الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 14:56

دروس الهجرة النبوية

1 - الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب :

لذلك أيها الأخوة: عليك أن تأخذ بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة وكأنها كل شيء، ما من ثغرة إلا وقد غطاها الرسول صلى الله عليه وسلم، هيأ رجلاً يأتيه بالأخبار، وهيأ رجلاً يمحو الآثار، وهيأ خطةً تبعد عنه الشبه، اتجه نحو الساحل واستقر في غار ثور أياماً ثلاثة حتى يخف الطلب عنه، وهيأ دليلاً غلب فيه الخبرة على الولاء، ولم يدع ثغرةً إلا وغطاها، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، فلما وصلوا إليه وأصبح أحدهم على بعد أمتار منه قال الصديق رضي الله عنه لرسول صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه لرآنا. الآن لأنه أخذ بالأسباب طاعةً، وأخذ بالأسباب تعبداً، ولم يعتمد على الأسباب كما يفعل أهل الغرب قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟

 إذاً أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء، أنت في سيرك على طريق عن يمينه واد سحيق وعن يساره واد سحيق، إنك إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها كشأن الغرب وقعت في الشرك، من اعتمد على ماله ضل، من اعتمد على من حوله ذل، ومن توكل على الله لا ضل ولا ذل. ينبغي أن تأخذ بالأسباب دون أن تعتمد عليها، ينبغي أن تعتمد على الله، وإن لم تأخذ بها وتوكلت على الله فهذا التوكل الذي لا يريده الله، اعقل وتوكل وليس بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الله تناقض وتضاد، بل بينهما تكامل، بشكل مبسط الابن مريض، آخذه إلى أفضل طبيب، وأشتري له أحسن دواء، وأنفذ تعليمات الطبيب بكل دقة، وبعدئذٍ أتوجه إلى الله وأقول: يا رب لا شافي إلا أنت، أنا أخذت بالأسباب وعليك الباقي، هذا شأن المسلم في سفره، في تجارته، في صناعته، في زراعته، في زواجه، في علاقاته الأسرية، في أفراحه، في أتراحه، تأخذ بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة وكأنها كل شيء وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الدرس الأول من دروس الهجرة، وما أحوج المسلمين إليه في محنتهم مع أعدائهم، ما أحوجهم كيف؟ قال تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال: 60)

 هذا هو الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾  (سورة الروم: 47)

 أعد لهم ما تستطيع، ما هو متاح لك، والله جل جلاله يرمم الباقي، هذا درس بليغ في تجارتنا، في صناعتنا، في زراعتنا، في علاقتنا مع أعدائنا، في حربنا، في سلمنا، في كل أمور حياتنا، الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة كان مشرعاً، ولعل تشريعه العملي أبلغ عندنا من تشريعه النظري لعل ذلك، التشريع العملي وقائع وقعت.

 ورد في بعض الأحاديث الشريفة:" إن الله يلوم على العجز" أن نستسلم، أن نستسلم لواقعنا المر، ألا نحاول إصلاح واقعنا، أن نستسلم لضعفنا، أن نستسلم لقلة حيلتنا: "النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ

 أي أن تأخذ بالأسباب، لا تصح هذه الكلمة إلا عندما تأخذ بالأسباب و لا تفلح، أما ألا تأخذ بالأسباب أي طالب لم يدرس فلما رسب قال: حسبي الله و نعم الوكيل هذا ترتيب ربنا، هكذا شاءت مشيئة ربنا، هذا كلام كذب، أما حينما يدرس و يأخذ بالأسباب و لا ينجح لسبب قاهر فيقول: حسبي الله و نعم الوكيل، هذه أول درس من دروس الهجرة.

