اكثر الصائمين يتجنب المفطرات الحسية فلا ياكل و لا يشرب و لا يقرب زوجته حتى تغرب الشمس فان المفطرات المعنوية لا تلقى نفس الاهتمام ، و هذا هو التحدي الذي ينبغي ان نواجهه و ننتصر فيه ، فالحرص على الصوم الحسي و التهاون مع المفطرات المعنوية هو الخطر الاكبر في رمضان ، و لذلك نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن هذه التفرقة فقال ، من لم يدع قول الزور و العمل به و الجهل فليس لله حاجة في ان يدع طعامه و شرابه ، و قال " كم من صائم ليس له من صومه الا الجوع و العطش "

ان الفم و الفرج جارحتان من الجوارح الارادية للانسان لكنهما ليستا الوحيدتين فللانسان جوارح اخرى هي القلب و اللسان و السمع و البصر و اليدان و الرجلان و في رمضان ينبغي مراقبة هذه الجوارح كلها و تجنيبها الاثم و اللغو و كل ما ليس من سعي الاخرة و ما لا اجر فيه و لا فائدة لان السيئات تزاحم الحسنات في الميزان يوم القيامة  و قد تعصف الاثام بالصوم فتذهب بثوابه او تنقص منه و ان كان صحيحا مجزئا على شرط الفقهاء .

نحن لا نريد شروط الصحة فحسب ، بل نريد معها شروط القبول ، و قد يكون الصوم صحيحا في الظاهر و لا يكون بالضرورة مقبولا عند الله عز و جل و الا لماذا ذكر النبي صلى الله عليه و سلم ان من الصائمين من ليس له من صومه الا الجوع و العطش ؟ و اذا تتبعنا كل جارحة وجدنا قائمة من الاثام التي يفعلها الناس بتلك الجارحة و رمضان فرصتهم لاجتنابها عسى الله تعالى ان يوفق للاستمرار على ذلك  بعد رمضان .

+ من معاصي القلب الشرك و الرياء و الحقد و الحسد و الكبر و الخيلاء و العجب و الغرور ..

+ و من معاصي اللسان الكذب و الفحش و السب و الشتم و اللعن بغير حق و شهادة الزور و قذف الابرياء و الغيبة و النميمة و الافك و البهتان

+ من معاصي الاذنين سماع ما لا يحل من القول لان النهي عن الكلام الباطل مقرون بالنهي عن سماعه

+ من معاصي العينين النظر الى ما لا يحل النظر اليه من العورات و التجسس و التحسس و مشاهدة ما لا يحل من المناظر .

+ من معاصي اليدين  السرقة و النهب و السلب و القتل بغير وجه حق، و العدوان و البطش ، و لمس من لا تحل من النساء و ضرب من لا يحل ضربه ..

+ و من معاصي الرجلين المشي بهما الى اماكن الفجور و مجالس الفسق و اوكار الدعارة و الفساد و السعي بهما الى لاقتراف الاثم ببقية جوارحه ..

+ و من معاصي الفم الافطار بنهار رمضان بغير عذر و تناول ما لا يحل من المطعومات و المشروبات

+ و من معاصي الفرج الزنا في نهار او ليل او مجامعة الزوجة في النهار بغير عذر ، و من التناقض ان يرتكب الانسان فاحشة الزنا في رمضان و هو شهر التعفف و التقوى ، و قد ارشد النبي صلى الله عليه و سلم الشباب الى الصوم عندما يتعذر عليه الزواج .

الاعلام : سيف ذو حدين

اننا لم نذكر الاعلام ضمن الفعل و لا ضمن الترك لانه سيف ذو حدين ، ففي برامجه ما يصلح سماعه و رؤيته و فيه ما لا يصلح ، و كل انسان بصير على نفسه و لو القى معاذيره ، فالحذر الحذر من التمادي مع البرامج الساقطة و الاسترسال مع المنكرات التي تتسمى باسم السهرات و برامج الترفيه فذاك رمضان آخر : " و لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ، اينما تكونوا يات بكم الله جميعا " .

على المسلم ان يتخير من برامج الاعلام و لا يكفي ان تسوق باسم رمضان فالفضائيات و المحطات الاذاعية و مواقع الانترنيت مثل الجليس الصالح و جليس السوء ، فالاول حامل المسك و الثاني نافخ الكير و شتان بينهما .

وهذا التخير الراشد يحتاج الى صبر ، و قد قال الله تعالى: " و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا و لا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطا و قل الحق من ربكم فمن شاء فليومن و من شاء فليكفر "

الواجبات اكثر من الاوقات

اذا نظرنا الى ما تقدم مما يجب فعله و تركه في رمضان نرى ان الواجبات كثيرة و الاوقات قليلة، وقد سأل سيدنا معاذ رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : اخبرني بعمل يدخلني الجنة و يباعدني من النار فقال له : لقد سألت عن عظيم و انه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله و لا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة و توتي الزكاة و تصوم رمضان و تحج البيت ان استطعت اليه سبيلا ".

فليحسن العبد الظن بربه و ليتمسك بالرجاء و الدعاء و ليمسك ورقة و قلما و ليتوكل على الله و ليكتب ما يملأ به كل يوم من الجمعة الى الجمعة و ليدون ما يكون من الافاقة الى الظهر و من الظهر الى المغرب و من المغرب الى النوم . و ليعرض برنامجه على التطبيق و اذا راي ان يصلح فيه شيئا اصلحه ، و من فوائد هذا التخطيط نيل الثواب اذا حال دون التنفيذ مرض او سفر او شغل قاهر .

النجاح في الاختيار و الاداء

ان النجاح في هذا السباق رهين بحسن الاختيار و حسن الاداء و في الحديث : " المومن القوي خير و احب الى الله من المومن الضعيف و في كل خير ، احرص على ما ينفعك " .

فالحرص ينبغي ان يقع في محله اذ ليس كل حريص قد حرص  على ما ينفعه ، فقد يحرص على ما يضره، و هدي الرسول صلى الله عليه و سلم في الصحة و المرض ، و في الحضر و السفر ، خير الهدي.

ان اريد الا الاصلاح ما استطعت

وقد ذكر الله تعالى امة قبلنا  و قال فيهم : " اتامرون الناس بالبر و تنسون انفسكم و انتم تتلون الكتاب ، افلا تعقلون و استعينوا بالصبر و الصلاة " ، و قال الله عز و جل عن نبيه شعيب : " و ما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه ، ان اريد الا الاصلاح ما استطعت و ما توفيقي الا بالله عليه توكلت و اليه انيب ." فلنتعاون جميعا على فعل ما جاء في هذا التوجيه من البر و التقوى و ترك ما حذر منه من الاثم والعدوان . والله الموفق وهو المستعان .. والحمد لله رب العالمين .

*هذا توجيه تربوي بمناسبة شهر رمضان المبارك، أعده الدكتور عز الدين توفيق سنة 2011