الخميس, 22 حزيران/يونيو 2017 11:12

ما يخرج من زكاة الفطر عند المغاربة

من مميزات المغاربة حرصهم على ضبط المقادير والكيفيات خاصة في صومهم وزكاة أموالهم، وهذه ميزة تحمد لهم، ويرجى أن تتوسع لتشمل مجالات أخرى أرحب وأشمل في سلوكهم اليومي وعلاقتهم بغيرهم من الناس. والسؤال حول القدر المزكى به، ومشروعية الزيادة عليه يدخل في هذا الإطار.

أولا: قدر زكاة الفطر روى مالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ". ونقل مالك العمل الذي كان عليه الصحابة في إخراج زكاة الفطر فروى عن أبي سعيد الخذري قال: " كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". والملاحظ أن قيمة هذه الأصناف تختلف فثمن التمر ليس هو ثمن الشعير وقد نقل عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يتخير الأفضل لزكاة فطره ويخرجها من التمر ، عن مالك عَنْ نَافِعٍ :" أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَّا التَّمْرَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيرًا'".

ولذلك نرى أن الأمر فيه سعة فمن وسع الله عليه وجعل القيمة هي التمر فإنه يخرج مبلغ أكثر ممن قدر عليه رزقه ويسعه إخراجها بقيمة الشعير أو الطعام.

إن قيمة التمر في المغرب تبدأ ب 20 درهما وقد تصل ل 100 درهم للكيلو وعليه فإن صاعا من التمر يبدأ ب 50 درهما وقد يصل إلى 250 درهما وهو قدر الزكاة. ولذلك فالأمر متروك لإيمان المسلم وهمته في نفع الفقراء. وقال محمد بن رشد في البيان والتحصيل: " مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ، أن زكاة الفطر ، تخرج من غالب عيش البلد من تسعة أشياء ، وهي : القمح ، والشعير ، والسلت ، والتمر ، والأقط ، والزبيب ، والأرز ، والذرة، والدخن ؛ فإن كان عيشه وعيش عياله غير الصنف الذي هو غالب عيش البلد من هذه الأصناف ، أخرج من الذي هو غالب عيش البلد ، كان الذي يتقوت هو به أرفع ، أو دنى ، إلا أن يعجز عن أن يخرج أفضل مما يتقوت به". قال ابن رشد: " وذهب ابن حبيب ، إلى أنه يخرج من الأرفع ، مما يتقوت به هو وأهل بلده ، إلا أن يعجز أن يخرج مما يتقوت به أهل بلده " ويؤيده حديث أبي سعيد الخدري في زكاة الفطر حيث افترق ما كانوا يخرجون ، لافتراق ما كانوا به يتقوتون.

ثانيا: إعطاء الزكاة لفقير واحد جوز كثير من أهل العلم أن تعطى زكاة الفطر لفقير واحد إن كان به حاجة، ولا بأس أن يكمل لها من غيرها من المال، فالقدر الواجب لزكاة الفطر يجب إخراجه لكن من تطوع خيرا فهو خير له، خصوصا وأن بعض الأسر الفقيرة تحتاج لإتمام فرحة العيد إلى شراء بعض الألبسة لأبنائها مما لا تغطيه زكاة الفطر لوحدها. ومن ثم فإن إخراج القيمة وايجاد هيئة تتولى جمعها وتوزيعها على الفقراء فيه مصلحة كبيرة وهو الذي كان عليه العمل في عهد عمر بن عبد العزيز حيث ذكر ابن رشد صاحب البيان عن مالك قال: بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز كتب إليه يخبره أنه اجتمع عنده من زكاة الفطر شيء كثير ، وأن ذلك لما رجوا من عدل أمير المؤمنين فكتب إليه عمر إنهم لم يخبروني وإياك كما رجوا ، فإذا جاءك كتابي هذا فإن جاءك ليلاً فإن استطعت ألا تصبح حتى تقسمه فافعل ، وأي شيء رأيي فيه حين تكتب إلى فيه ؟

ثالثا إخراج القيمة: يكثر الجدل في كل سنة حول مشروعية إخراج القيمة في زكاة الفطر، والمسألة في عمومها مرتبطة بالاختلاف بين مدرستين، مدرسة تجمد على النص، ولا تنظر إلى حكمته ولا إلى مقاصده، وأخرى تضع النص نصب عينيها وتعمق النظر في مقاصده ومآلاته.

