Sunday, 28 May 2017 09:21

رمضان شهر القرآن

ثمة علاقة وطيدة ورباط متين بين القرآن وشهر الصيام، تلك العلاقة التي يشعر بها كل مسلم في قرارة نفسه مع أول يوم من أيام هذا الشهر الكريم، فيُقْبِل على كتاب ربه يقرأه بشغف بالغ، فيتدبر آياته ويتأمل قصصه وأخباره وأحكامه، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين، وتدوي في المآذن آيات الكتاب المبين، معلنة للكون أن هذا الشهر هو شهر القرآن، قال جل وعلا: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" (البقرة:185)، قال الحافظ ابن كثير: "وكان ذلك -أي إنزال القرآن- في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، وقال سبحانه :"إنا أنزلناه في ليلة مباركة"، ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وكان جبريل عليه السلام يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيدارسه القرآن كل ليلة في رمضان - كما في "الصحيحين"-، وكان يعارضه القرآن في كل عام مرة، وفي العام الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه جبريل القرآن مرتين.

وإن أفضل مهذب للروح بل هو الروح الحقيقية الذي تحيا به القلوب كتاب الله الملك الوهاب "وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتتَقِيمٍ".

فالقرآن روح القلوب، وبينه وبين رمضان علاقة حميمة واتصال وثيق، فهو شهر نزول القرآن "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ"، وفيه نزلت أول آية من القرآن، وفيه كان جبريل ينزل في كل ليلة يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن.

والقرآن هو الروح والرحمة، والهدى والشفاء، والفرقان والنذير، والنور والروح، وهو الشفيع والأنيس، والرفيق والجليس، الحرف فيه بحسنة والحسنة بعشر والله يضاعف لمن يشاء، وأهله أهل الله وخاصته، والماهر به يرتقي في الجنان على حسب تلاوته للقرآن فلا غرو أن يكون مع السفرة الكرام.

وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي الرؤوف الرحيم في هذا الشهر العظيم.

وهكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء، و تنزل الوحي بالنور والضياء، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية الجهلاء.

ومن قبل ذلك شهد هذا الشهر الكريم نزولا آخر، إنه نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر … {إنا أنزلناه في ليلة القدر} {إنا أنزلنا في ليلة مباركة}، قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [النسائي و الحاكم]، وقال ابن جرير: نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه و سلم على ما أراد الله إنزاله إليه.

وأي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن؟ نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا".

في نزول القرآن الكريم في هذا الشهر المبارك كثير من الدلالات والعبر، التي تحيى القلوب وتوقظ الفكر، وتستوجب التأمل والنظر، فالمتأمل يجد أن رمضان والقرآن الكريم يتوافقان في كثير من الخصال، فقد أشار كل منهما إلى تحقيق مقصد التشريع الأسمى، وهو الهداية والتقوى، قال الله سبحانه وتعالى عن القرآن الكريم: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" وقال سبحانه عن الصيام:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".

وبذلك تتكامل وظيفة القرآن الكريم والصيام لتحقيق التقوى في نفس الصائم. كما أن الصيام وقراءة القرآن الكريم من الأعمال الفضيلة التي تشفع لصاحبها في الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم :" الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيشفعان".

ومن جميل العلاقة بين الصيام والقرآن الكريم أن الصيام سبب في صفاء النفس، وحياة القلب ويقظة الفكر، وهذه هي أهم الأمور التي يحتاجها قارئ القرآن الكريم ليهتدي إلى معانيه السامية وحكمه الباقية، فيتحقق له بالصيام معنى التدبر الذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى:"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب" .

س.ز/الإصلاح