الخميس, 18 أيار 2017 19:26

كلمة تربوية حول الاستعداد لرمضان

بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته أجمعين، نسأل الله أن يجعلنا من عباده المهتدين والهادين بإذنه إلى صراط مستقيم غير ضالين ولا مضلين آمين.

أما بعد، أيها الأحبة الكرام نحمد الله تعالى أن جمعنا في هذا اللقاء الطيب المبارك، لأنه لقاء نتعاون فيه على تنظيم عمل حركتنا بمنطقة تمارة، فنسأله عز وجل أن يبارك لنا فيه وأن يوفقنا فيه لما يحبه ويرضاه. هذا اللقاء كما تعلمون أيها الأحبة الكرام يأتي قبيل شهر مبارك عظيم إنه شهر رمضان، الذي جعله الحق سبحانه لنا موسما من مواسم الخير والتجارة معه سبحانه. وإن أهل العقول الراجحة وأصحاب الألباب ليغتنمون هذه المواسم ويبادرون فيها الى التجارة الناجحة كما سماها الله عز وجل في كتابه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)" الصف الآية 10.

إنها تجارة المسابقة إلى الأعمال الصالحة والمسابقة إلى القيام بكل ما يقربنا من الله عز وجل، وإذا كانت للعبادات القاصرة على الفرد مكان عظيم في هذه الأيام التي سنستقبلها ، سواء الصوم أو الصلاة أو قراءة القرآن أو الذكر والاعتكاف فإن للعبادات المتعدية أثرا كذلك بليغا وأجرا عظيما عند الله عز وجل لقول الله تعالى في كتابه ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) سورة فصلت الآية 33.

فمقام الدعوة إلى الله عز وجل مقام عظيم يقترب فيه الإنسان المسلم من مقامات الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، فإذا نظمنا وخططنا لأعمال دعوية وتربوية، وأخذ ذلك منا بعض الوقت والجهد، الذي قد يعتقد الغير أنه كان على حساب وقت الزاد الروحي والتربية، فإننا نرجو من الله تعالى أن تكون له البركة والأجر أيضا عند الله عز وجل، وأننا قد نرتقي به مقامات عند الله تعالى.

ومن جهة أخرى فإنني أدعو كل الأعضاء إلى مزيد من التعاون، والتآزر للقيام بأعباء الدعوة، ولئلا نسلم قلة من إخواننا فقط لذلك. إن شعار مخططنا الاستراتيجي " التعاون على إشاعة الوسطية وتعزيز قيم الاستقامة". فإن مصطلح التعاون ينبغي أن نؤكد عليه لأننا من خلاله سنقلل العبء علينا جميعا، بحيث لا يبقى العبء على قلة قليلة من إخواننا، يستنزفون في هذه الأعمال، بينما إخوة آخرون متفرغون لأنفسهم أو لزادهم الخاص، فلا بد أن نتعاون سواء في إطار مكتب المنطقة أو في إطار فروعنا المحلية، لابد أن يعين بعضنا بعضا حتى نتقوى على الاستمرار في البذل والعطاء.

ومن الأمثلة الرائعة في التعاون على القيام بأعباء الدعوة والبلاغ ما حكاه القرآن الكريم عن موسى عليه السلام مع أخيه هارون، حين استشعر ضخامة المسؤولية وثقل الأمانة فتوجه إلى ربه قائلا: " قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)" والوزير كما ذكر ابن عاشور مشتق من الأزر وهو المعونة والمؤازرة كذلك، والكل مشتق من الأزر أي الظهر وهو مجمع قوة الإنسان. فالداعية محتاج إلى من يقوي ظهره، وإلى من يسنده حين قيامه بأعمال الدعوة ومتطلباتها. أما قوله تعالى "أشركه في أمري" فهي تفيد أن للإشراك فوائد، منها سرعة انتشار الدعوة، وتكثير المستجيبين لها، وبالتالي كثرة المسبحين والحامدين لله تعالى: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا () وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا } [طه: 33، 34] . ومن فوائد الإشراك أيضا، تقليل الوقت الذي يُقضى في الضروريات (ضروريات الحياة الخاصة). قال ابن عاشور: " وأيضا في التعاون على أداء الرسالة تقليل من الاشتغال بضرورات الحياة إذ يمكن أن يقتسما العمل الضروري لحياتهما فيقل زمن اشتغالهما بالضروريات وتتوفر الأوقات لأداء الرسالة . وتلك فائدة عظيمة لكليهما في التبليغ". ولذلك حي على الاجتهاد و حي على العمل وحي على التعاون.

وعلينا أن نبلي البلاء الحسن حتى نقوم بأعمال تكتب لنا في سجل حسناتنا في هذا الشهر الذي نستقبله بعد أيام قلائل من الآن، فلابد أن نجد ولابد أن نشمر، ولنتذكر أن أيام رمضان لا يعدلها شيء ولو كان الجهاد في سبيل الله تعالى. روى ابن حبان في صحيحه عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ، فَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا وَاحِدًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ فَاسْتُشْهِدَ، وَعَاشَ الْآخَرُ سَنَةً حَتَّى صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ مَاتَ، فَرَأَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ خَارِجًا خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ آخِرَهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى طَلْحَةَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ، [ص:249] فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، وَعَجِبُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا، وَاسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ بِسَنَةٍ؟ » قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا فِي الْمَسْجِدِ فِي السَنَةِ؟ » قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَلَمَّا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».

إن هذا الموسم وهذه المدرسة وهذه النفحات قد لا ندركها سنة أخرى لذلك وجب علينا أن نتعرض لها وأن نعد لها من الآن، وقد جرت عادتنا في منطقة تمارة أن نعد حفلا لاستقبال رمضان، وعلينا أن نشيع الإعداد والاستعداد في أسرنا، وإخواننا وأخواتنا ، وفي جيراننا وأقاربنا . ولنتذكر أن هذا الموسم يصادف بداية العطلة الصيفية، حيث أن 70% من الشباب تقريبا سيتفرغون من الآن (التلاميذ الذين ليس لهم امتحانات إشهادية، والبقية بعد رمضان بأيام قلائل) فعلينا أن نعد لهم من الأعمال التربوية والدعوية ، ما ينفعهم ويقربهم من الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يبارك أعمالنا وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.

الدكتور الحسن الموس