الخميس, 30 تشرين2/نوفمبر 2017 10:30

رسولَ الله ... عذرا

هَذه أيامٌ مفْعَمةٌ بأَريج الزَّهْر، طَيِّبةٌ لياليها، تزهو، فلا يسمُو بعدها عِطْر، هذِي أيامٌ تُعيدنا إلى رحاب الحبيب، وذكرى الحبيب، من كان، ولا يزال، وسيبقى، دليلَنا إلى الفلاح، وهاديَنا إلى شطِّ النجاة، وداعيَنا إلى صالح الفِعال. هي أيامٌ نحتفي بها وفيها بذكرى الحبيب، ونتذكَّرُ شمائلَه وخِلالَه، والذكرى به ومعه تطيب، لا لنتغنَّى بجمال شخصه، وقد كان فيه غاية، ولا لنَنْعمَ بجميل مديحه، فالقول في ذاك آية، ولكن لنرْقبَ حضوره فينا، أيَّ حضور، ونسائلَ أثرَه فينا، أيَّ أثر، ونعايِنَ صبغتَه فينا، أيةَ صبغة، ونلاحقَ سُنَنَه فينا، كيف هي تلك السُّنن؟

عذرا يا رسول الله، فما تُهْنا، ولا انحرفنا، ولا ضَلَلْنا عن طريقك، ولا رغِبنا عن سبيلك، ولا اخترنا غيرَك قدوةً ونهجا، ولكنها غفلةٌ عابرة، ولحظةُ نسيانٍ سائرة، تفتُر بسببها النفوس، وترِقُّ لها القلوب، فتأتي ذكراك لترفعَ عنَّا الغِشاوة، كما رُفعتْ عن حضاراتٍ، وشعوبٍ، وأقوام ، فاستنارت بعد إِظْلام، ودبَّتْ فيها الحياةُ بعد طول حِمام (الموت)، حين ابتُعِثْتَ فيهم أولَ مرة، بعد أن عمَّ البلاء، وطمَّ الوباء، ولفَّ الأرضَ العماء، ولم يبقَ بين أهلها ما يُغري بركةَ السماء، لأن اللهَ تعالى حينها، قدْ «نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»، فرحمَهُم ببعثتك، وأنقذَهم برسالتك، وشرَّفَهم بنبوتك، وكرَّمَهم بفيض نوالك، فشَرُفوا بهدْيك، وارتفعوا بنهْجك، «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ».

وهذا شهرك، شهر الربيع، يأتي لنجدِّدَ العهْد، ونستعدَّ ليوم الحساب والعَدّ، ونعلمَ علمَ اليقين أن رسالتَنا حزمٌ وجِدّ، وتفانٍ ليس لسَعَته حدّ. ففي إنفاقك، نماذج للبذل والعطاء، وينابيع للخير لا تعرف الانقضاء، وفي عبادتك تعلقا بالصلاة فاق كل ولاء. هي مشاعل نستحضر ومضاتها، ليستمر العطاء تلوَ العطاء. ففي صبرك جَلَدٌ يتحدى كلَّ مضاء، وفي دعوتك ثباتٌ وعزمٌ وإباء، وفي تضحياتك صلابةٌ وقوةٌ وعَناء. وفي علائقك طِيبةٌ ورحمةٌ وصفاء، وفي أمانتِك، وصِدْقِك، ولِين جانبك، وعِفَّةِ لسانِك، وطِيبِ كلامك، وفي خشوعك وخضوعك، وفي إِخباتك واستغفارك، وفي ركوعك وسجودك، وفي عفوك وصفحك، وفي نيتِك وإخلاصِك، وتحمُّلِك الأذى بصبر واحتساب، وثباتِك وشِدَّتِك حين يفرُّ الأصحاب. فيك جِماعُ الخير، ومنتهى الفضائل، وغايةُ المكارم، مَدَحَ الله تعالى أخلاقَك العظيمة: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، وزكَّى طريقك ومنهجك: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»، وزكَّى بصرَك: «مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى»، وزكَّى مَنْطقَك: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى»، وزكَّى فؤادَك: «مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى»، وزكَّى أُمَّتَكَ من بعدك: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ».

من أجل ذلك، تداعينا للاحتفاء بك، بنهِجك وسُنتك، ونحن نحمل قبَساً من رسالتك، ووميضاً من هدْيك، نُسائل موقعَك فينا، ونصيبَك منَّا، فتأتي الصلاةُ أولا، وقد كانت عندَك قُرةَ العَين، يُقاس الناس بها في حضرتك، يُرفعون ويُخفضون وِفق مقامِها، وقد أخبر عبدُ الله بن مسعود، أن المؤمنين على عهْدِك «كَانُوا يَتَحَمَّلُونَ الْمَشَقَّةَ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ، لَيَعْجِزُ عَنِ الْمَشْيِ، فَيَتَهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُوقَفَ فِي الصَّفِّ»، كلُّ ذلك من أَجلِ أنْ تبْقى الصلاةُ عنواناً بارزًا لمن سلك طريقَك. ولعلَّ البعْضَ قدْ أصاب، حين جعل الدينَ كلَّه مرادفاً ومساوقاً للصلاة، لأن إقامَ الصلاة وفق نَهْجك، طريقٌ سالكٌ للارتقاء في سائرِ هدْيك، بِلُزومِ مجالسَ تزهو بعِطْرك، فتَحْيا بها القلوب، لترتويَ من حوْضِك، ونحنُ أحْوجُ إليها، فهذا عبد الله بنُ مسعود يُخْبر أنك كُنتَ تَتخوَّلهُم «بِالْمَوْعِظَةِ»، وتملأُ قلوبَهم بجديد الإيمان، وتُزودُهم ليرتقُوا، ويَتَّقُوا. ومَنْ مِنّا يرغب عن مجالسِ الإيمان، فتُصَحَّحُ النياتُ والمقاصد، وتَستبينُ من أمورنا المراشد. ومَنْ مِنّا لا يَحِنُّ إلى جمَيل الذكر في رياض الجنة، تَشِعُّ في نفسه أنوارُها، وتُجدَّدُ به أدوارُها، فتحُفُّ أعمالَنا الإيمان، ونُقبِلُ عليها بتضحيةٍ وتفان، مستحضرين وصايا العدنان، مرددين بفخر وامتنان: رسولُ الله قدوتُنا في كل حين وآن. في مسؤولياتنا وتَحمُّل المهمَّات، في دوراتنا والأمسيات، في اجتماعاتنا واللقاءات، في حَضَرنا وتَرْحالِنا والسَّفرِيات، في ما كنا فيه ونكون، وفي ما هو آت، إلى أن نلقى الله عند الممات.

تلك بعضٌ ممّا تثيرُه فينا هذه الأيامُ العطرة، من مولد المربي الأول صلى الله عليه وسلم، هي أيامُ كشفِ حساب، لقياس تربيتنا إلى تربيته، وصلاتِنا إلى صلاته، وأخلاقِنا إلى أخلاقه، وشغفِنا برسالتنا إلى شغفه، وصبرِنا على أوضار الطريق إلى صبره، ومنهجِنا إلى منهجه، وإيمانِنا إلى إيمانه، وإسلامِنا إلى إسلامه، حتى نبقى دوما في ارتقاء. وفقنا الله تعالى بفضله وكرمه لما يحب ويرضى. آمين.

أحمد أبو زيد