الجمعة, 07 أيلول/سبتمبر 2018 11:01

دور العمل الخيري في تنمية المجتمعات ونهضتها

يمثل العمل الخيري قيمة إنسانية كبرى تتمثل في العطاء والبذل بكل أشكاله، فهو سلوك حضاري حي لا يمكنه النمو سوى في المجتمعات التي تنعم بمستويات متقدمة من الثقافة والوعي والمسؤولية، فهو يلعب دورا مهما وإيجابيا في تطوير المجتمعات وتنميتها فمن خلال المؤسسات التطوعية الخيرية يتاح لكافة الأفراد الفرصة للمساهمة في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي اللازمة كما يساعد العمل الخيري على تنمية الإحساس بالمسؤولية لدى المشاركين ويشعرهم بقدرتهم على العطاء وتقديم الخبرة والنصيحة في المجال الذي يتميزون فيه.

ويمكن أن يؤدَى العمل الخيري التطوعي بشكلٍ فردي، لكنَّ الأغلب أن يؤدَى في عصرنا عن طريق كيانات منظمة (غير حكومية أو شبه حكومية)، تسمى جمعياتٍ خيريةً، أو منظمات مدنيةً غير ربحية، والتي تمثل في مجموعها ما يطلق عليه المجتمع المدني أو الأهلي، وقد شرعت لها قوانين وأنظمة تنظم عملها وعلاقتها بالدولة، وبالكيانات الأخرى في المجتمع.

ولقد قامت الخدمات التطوعية الخيرية بلعب دور كبير في نهضة الكثير من الحضارات والمجتمعات ونشر الأفكار عبر العصور بصفتها عملا خاليا من الربح العائد وليست مهنة ، بل هي عمل يقوم به الأفراد لصالح المجتمع ككل تأخذ أشكالا متعددة بدءا من الأعراف التقليدية للمساعدة الذاتية إلى التجاوب الاجتماعي في أوقات الشدة ومجهودات الإغاثة إلى حل النزاعات وتخفيف آثار الفقر ويشتمل المفهوم على المجهودات التطوعية المحلية والقومية وأيضا تلك التي توجه إلى خارج الحدود.

إن العمل التطوعي في مجتمعنا يستمد جذوره من تعاليم الإسلام الحنيف التي حضت على التواد والتراحم، والتعاون والتكافل، والتناصرِ والتآزر، والمناصرة والمروءةِ، والبذل والعطاء، والإنفاق والمسارعة إلى الخيرات، والتي أُجملت وفصلت في كثيرٍ من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وقد اتَّخذ التطُّوع والصدقةُ في الإسلام والدولة الإسلامية صورة مؤسسيةً في شكل الأوقاف التي ينفق ريعها على المساجدِ، والخلاوي، والمستشفيات، والأسبلة، ودور العلم، وتجهيز الجيوشِ، وإغاثة المنكوبين والمحتاجين.

ولقد حفل التراث الإسلامي ابتداء بتأصيل العمل الخيري عقائديا بما ورد من آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة شواهد تعزز من قيمة العمل الخيري ومنها قوله تعالى : (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة (177) وفي هذه الآية تأكيد على اقتران العمل التطوعي بالعبادة ورضى الله سبحانه وتعالى كما أكدت ذلك الأحاديث الو رادة في فضل العمل الخيري وهي كثيرة أيضا ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله عبادا اختصهم لقضاء حوائج الناس حببهم للخير وحبب الخير إليهم أولئك الناجون من عذاب يوم القيامة ) .

كما جاءت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم والتابعين الذين تأسو بهم إقداما على الخير،تطبيقا استجابة لتلك النصوص فالتاريخ الإسلامي، سجل حافل بأعمال الخير التي تعددت وتنوعت سبلها من العناية بالمحتاجين والأيتام وطلاب العلم وغيرهم إلى تقديم العون لطالبي الزواج والمدينين وشق الطرق وإقامة الاستراحات للمسافرين، وغيرهم حتى امتد خيرها ليصل الحيوان.

