الأربعاء, 31 كانون2/يناير 2018 16:18

الجلسات التربوية: سنة محمدية أحيتها الحركة الإسلامية

المجالس التربوية سنة محمدية أحيتها الحركة الإسلامية، فأحيت أجيالا، وصنعت رجالا، وساهمت في افتتاح مرحلة تاريخية إسلامية جديدة في عالمنا المعاصر. وهذه المجالس التربوية سماها مؤسسها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام بأسماء تدل على أهميتها، ومن تينك الأسماء: (رياض الجنة)، و(حلق الذكر)، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر "رواه الترمذي. ويمكن أن نسميها أيضا (مجالسَ الصبر)، أو (مجالسَ صبر النفس)، أخذا من قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}الكهف : 28.

 

الجلسات التربوية بين الندب والوجوب

أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرتع من رياض الجنة، وهذا الأمر يقتضى أن الحكم الشرعي الأدنى للجلسات التربوية هو الندب، فهذا هو حكمها الأصلي، ولكنها تكون واجبة في حالات منها:

1 - الجلسات التربوية بين رب الأسرة وأهله واجبة وجوبا عينيا عليه، وذلك لقوله تعالى    {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} (التحريم6:) ، ولحديث:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" متفق عليه. وفي الحديث :"ثلاثة لهم أجران .. ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران" رواه  البخاري. وهذه الجلسة هي أهم الجلسات التربوية على الإطلاق لسهولة عقدها حتى ولو على طاولة الأكل، وعمق تأثيرها، ومع ذلك فهي واجب تفرط فيه الأمة، بل يفرط فيه دعاتها، والله المستعان، وفي كتاب "رياض الصالحين" للنووي مأدبة قرآنية وحديثية  تعد "أضعف الإيمان" في دعوة الأسرة.

2 - الجلسات التربوية العامة لتفقيه الأمة في دينها، سواء كانت في فضاء عام أو خاص، مفتوحة أو محدودة. وهي فرض كفاية على الأمة تأثم كلها إن تقم بها أو إن قام بها من لا تتحقق به الكفاية، وهذا هو الواجب الكفائي التي قامت به الحركات الإسلامية بمختلف ألوانها، فأحيت به الأمة.

والجلستان الأسرية والعامة هما المقصودتان في هذه الورقات.

 

مقاصدها ومنافعها

حلق الذكر لها مقاصد ومصالح تترتب عنها، وتطلب فيها، وتطلب لها إن لم تكن فيها أو ضعفت فيها. وقد أثبت القرآن لها ذلك في قوله سبحانه: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} (الذاريات: 55)، أي أن التذكير نفعه مؤكد للمؤمنين المتذاكرين، وورد هذا الإثبات أيضا في قوله تعالى في سورة عبس: {لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى}. ولا يعكر على هذا الأمر قوله تعالى:{فذكر إن نفعت الذكرى} (الأعلى: 78)، فإن المعنى كما قال ابن كثير:" أي ذكِّرْ حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله". وهو إشارة إلى أن الانتفاع بالتذكير له شروط، وستأتي إن شاء الله تعالى.

والمنافع والفوائد التي ترتجى وتطلب من المجالس التربوية أنواع:

1 - منافع نفسية: تتمثل في تقوية النفس البشرية من خلال زيادة إيمانها بربها، واطمئنانها به، وسكينتها من الوساوس والخواطر الموترة. وقد ذكرت هذه المنافع النفسية في قوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد 28)، وفصلها رسوله الكريم في قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقعد قوم يذكرون الله إلا: حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم.

ولا يخفى على عاقل أن انشراح الصدر والبعد عن القلق والتوتر، أمر مطلوب للصحة النفسية للفرد والمجتمع، وتحسن هذه الصحة النفسية يساهم في تحسين الأعمال والعلاقات، وخفض المشاكل والجرائم، وموضوع الصحة النفسية نعرفه نحن أهل هذا العصر أكثر من العصور السالفة.

