الأحد, 25 حزيران/يونيو 2017 12:06

للصائم فرحتان

نقف اليومَ مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يُبشِّرنا بفرحِنا بهذا اليوم، وفرحِنا يوم نلقَى الله - سبحانه وتعالى - فيقول - صلَّى الله عليه وسلَّم :(للصائمِ فرحتان يفرحهما: إذا أفْطَر فَرِح بفطره، وإذا لَقِي ربَّه فَرِح بصومه) متفق عليه.

والسؤال الذي نطرحه على مائدة اليوم: يا ترى، ما حقيقة هذا الفرح الذي يُعلِنه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ ولأيِّ شيءٍ يكون؟ وبماذا يفرح المسلِم؟ وما هي العوامل التي تجعل المسلِمَ فرحًا مبتهجًا في حياته؟

والجواب على هذا السؤال هو: أنَّنا واثقون بأنَّنا نقتبس فرحَنا من فرح الله - تعالى - ومِن فرح نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومِن فرح الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين.

أولاً: فرحة الله تعالى بالتائبين:

ويُمثِّله مثال واقعي يعيشه كلُّ أحد، حتى يرتسمَ في أذهاننا، ويتمكَّن من قلوبنا، ويبقى ماثلاً في حياتنا.

فعن سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - خادم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أنَّه قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم : (لَلَّهُ أفرحُ بتوبة عبدِه من أحدِكم سَقَط على بعيره، وقد أضلَّه في أرْض فلاة)؛ متفق عليه، الفلاة: الصحراء الواسعة. وفي رواية لمسلِم: (للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدِكم كان على راحلته بأرْض فلاة، فانفلتتْ منه وعليها طعامُه وشرابه، فأَيسَ منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، وقد أَيِسَ من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخَذَ بخطامها - الخطام: الحبل الذي يُقاد به البعير - ثم قال مِن شدَّة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك! أخطأ من شدَّة الفرح).

وتذكَّرْ ما قاله الإمام عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - عندما دخل رجلٌ عليه في يوم عيد الفِطر، فوجده يأكل طعامًا خشنًا، فقال له: يا أمير المؤمنين، تأكل طعامًا خشنًا في يوم العيد!! فقال له الإمام عليٌّ - كرم الله وجهه -: اعلمْ يا أخي، أنَّ العيد لِمَن قَبِل الله صومَه، وغفر ذنبَه، ثم قال له: اليوم لنا عيد، وغدًا لنا عيد، وكل يوم لا نعصي الله فيه فهو عندنا عِيد، وقال الحسن: كل يوم لا يُعصَى الله فيه فهو عيد، وكلُّ يوم يقطعه المؤمن في طاعة   مولاه وذِكْره وشكره فهو له عِيد.

ثانيًا: مع فرح النبي صلَّى الله عليه وسلَّم :

عندما جاء وفدُ عبد القيس إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: يا معشرَ الأنصار، هذا وفد عبد القيس، أقربُ الناس إليكم أبشارًا وأشعارًا - يعني: يشبهونكم في مظهرِكم، وهم مثلكم أسلَموا طائعين غيرَ مكرهين - يا معشرَ الأنصار، أكرموا وِفادتَهم، ولَمَّا أصبح الصباح جاء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى وفْد عبد القيس فقال لهم: كيف رأيتم إخوانَكم الأنصار؟ قالوا: يا رسولَ الله، خير الناس ضيافةً، أطعمُونا وسقَوْنا، وألانوا فراشَنا، وعلَّمونا كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وانظرْ إلى كلام الوفد، لم يقولوا فقط: (أطعمونا وسقونا وألانوا فراشنا)، وإنما: (وعلَّمونا القرآن) ؛حتى يرسخ في قلوب المسلمين أنَّ الطعام والشراب ليس هو الأساس، صحيح أنَّ هذه ضيافة، والضيافة تمثَّلتْ في تحسين الطعام، وتحسين الشراب والفراش، وفي تعليم القرآن.

يقول وفدُ عبد القيس: فأُعجِب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وفَرِح بذلك، وأخذ يتقلَّب إلينا واحدًا واحدًا يسأله ويعلِّمه.

نَعمْ، فَرِح النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولماذا فرح؟ هل لأنَّهم نصبُوا مائدةً عريضة، وفيها ما لذَّ وما طاب من الطَّعام والشراب؟ لا، إنَّما فَرِح لأنَّ الأخوَّةَ الإسلاميَّة راسخة؛ لأنَّ الأخوة ثابتة وعميقة، ولأنَّ الضيفَ يفرح بقراءة القرآن، ولأنَّ المضيف مِن منهج ضيافته تعليم القرآن.

فإن فعلتَ هذا، فقد أفرحتَ نبيَّك - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما فرِح بالأنصار، فهذه هي الأخوة الحقيقيَّة، وهذا هو عِيدك الحقيقيّ.

ثالثًا: فرح الصحابة رضي الله عنهم :

وكانتْ فرحة الصحابة في مجلس النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فما هو الشيءُ الذي أفرحهم؟ هذا سيِّدنا أنس - رضي الله عنه - يُحدِّثنا عن فرحتهم فيقول: "إنَّ رجلاً سأل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الساعةِ، فقال: متى الساعة؟ قال: (وماذا أعددتَ لها؟) قال: لا شيء، إلاَّ أنِّي أحب الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: (أنت مع مَن أحببْت)، قال أنس: فما فرِحْنا بشيء فَرَحَنا بقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنت مع مَن أحببْت))، قال أنس: فأنا أحبُّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكونَ معهم بحبِّي إيَّاهم، وإن لم أعملْ بمثل أعمالهم"؛ رواه البخاري.

ولا تتصوَّرْ أنَّ مسألة الحب هذه مسألة عاطفية، لا إنَّما هي مسألة عقدية، لذلك بعض الناس يتصوَّر أنَّه عندما يقول: أنا أحبُّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أصبح مع النبيِّ في الجنة، وتراه لا يُصلِّي الصلاة في وقتها، صيامه عن الأكْل والشُّرْب فقط، زكاته يتفنَّن في الهروب منها، بيته غير إسلامي، نساؤه إذا خرجنَ، خرجن متزينات متبرِّجات، ومع ذلك يريد أن يكونَ مع النبي، فهذا مفهوم خاطئ.

الذي يريد أن يُحشر مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الجنة عليه أن ينظر كيف تطبيقه لتعاليم النبي في حياته؟ هل أولادُه من الملتزمين بالإسلام؟ هل نساؤه من المتحِّجبات؟ هو نفسه مَن أصدقاؤه وجلساؤه؟ هل الذين يجلس معهم، ويأكل معهم، ويضحك معهم من المحافظين على الصلاة؟ مِن أهل المساجد؟ مِن الذين لا يظلمون الناس؟ هل هم من أحباب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم؟

ففرحُك الحقيقي هو يوم أن تكون مع أهل الطاعات، مع الصالحين، مع الملتزمِين الذين يشجعونك على طاعة الله، وإلاَّ ستندم يوم القيامة، ويومها لا ينفع النَّدَم.

إنَّ السعادة الحقيقيَّة والفرح الحقيقي يوم أن تلتزمَ بطاعة الله، يوم أن تتمسَّك بسُنَّة رسول الله، يوم أن تحافظ على تلاوتك للقرآن، يوم أن تخالِفَ نفسك وشيطانَك، وتنتصر عليهما.

يا مَن تبحث عن الفرح الحقيقي في يوم العيد، فرحك الحقيقي يومَ أن يفرحَ بك الله - عزَّ وجلَّ - يوم يفرح بك النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم .

الإصلاح