Wednesday, 31 May 2017 13:39

رمضان والقرآن

معلوم أن رمضان شهر له خصوصية بالقرآن، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. فقد أنزل الله القرآن في هذا الشهر، وفي ليلة منه هي ليلة القدر؛ لذا كان لهذا الشهر مزية بهذا القرآن. وكان النبي r يعرض القرآن في رمضان على جبريل u، فكان يدارسه القرآن؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله r أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن"[1].

ففي ليلة السابع عشر من رمضان والنبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره أذن الله عز وجل للنور أن يتنزل، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له : اقرأ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم } فرجع بها رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يرجف فؤاده )) ( البخاري 3)

وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي الرؤوف الرحيم في هذا الشهر العظيم .

وهكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء، و تنزل الوحي بالنور والضياء ، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية الجهلاء .

خصوصيَّةُ القرآن في رمضان بدأت هناك، في غار حِراء، بدأت هناك في ساعة التقاءِ وحيِ السماء بأهل الأرض بعد طولِ انقطاع، بدأت في تلك اللحظة التاريخية التي لا مثيلَ لها في أحداث الدنيا كلِّها، تلك اللحظة التي أُعْلِنَتْ فيها نُبُوَّةُ محمَّد بن عبد الله، تلك اللحظة التي تشرَّفَتْ فيها الأرضُ بكلمات الله تُتلى على ظهرها لأوَّلِ مرَّةٍ منذ عهدٍ طويلٍ.

نعم، بدأت خصوصية القرآن في رمضان حينما حدث كل ذلك ووقع في زمان رمضان، حينما تُليت الكلمة الأولى من القرآن العظيم على مسامع النبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة من ليالي شهر رمضان، تليت هناك في كهف مظلم في أعلى جبال مكة، فأنارت به الكهف والجبال والسهول ومشارق الأرض ومغاربها، فتجلى هذا النور الإلهي المبارك في ساعات مباركة اختارها الله لتكون من ساعات هذا الشهر المبارك شهر رمضان، ولم يختر ربنا الحكيم وقتاً من غير هذا الشهر ليلقي كلماته على أشرف خلقه، ليكون ذلك أعظم شاهد على خصوصية القرآن في هذا الشهر.

هذا المشهد المهيب الذي تلقت فيه الأرض أولى كلمات الله، وتباركت بها في ساعة مباركة من ساعات شهر رمضان، صوَّرَتْها لنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، فقد روى البخاري في صحيحة: عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:" أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) [العلق:1-3]".

فهذا الحدث وقع في وقت من رمضان؛ ليشهد بذلك على خصوصية القرآن العظيم في شهر رمضان المبارك، خصوصية أرادها الله وشاءتها حكمته -سبحانه وتعالى-.

فكونه يخص ليالي رمضان بمدارسته، دليلٌ على أهمية قراءة القرآن في رمضان. ومعلوم أن الكثير من الناس يغفلون عن قراءة القرآن في غير رمضان، فنجدهم طوال السنة لا يكاد أحدهم يختم القرآن إلا ختمة واحدة، أو ختمتين، أو ربما نصف ختمة في أحد عشر شهرًا، فإذا جاء رمضان أقبل عليه وأتم تلاوته. ونحن نقول: إنه على أجر، وله خير كبير، ولكن ينبغي ألا يهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمَّ الذين يهجرونه، قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30].

- ومن هجران القرآن ألا يكون الإنسان مهتمًّا به طوال العام إلا قليلاً.

- ومن هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم يتدبره، ولم يتعقله.

- ومن هجرانه أن القارئ يقرؤه لكنه لا يطبقه، ولا يعمل بتعاليمه.

وأما الذين يقرءون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته. ويجب على المسلم أن يكون مهتمًّا بالقرآن، ويكون من الذين يتلونه حق تلاوته، ومن الذين يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عند عجائبه، ويعتبرون بأمثاله، ويعتبرون بقصصه وما فيه، ويطبقون تعاليمه؛ لأن القرآن أنزل لأجل أن يعمل به ويطبق، وإن كانت تلاوته تعتبر عملاً وفيها أجر.

س.ز/ الإصلاح