وإن الجزم بعدم مشروعية إخراج القيمة سيجعل المسلمين في بلاد الغرب، والذين لا يعرفون المطاحن وقد لا يرونها بالمرة في مدنهم غير معنيين بهذه الفريضة. وقد أفتى جمع من العلماء قديما وحديثا بمشروعية إخراج القيمة واعتمد المجلس العلمي هذا الرأي. وهذا الرأي هو الذي قال به أبو حنيفة وأصحابه والحسن البصري، وسفيان الثوري، وخامس الراشدين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه – حيث أجازوا إخراج القيمة في الزكاة، ومنها زكاة الفطر، وهو قول الأشهب وابن القاسم عند المالكية. وقال النووي: وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه. وقال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل. ولهم في ذلك أدلة اعتمدوا عليها، واعتبارات استندوا إليها ومن ذلك ما ذكره القرضاوي بتصرف:

  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أغنوهم - يعني المساكين - في هذا اليوم"، والإغناء يتحقق بالقيمة، كما يتحقق بالطعام، وربما كانت القيمة أفضل، إذ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها، والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس وسائر الحاجات.
  • ما ذكره ابن المنذر من أن الصحابة أجازوا إخراج نصف الصاع من القمح؛ لأنهم رأوه معادلاً في القيمة للصاع من التمر أو الشعير، ولهذا قال معاوية: " إني لأرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من التمر".
  • إن هذا الأيسر بالنظر لعصرنا وخاصة في المناطق الصناعية التي لا يتعامل الناس فيها إلا بالنقود، كما أنه – في أكثر البلدان وفي غالب الأحيان – هو الأنفع للفقراء.
  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة في بيئته وعصره، إنما أراد بذلك التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم. فقد كانت النقود الفضية أو الذهبية عزيزة عند العرب، وأكثر الناس لا يكاد يوجد عنده منها إلا القليل، أو لا يوجد عنده منها شيء. وكان الفقراء والمساكين في حاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب، أو الأقط. لهذا كان إخراج الطعام أيسر على المعطي، وأنفع للآخذ، ولقصد التيسير أجاز لأصحاب الإبل والغنم أن يخرجوا "الأقط" - وهو اللبن المجفف المنزوع زبده - فكل إنسان يخرج من الميسور لديه.
  • إن المحققين من العلماء قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، وهذه قاعدة عظيمة ....ومن نظر بعين الإنصاف والتقدير للواقع المعاصر، يعلم أن إخراج الطعام لا يصلح إلا في المجتمعات البسيطة والمحدودة، التي يتيسر فيها الطعام لمن يريد إخراج الزكاة، ويحتاج فيها الفقير إلى الانتفاع بالطعام. أما المجتمعات الكبيرة والمعقدة، والتي تتمتع بكثافة سكانية عالية، والتي يندر فيها وجود الأطعمة بحيث يعنت المخرج طلبها، ولا يحتاج الفقير إليها؛ لأنه لم يعد يطحن ويعجن ويخبز، فلا يماري منصف في أن إخراج القيمة في هذه الحال هو الأولى.

وقد شرعت الزكاة لإغناء الفقير عن الطواف في يوم العيد، والأغنياء يتمتعون بمالهم وعيالهم، ولينظر امرؤ لنفسه: هل يرى أنه يغني الفقير عن الطواف إذا أعطاه صاع تمر أو صاع شعير، في مثل هذه الأيام؟! وماذا يفعل بهما الفقير إلا أن يطوف ليجد من يشتريهما ببخس من القيمة، ليبتاع لنفسه أو لأولاده ما يتقوتون به؟!