Saturday, 08 July 2017 18:25

كن مباركا أينما حللت وارتحلت: كلمات بمناسبة فصل الصيف

الحمد لله حمدا كثيرا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر باغتنام الأوقات وتنويع الطاعات فيها فقال: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7، 8].وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله بين لأمته قيمة الزمن وأهمية اغتنامه والحذر من الغبن فيه فقال: فيما رواه البخاري عَن ابنِ عَبّاسٍ: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِن النّاسِ الصّحّةُ وَالْفَرَاغُ). أما بعد:
مع إطلالة الصيف، وشروع الناس في أخذ إجازاتهم الصيفية، وتفرغهم من أشغالهم المعتادة نحتاج جميعا إلى أن نتذكر قيمة الوقت، وأهمية الانتفاع به واغتنامه فيما يعود علينا بالنفع في العاجل والآجل. وإذا كان للترويح عن النفس أهمية ودور في الاسترواح من عناء سنة كاملة من العمل والاجتهاد، وكان لكل ذلك أصل في شرع الله " ولكن ساعة وساعة" فإن ذلك لا يعني أن تقضى العطلة في الفسحة دون مراعاة لحدود الله، ولا أن يغيب عنها جوانب من الخير والبركة التي ينبغي أن تصاحب المسلم في حله وترحاله، اقتداء بعيسى عليه السلام الذي قال عن نفسه: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31].
إنه بإمكان المسلم سواء بقي في بيته وبين أهله أو سافر لقضاء العطلة في بلد آخر أن يصطحب معه نيات متعددة وأن يحقق جوانب كثيرة من الخير لنفسه وللناس من حوله. ولأجل ذلك أقترح على أحبتي مراعاة ما يأتي في عطلة الصيف:
أولا: اصطحاب نية الخير والصلاح 
من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم نية فعل الخير، والتقرب إلى الله تعالى في كل عمل ولو كان من المباحات. فالمباح بالنية الصادقة يصير قربة يُنال به الأجر. روي مسلم عن أبي ذر الغفاري أن ناسا من أصحاب النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قالوا للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله ، ذهبَ أهل الدُّثُورِ بالأُجُورِ ، يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصومُ ، ويتصدَّقون بفُضولِ أموالهم ...فكان مما قاله لهم عليه السلام : « وفي بُضْعِ أحدِكم صدقة» وفهم الصحابة هذا المعنى فروي عن معاذ بن جبل، أنه قال لأبي موسى الأشعري:«أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي» .......
فإذا خرجت أخي المسلم من بيتك مسافرا فضع لنفسك نيات متعددة كالسياحة في الأرض والتفكر في خلق الله، وصلة الرحم والأقارب، والتعرف على وطنك واستكشاف ما يزخر به من خيرات. وتذكر الحكمة المغربية القائلة " حجة وحاجة" والتي لها أصل من شرع الله حيث أباح الله تعالى لعباده وهم في ألصق اللحظات بالعبادة والإقبال عليه أن يبتغوا من فضله بالتجارة والبيع والشراء. قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]
ثانيا الصيف وقضاء الفوائت: 
كان الكثير منا يؤجل بعض أعمال الخير، ويتحين الفرصة ووجود الفراغ لإنجازها . فها قد يسر الله لك أخي أياما مباركة في إجازتك، فاحذر أن تضيع منك وأن تكون ممن عاهد الله على إنفاق ما يتاح منها في وجوه الخير فلما آتاك من فضله بخلت وتوليت وأعرضت. واحذر أن تكون من أسرفوا على أنفسهم في تضييع الفرص والأوقات حتى إذا جاءهم الأجل : " قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ. لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت"... المؤمنون 98. 99. فيقال لك كلا، " أولم تعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير". وتذكر أنك عما قليل سترحل عن الدنيا، وأنه كما قال الحسن:" إنما أنت أيام مجموعة كلما مضى يوم مضى بعضك، وقال: ابن آدم! إنما أنت بين راحلتين مطيتين يوضعانك، يوضعك الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل، حتى يسلمانك إلى الآخرة". 
واعلم أخي المسلم أن أوَّلَ ما يُسألُ عنه العبدُ غَدا يوم القيامة بين يَدَيِ الله عز وجل هو الوقت. أخرج الترمذي في جامعه وصححه عن أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفيمَ أَنْفَقَهُ، وعن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ). وكان السلفُ رضي الله عنهم أحرصَ ما يكونون على أوقاتهم. قال الحسن: "أدْرَكْتُ أقواما كان أحدُهُم أشَحَّ على عُمُرِهِ مِنْهُ على دِرْهمه". وكانوا يَزِنُونَهَا بما حَصَّلُوه فيها من الأعمال. قال ابن مسعود: "ما نَدِمْتُ على شيْء ٍنَدَمِي على يومٍ غَرَبَتْ شمسُه، نَقَصَ فيه أجَلِي ولم يَزْدَدْ فيه عَمَلِي". فاجتهد خلال الصيف في الإقبال على كتاب الله تعالى قراءة وحفظا ومدارسة. وخصص لنفسك ولأسرتك كتيبات تقرؤونها خلال الإجازة الصيف. 
ونقل فهد العودة عن بعض السلف:

"التكاليف كثيرة والأوقات خاطفة.....الوقت بطيء التّأتي ، سريع التقضّي ، أبيّ الرجوع.."
ثالثا: كن مباركا على من تنزل فيهم
يحرص المسلم على أن يكون نافعا لغيره، مباركا على من يحل عليهم. ولذلك ينبغي لك أخي المسلم أن تصحب معك نية فعل الخير وتشجيع الناس على الطاعات والقربات. وتذكر وصية النبي عليه السلام لعلي حين قال: « انْفُذْ على رِسْلِكَ، حتى تنزلَ بساحتِهِم ، ثُمَّ ادْعُهم إِلى الإِسلامِ ، وَأخبِرهم بما يجبُ عليهم مِن حق الله عز وجل فيهم، فواللهِ لأن يهديَ الله بكَ رجلا واحدا خير لكَ من حُمْر النَّعَم »البخاري ومسلم. وقد نقل عن أبي حامد الغزالي أنه كان يرى أنه ينبغي لمن عنده علم أن يخص وقتا لتعليمه لأهل البادية، وأن ذلك حقهم على العلماء. واعلم أن مجالس الذكر والنصيحة مباركة وتحفها الملائكة وتغشاها الرحمة فلا تحرم نفسك وغيرك من فضلها.
ومن جهة أخرى يمكنك أخي المسلم أن تصطحب معك بعص المتاع أو لوازم الأبناء الدراسية الذي استغنيت عنه فتوزعه على فقراء بلدتك أو القرية التي تحل فيها, ولا تدري فقد تدخل سرورا بها على يتيم أو أرملة أو مسكين فتؤجر عليه. ويمكنك كذلك أن تحمل معك كتيبات وقصص لتوزها على بعص من يحتاجوها فتكون لك صدقة جارية .
وإذا نزلت أخي الكريم ببعض أقاربك فكن خفيفا هينا، ولا تثقل عليهم . واعلم أن الضيافة الواجبة أقصاها ثلاثة أيام وهي تجب في حالة عدم وجود فنادق المبيت. وإذا كنت ستقيم عند بعض أقاربك فساعد في النفقات اليومية، وفي القيام بأعباء البيت ولوازمه، فذلك أدعى إلى أن تبقى محبوبا مرغوبا في ضيافتك، لا أن يضجر الأقارب منك ومن زيارتك فتكون ضيفا ثقيلا.
رابعا: لا تغفل عن وردك وعن صلاتك وأشرك غيرك فيها
من يسر الإسلام وسماحته أنه رفع المشاق عن المكلفين، وخفف عنهم بعض العبادات في أحوال معينة كالسفر مثلا، فأباح للمسلم أن يفطر في رمضان، وأن يقصر من الصلاة الرباعية ويجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وهذه الرخص تدل على أن المسلم وإن تخفف من بعض العبادات فإنه لا ينزل عن الحد الأدنى الذي شرعه الله تعالى. فالصلاة تجب عليك في الحضر وفي السفر، وقد جعل الله تعالى لأمة الإسلام الأرض مسجدا وطهورا، فأذن حيث أدركتك الصلاة، وصل مع غيرك تنال أجر صلاة الجماعة.
ولا تغفل أخي الفاضل عن مجالس الذكر والنصيحة والتي يمكن أن تقيمها في بيتك أو بيت أقاربك وكذلك في المتنزهات بعد الصلاة تجتمعون للمذاكرة حول أحوال الأمة وسبل الحفاظ على المكتسبات وتجنب الكوارث التي لحقت بالكثير من بلاد الإسلام.
خامسا: أنفق باعتدال واحذر الإسراف
     يحتاج السفر إلى زاد مادي ومعنوي. والحكمة تقتضي تخصيص قدر من المال يدخر لتكاليف السفر حتى لا يقع المسلم في الربا الحرام. وقد أمر الله تعالى بالاعتدال في النفقة وجعل من صفات عباد الرحمان أنهم: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67]. فاحذر من التبذير الذي هو صفة من صفات إخوان الشياطين، فاشتر باعتدال، والبس واطعم بتوسط واعتدال أيضا. وتصدق بما فضل عليك من الطعام والشراب. قال الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26]
سادسا: تمتع بما حولك مع مراعاة حدود الله
أباح الله لنا أن نستمتع بما حولنا، ودعانا في كتابه أن نتدبر كتابه المنظور. قال تعالى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) التكوير من 15 إلى 19. فيمكنك أخي المسلم أن تخصص بعض الأيام لمشاهدة تنفس الصبح وشروق الشمس، وكذلك لحظات لمتابعة الغروب وخاصة في الصحارى أو بجانب البحر . كما يمكنك أن تمارس أنواعا من الرياضات بحسب مكان تواجدك وحسب مات تيسر لك فدين الإسلام يدعو إلى تقوية الأبدان، وإلى حسن العناية بها. والحكمة تقول " العقل السليم في الجسم السليم". 
    

  وبالمقابل فاحذر أخي المسلم من الوقوع في المحرمات والموبقات، واعلم أن الله تعالى أمر المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم وحفظ فروجهم فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ () وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 30، 31]. وروى الترمذي وأبو داوود عن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - : قال : «سألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن نَظْرَةِ الفُجَاءَةِ ؟ فقال : اصْرِفْ بَصَرَكَ ». أخرجه مسلم ، والترمذي، وأبو داود.

الدكتور حسن الموس