2 ـ الإسلام حركي و ليس سكونياً :

 لا تصدق و لا تتوهم و لا تعتقد أن الإيمان سكوني، جالس في البيت، استمعت إلى درس بالشريط، استمعت إلى خطبة أعجبت بالخطيب، الإسلام عظيم، دين الحق، النبي على حق، و اكتفيت بهذا، لم تقدم شيئاً للمسلمين، لم تتحرك إطلاقاً، لم تعطِ لله، و لم تمنع لله، و لم ترضَ لله، و لم تغضب لله، و لم تصل لله، و لم تقطع لله، و لم تبذل لا من مالك، و لا من وقتك، و لا من جهدك، و لا من عضلاتك، ما فعلت إلا أنك معجب بهذا الدين، معجب بهذه الخطبة، معجب بهذا الدرس، معجب بهذا الكتاب، الإسلام حركي ليس هناك إسلام سكوني: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ سورة الأنفال: 72

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ سورة الكهف: 110

 ماذا نفعل؟ قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ سورة الكهف: 110

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة التوبة: 105

 الإسلام حركي: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ سورة مريم: 31

 الزكاة حركة نحو الخلق، و الصلاة حركة نحو الخالق: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾ سورة مريم: 31

 ما من آية في القرآن تتحدث عن الإيمان إلا و قرن الله بها العمل في مئتي موضع من كتاب الله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ سورة البقرة: 25

وليس العلم مقصوداً لذاته في الدين إطلاقاً، إنما العلم ليعمل به، فإن لم يعمل به كان الجهل أولى.

 لا قيمة في نظر الإيمان للإيمان النظري المجرد عن كل حركة، مثل أضربه كثيراً، إنسان مصاب بمرض جلدي، و علاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، قابع في غرفة قميئة مظلمة رطبة، و هو يتحدث عن الشمس، و عن أشعة الشمس، و عن فائدة الشمس، و عن أن الشمس في رابعة النهار، و يا لها من أشعة ناجحة، كلام فارغ، ما لم تتعرض لهذه الأشعة فكل كلامك لا شأن له، و نحن قادمون على مناسبة مولد النبي عليه الصلاة و السلام ذكرت قبل يومين - كلفت أن ألقي كلمة و قد سمعت مديحاً لرسول الله رائعاً جداً - قلت: لو أن رجلاً أباً في أعلى درجة من العلم و الخلق و الفهم و الحكمة، و له ابن على نقيضه جاهل و خامل و كسول، و أمضى هذا الابن كل حياته في مدح أبيه، يبقى الأب حيث هو و الابن حيث هو، لا ينتفع بالمديح بل ينتفع بالاتباع، فالهجرة حركة، و الدين حركة، و الإيمان حركة، و الإسلام حركة، و في الحركة بركة، الموقف السلبي، إعجاب نظري، تأمل فكري، تعاطف نفسي، لا يوجد حركة، لا يوجد بذل، لا يوجد تضحية، لم تحمل همّ المسلمين، لم تسهم في تخفيف الأعباء عن المسلمين، لم تسهم في رفع شأن المسلمين، إيمانك لا قيمة له، لأنه حينما تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن تعبر عن ذاتها بذاتها بحركة نحو الخلق، مؤمن لا يعمل خيراً هناك شك في إيمانه، شك في مصداقيته.

3 - علاقة المسلم بالهجرة :

باب الهجرة مفتوح على مصراعيه بين كل مدينتين يشبهان في الماضي مكة و المدينة، أنت حينما تقيم في بلد لا تستطيع أن تعبد الله فيه، بقاؤك فيه حرام، و ينبغي أن تهاجر لأن العبادة علة وجودك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ سورة الذاريات: 56

 أي إنسان يقيم في مكان ما لا يستطيع أن يعبد الله فيه ينبغي أن يهاجر كما هاجر النبي عليه الصلاة و السلام، و قد سمعت فتوى من عالم جليل في بلد غربي في أحد المؤتمرات و الفتوى رائعة قال هذا العالم: ما لم تضمن أن يكون ابن ابنُ ابنك مسلماً لا ينبغي أن تبقى في هذه البلاد، و من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله، علاقتي بالهجرة أنني إذا كنت في مكان الدنيا فيه عريضة، دخل فلكي، رفاه ما بعده رفاه، كماليات ما بعدها من كماليات، حريات ما بعدها من حريات، لكن هذا على حساب ديني و عرضي و أولادي و زوجتي، ينبغي أن تهاجر إلى بلد تعبد الله فيه و لو كان فقيراً، و لو كانت فيه المشكلات لا تعد و لا تحصى، هذا منطق المؤمن، هذا منطق الآخرة، لا توازن بين بلدين، وازن بين الدنيا و الآخرة، لذلك الهجرة بالمفهوم الضيق أن تنتقل بين كل مكانين يشبهان مكة و المدينة، المفهوم الواسع للهجرة : "الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ " متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

 تركت المال الحرام، تركت هذه الصفقة لأن فيها شبهة، تركت هذا اللقاء لأن فيه اختلاطاً، تركت هذه الوليمة لأن فيها منكرات، تركت هذا السفر لأن فيه فتنة، تركت هذه الزوجة لأنها ليست مؤمنة، هذا تبعدك عن الله عز وجل، أي شيء تتركه في سبيل الله فأنت بهذا الترك مهاجر بمعنى من معاني الهجرة، هذا المفهوم الواسع.

