Monday, 29 May 2017 11:00

مساجد مغربية (ح1): مسجد السنة بالرباط

تقع مدينة الرباط التي عرفت باسم ''رباط الفتح'' على شاطئ المحيط الأطلسي، وعلى الضفة الجنوبية لنهر أبي رقراق، وقد كانت هذه المدينة آهلة بالسكان منذ فجر التاريخ، وعرفت مرور الفينيقيين والقرطاجيين والرومانيين. ويتفق المؤرخون على أن تأسيس مدينة الرباط ابتدأ على يد يوسف بن عبد المومن الموحدي، وتم على يد ولده يعقوب المنصور عام 593 هـ/ 1197م. ومن بين أهم الآثار التاريخية التي يمكن الوقوف عندها، بهذه المدينة، المساجد العتيقة، وبعض المعالم التاريخية كقصبة شالة وقصبة الأوداية، ناهيك عن دروب وأزقة المدينة القديمة. كما تتميز المدينة بأسوارها وأبوابها، فالسور الموحدي الذي بناه يعقوب المنصور الموحدي، يمتد على طول 5263 مترا عربيا وجنوبي المدينة، ويبلغ عرضه أحيانا مترين ونصف ويصل علوه إلى عشرة أمتار. ويوجد فوق السور طريق ممهد للحراس يدعمه حاجز قوي فيه ثغرات للمراقبة في بعض المواضع. ويشتمل هذا السور على أربعة وسبعين برجا، منها سبعة تمتد من برج الصراط إلى باب لعلو، وتسعة إلى باب الحد، وخمسة وعشرون إلى باب الرواح، وسبعة على طول ثكنة الحرس الملكي، وأربعة وعشرون إلى الجهة المطلة على نهر أبي رقراق قرب المكان الذي كان يعرف بالمنزه. وتروي المرويات التاريخية أن موضع رباط الفتح كان فيه برج للسكنى، وما حواليه أرض حرث ومسرح، متملك للمخزن ولأهل سلا، ولابن وجاد من أهل إشبيلية، فاشتراه الخلفاء من أربابه وخلص لهم، ثم أصبح الموضع مدينة عظيمة. وبعدما أذعنت مدينة الرباط للمرينيين بعد حروب ضروس ما بين 1249 و1253 م، أتت على الأخضر واليابس، بنوا على الضفة اليسارية لأبي رقراق وعند أبواب مدينة الرباط، قلعة شالة قصد إظهار صبغتها، وأعادوا تزويد المدينة بمياه الشرب من عين ''غبولة'' التي أجراها إليها الخليفة عبد المومن. وكان ذلك في أيام السلطان يعقوب المريني سنة 683 للهجرة، وبنوا فيها المسجد الأعظم، والمارستان العزيزي أمامه، والسقاية بجواره، والحمام الكبير المعروف بحمام العلو، وقفا على المسجد المذكور. وهكذا ظلت مدينة الرباط على هذه الحالة المتواضعة أيام المرينيين والسعديين، بعد أن فقدت كثيرا من سحرها إلى غاية السنوات الأولى للقرن الحادي عشر للهجرة، لبعدها عن مراكش عاصمة السعديين الذين كانت علاقة ملوكهم مع أوربا تتم بواسطة آسفي. ولما وصل الأندلسيون المبعدون من ''إسبانيا''، حولوا أوضاع المدينة جذريا، ونقلوا معهم نماذج رفيعة من الحضارة الأندلسية، طبعت الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية بطابع الرقة، وامتزجت كثير من العادات والمظاهر امتزاجا عميقا، واستفادت المدينة من هذا التلاقح، وعظم صيتها، وصار لها شأن يذكر. وبعد ركود دام أكثر من ثلاثة قرون، عرفت المدينة حركة جديدة، وحصلت على بعض الامتيازات الذاتية، وعززت المداخيل الهامة للجمارك، وبذلك عاشت الرباط حقبة اصطبغت بالحركة الدائبة المستمدة من تاريخها. رقم قياسي في تشييد المساجد لقد كانت مدينة الرباط تضم أزيد من خمسين مسجدا وثلاثين زاوية في مطلع هذا القرن، أسس معظمها في العهد العلوي. وأقدم هذه المساجد، هو جامع القصبة العتيق، وبعد الاستقلال ضربت مدينة الرباط الرقم القياسي في تشييد المساجد والمدارس في الأحياء الجديدة، منها ما هو للأوقاف، ومنها ما تسابق إلى بنائه أهل الفضل والصلاح من المحسنين. ونذكر من هذه القلاع الصامدة، المسجد العظيم، الذي يحمل اسم مسجد بدر بحي أكدال، ومنها مسجد العكاري بحي العكاري، ومسجد حكم بحي المحيط، ومسجد كراكشو بالسويسي. ومن مساجد الأوقاف هناك مسجد حي الأحباس بشارع الحسن الثاني بتمارة، ومسجد اليوسفية، ومسجد حي يعقوب المنصور، وكلها مساجد تقام فيها فريضة الجمعة. يقع جامع السنة العظيم في الجانب الغربي والطرف الشمالي الخارجي للمشوار