وتبرز أهمية العمل التطوعي في تنمية المجتمعِ من خلال محورينِ هامينِ:

1 - الاستفادة من الموارد البشرية: حيث يمثِّل العمل التطوعي دورا إيجابيا في إتاحة الفرصة لكافة أفراد المجتمع للمساهمة في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي اللازمة في كل زمان ومكان، ويساعد العمل التطوعي على تنمية الإحساس بالمسؤولية لدى المشاركين، ويشعرهم بقدرتهم على العطاء وتقديم الخبرة والنصيحة في المجال الذي يتميزون فيه.

2 - الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة: حيث يساهمُ العمل التطوُّعي في تخفيض تكاليفِ الإنتاجِ، ويساعدُ على تحقيق زيادةِ الإنتاج، ومع تزايُدِ الطَّلبِ على السِّلَعِ والخدمات من قِبَلِ أفرادِ المجتمع، وصعوبة الحصولِ عليها في كثيرٍ من الأحيان، فإنَّه يُصبِحُ من الأهميَّةِ بمكانٍ الاعتمادُ على جهودِ المتطوِّعينَ؛ لتوفيرِ جزءٍ من هذه الاحتياجاتِ.

ولقد كان للقيم الاجتماعية وخاصة الدينية المتجذرة والمتعمقة في المجتمع العربي الإسلامي دور أساسي في تعميق روح العمل الخيري حيث امتاز الدين الإسلامي بأنه لا يفصل بين مساعدة الآخرين بمفهومها التطوعي وبين الصدقة بمفهومها الإسلامي ومن هنا كان العمل الخيري هو الموائمة بين الصدقة والتطوع ، وهو ما نريد تأكيده هنا بتعريفنا للعمل الخيري حيث يتساءل العديدون عن الفرق بين العمل التطوعي والعمل الخيري، خصوصا وأن مفهوم العمل الخيري وتطبيقاته في التراث الإسلامي تشتمل على كل المعاني والتطبيقات التي تورد ضمن مفهوم العمل التطوعي .

إن مجالات العمل الخيري متعددة وواسعة، تشكل مجالا خصبا لتفاعل المؤسسات الخيرية والمتطوعين في شتى ميادين العلم الخيري العمل والإسهام في خدمة المجتمع ومنها :

1 - المستشفيات والمراكز الطبية.

2 - المدارس على اختلاف مراحل التعليم وبرامج محو الأمية

3 - المساجد والهيئات الخيرية.

4 - السجون والإصلاح الاجتماعي .

5 - الإرشاد والنصح الاجتماعي لحل المشكلات الاجتماعي مثل الطلاق والجرائم وغيرها.

6 - إلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات لترسيخ القيم والمفاهيم الاجتماعية .

7 - قسم الإطفاء والدفاع المدني والإنقاذ المختلفة.

8 - المحافظة على البيئة وحملات النظافة العامة .

9 - الحدائق والمنتجعات العامة.

10 - المكتبات العامة.

11 - تقديم الاستشارات القانونية والطبية وغيرها.

فحقيقة العمل الخيري وخططه يجب أن ترتبط فيما يمكن أن تحدثه من تأثيرات وتغيرات في المجتمع باتجاه التنمية الشاملة فهو ليس جهودا تبذل وحسب لإنقاذ مصاب أو علاج مريض أو أموال تنفق لسد رمق محتاج بل إن خطة العمل الخيري يجب أن تكون في اتجاه التنمية وفي اتجاه بناء المجتمع فردا و أسرة ومن هنا يمكن أن نضع الأعمال في سياقها الصحيح المنتج حينما نخطط للبرامج الموجهة إلى كل من الفئات.

وهكذا يرتبط مفهوم العمل الخيري والتطوعي بالتنمية الشاملة، من خلال الكثير من تلك الأعمال والبرامج التي تستهدف الإنسان وترقى به ابتداء بالفرد ثم الأسرة ومن ثم تمتد إلى المجتمع تلك الحلقات الثلاث المترابطة بمجموعها ومفرداتها فصلاح الأسرة من صلاح الفرد وصلاح المجتمع من صلاح الأسرة.

س.ز / الإصلاح