4 - عبادة الله في الزمن الصعب كالهجرة إلى رسول الله :

 بل إنني أزف لكم هذه البشرى من رسول الله صلى الله عليه و سلم في زمن موت فيه كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل؟ و لا المقتول فيمَ قتل؟ كما ترون فيما حولنا، في زمن يذوب فيه قلب المؤمن في جوفه مما يرى و لا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه و إن سكت استباحوه، في زمن يُصدق فيه الكاذب و يكذب فيه الصادق، يؤتمن الخائن و يخون الأمين، في زمن الفتن ترقص و الدنيا خضرة نضرة، و المرأة معبود الناس من دون الله، في زمن كثر فيه المال الحرام و قلّ المال الحلال، في زمن كثرت فيه الفتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً و يمسي كافراً، و يمسي مؤمناً و يصبح كافراً، في زمن يبيع الإنسان دينه و آخرته بعرض من الدنيا قليل، عبادة الله في هذا الزمن الصعب كهجرة إلي، ورد في الحديث القدسي الصحيح عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ " مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ

 أي في الفتن، لذلك فأووا إلى الكهف و كهفنا مسجدنا، و كهفنا بيتنا، و جنة المؤمن داره.

5 - الهجرة في سبيل الشيطان :

بقي هجرة من نوع آخر، الهجرة هذه التي تحدثت عنها في سبيل الله، في سبيل الدار الآخرة، في سبيل الرحمن، لكن الهجرة اليوم في الأعمّ الأغلب هي في سبيل الشيطان، فحينما يرفض المرء الحق و أهله و ينضم إلى الباطل و أهله، فهجرته في سبيل الشيطان، بل هي فرار من واجباته، و حينما يؤثر المرء الدنيا الفانية على الآخرة الباقية فهجرته في سبيل الشيطان، و حينما يفضل المرء مصالحه على مبادئه، و حاجاته على قيمه فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته في سبيل الشيطان، و تحدث أصحاب النبي عن مهاجر أم قيس، أراد الزواج منها فاشترطت عليه أن يهاجر، فهاجر من أجلها سماه الصحابة مهاجر أم قيس، و حينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات و الطاقات لغير بلاد المسلمين، كل علمك و اختصاصك لغير المسلم يتقوى بهما فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين و تقوية لأعدائهم فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية، و فراراً من البذل و التضحية فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض و استثمار خيراتها فهي في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر الله، تصلي أنت في المسجد، و تحضر درس علم في المسجد، و تحجب امرأتك إذا شئت و لا يعترض عليك أحد، إذا سمح لك أن تصلي، و أن تحضر درس علم، و أن تكون حراً في بيتك، حراً في تحجيب نسائك، هذا بلد تقام فيه شعائر الله، فمن تركه إلى بلد لا يستطيع أن يعبد الله فيه فهذه هجرة في سبيل الشيطان، و حينما تكون الهجرة تضييعاً للعرض و الدين و كسباً للدرهم و الدينار فهي في سبيل الشيطان.

 وحينما تكون في بلد لك فيه دخل كبير وعز عظيم، لكنك قلقت على مصير أولادك لن يكونوا مسلمين، لن يعتزوا بهذا الدين العظيم، لن ينتموا إلى أمة سيد الأنبياء فتركت هذه الميزات، و عدت إلى بلدك و قد تعاني من بلدك بعض المتاعب لأنه بلد من العالم الثالث، فيه مشكلات كثيرة هذه هجرة في سبيل الرحمن، و هؤلاء الذين أصروا على بقائهم في بلاد الغرب يدفعون بعض الثمن الباهظ في الدنيا.

 الدكتور محمد راتب النابلسي (بتصرف)