بالرباط في مكان رحب فسيح، وتقع أبوابه الثلاثة الرئيسية على الميدان الذي يحمل اسم الجامع، ويحاذيه شرقا وغربا شارع محمد الخامس، وشارع يعقوب المنصور. وقد أصبح ملتقى الطرق الرئيس المحاذي للمسجد، يحمل اسم ساحة مسجد السنة. كما أن اسم مسجد السنة يحيل على المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، ويظهر المكانة العظمى التي كانت ومازالت تحظى بها عند المسلمين. من أكبر مساجد المغرب جامع السنة أسسه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، في جمادى سنة 1199 هـ / مارس ,1785 حسب المؤرخ الرباطي محمد بن عبد السلام الضعيف. وقام السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن بتجديد بنائه وإصلاح سقفه الذي كانت أخشاب سطوحه قد نقلت في عهد السلطان مولاي سليمان إلى مراكش. وجامع السنة من أكبر مساجد المغرب، لا يفوقه في الضخامة إلا جامع حسان في زمانه قبل بناء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، ومساحته عبارة عن مربع كامل يساوي 5565 مترا مربعا. وساحة المسجد أكبر من الصحن، وله ستة أبواب. وبنيت الأساطين الداخلية المربعة والحنايا والأقواس بالآجور المطبوخ. ويبلغ طول أساكيبه الأربعة، واحدا وسبعين مترا، وعرضها سبعة أمتار مغطاة بسقوف جملونية من البرشلة. ونظرا لموقعه المتميز، وبعده عن الأماكن التي يتمركز بها النشاط التجاري، فإن المصلين بجامع السنة، ينعمون بهدوء منقطع النظير، كما أن قربه من القصر الملكي، وفر له ساحات مجاورة غاية في النظافة، تليق بالاحترام الواجب لبيوت الله. وبالقرب من جامع السنة، توجد ثانوية مولاي يوسف العريقة والشهيرة إذ درس بها، الكثير من القيادات الوطنية البارزة، كما أن مسجد السنة يحتضن دروس الكراسي العلمية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف. أحد المساجد الست التي بناها السلطان سيدي محمد بن عبد الله في عهد السلطان الحسن الأول، أحدثت في جامع السنة ترميمات، ولم يزل غالبا هو الجامع السلطاني، الذي يقيم به السلطان صلاة الجمعة في موكبه الرسمي، إلى أن اقتضى نظر السلطان مولاي يوسف تخصيص جامع أهل فاس لإقامة الجمعة الرسمية، لقربه من القصر الملكي، وجامع السنة هو أحد المساجد الست، التي بناها السلطان سيدي محمد بن عبد الله. الجامع والمنارة الجديدة وفي سنة 1969 قامت وزارة الأوقاف بأمر من جلالة الملك الراحل الحسن الثاني بتجديد هيكل جامع السنة، فنقلت منارته من الطرف الشمالي إلى الطرف الجنوبي للمسجد، وأصبحت المنارة الجديدة البالغ علوها أزيد من خمسين مترا تتصدر شارع محمد الخامس، وبتجديد السقوف والبلاطات، ازدانت مختلف الأروقة بالنقوش العجيبة البارعة، وأصبح المسجد عنوانا ناصعا على امتداد روعة الفن بالمغرب نقشا وتبليطا وزخرفة. وقد تم تدشين المسجد بعد هذا الترميم من لدن الحسن الثاني رحمه الله بمناسبة ذكرى بلوغه سن الأربعين، وذلك من خلال أدائه لصلاة الجمعة في مهرجان عظيم، في الخامس والعشرين من ربيع الثاني عام 1389 هـ الموافق للحادي عشر يوليوز من سنة ,1969 كما هو مثبت باللوحة التذكارية الموجودة على الجانب الأيمن للباب الرئيسي للمسجد. صلاة التراويح بين روحانية الزمان ومميزات المكان خلال شهر رمضان تتغير الأجواء داخل المساجد، فتصبح مكتظة بالمصلين خاصة خلال صلاة التراويح، لكن شساعة مسجد السنة، وجودة سجاده، ونظافة أفنيته، تضفي على أجواء صلاة التراويح نكهة خاصة، ويلاحظ هذا مباشرة بعد انتهاء ساكنة مدينة الرباط من تناول فطورهم، فيهرعون جماعات ووحدانا نحو جامع السنة، إذ تصبح جميع الطرق المؤدية إليه ممتلئة بالسيارات، والدرجات النارية والعادية، ناهيك عن الراجلين، غايتهم الاصطفاف في الصفوف الأولى، وقوفا بين يدي الله تعالى في رحاب هذه الأجواء الإيمانية والنفحات الربانية، وسماع تلاوة القرآن الكريم بالأصوات الندية.

الإصلاح