2 - منافع اجتماعية: تتمثل في تقوية النسيج الاجتماعي بالتضامن والتراحم والتعاضد، فالمجلس التربوي يُكَوِّن لبنةً قويةً في بناء المجتمع ينطبق عليها الحديث الشريف: "المؤمن للمؤمن كالبينان المرصوص يشد بعضه بعضا- وشبك بين أصابعه-" متفق عليه ، وحديث:" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" متفق عليه وفي رواية البخاري: ثم شبك بين أصابعه. وهذه أبرز معالم الرحمة التي ذكرها حديث الجوائز الأربع لحلق الذكر.

3 - منافع معرفية: فهي مجالس غرضها الأساس التفقه في الدين، وتذكر القيم الصحيحة، وتدارس الأفكار النافعة في الحياة الخاصة والعامة، وكيفية تمثُّلِ ذلك على أرض الواقع. وهذه المنافع المعرفية بيَّنها الحديث السابق "ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم". إن هذا التدارس منفعة مقصودة، والممارسة بعد المدارسة منفعة مطلوبة من وراء هذه المنفعة. ولقد أنكر الله تعالى على اليهود الذي كان لديهم ثروة علمية نافعة فلم ينتفعوا بها ولم يقيموها فشبههم بالحمار الذي يحمل كتبا نافعا لا يعقل نفعها {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } (الجمعة:5 ). وكذلك شنَّع القرآن على النصارى الذين لم يقيموا الهدى الرباني الذي أوتوه فحق عليهم العذاب {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به} (المائدة: 14)، {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شي} (الأنعام : 44). ولاشك أن ضرب الأمثال بهؤلاء من أجل أن نعتبر نحن أهل الإسلام.

4 - منافع أخروية: وعد الله ورسوله المتجالسين في الله بعدة جوائز أخروية منها:

- الرحمة والمغفرة هم ومن معهم : ففي الحديث الذي يسأل الله تعالى فيه ملائكته عن غرض المتذاكرين فيه:" فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" رواه البخاري.

- الذكر عند الله تعالى، ومن ذَكَره الله رضيَ عنه : {فاذكروني أذكركم}(البقرة:152)، "وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم، بل يُبَاهي الله تعالى بالجالسين ملائكته، فعن معاوية رضي الله عنه:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومَنَّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبرائيل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة" رواه مسلم.

- حضور الملائكة، وهذا علامة على خيرية هذا المجلس التربوي (وحفتهم الملائكة) رواه مسلم. فالملائكة لا تغشى مجالس ليس فيها خير وهدى.

- منابر من نور في الجنة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، قال: فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله جلهم لنا نعرفهم؟ قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه" رواه الطبراني بإسناد حسن.

وهذه المنافع الأخروية لها مقصد هو تثبيت المنافع الأخرى لمجالس الذكر، والحض على طلبها، والعناية بها، لأن هذه المنافع والجوائز الأخروية مرتبطة بتحصيل المنافع الأولى، ويتفاوت حظ الناس في الأخرى بقدر تفاوت حظهم في الأولى.

 

شروط الانتفاع بالمجالس التربوية

لقد سبق أن عرفنا أن هناك انتفاعا مقطوعا به بحلق الذكر والتربية، لأن (الذكرى تنفع المؤمنين) كما أخبرنا الله تعالى، ولكن هذه الانتفاع يمكن أن يزيد أو ينقص، وهو يزيد بشرط يكون في الجالس، وشرط يكون في الجلسة:

1 - أما الشرط الذي في الجالس: فأن يكون مؤمنا مصدقا بما في هذه الجلسات التربوية من خير وأجر، وهذا الوصف مشروط صراحة في القرآن في قوله تعالى (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، فالذكرى تنفع من يؤمن بالله وبموعود الله، وذلك لأن هذا الإيمان سيفتح القلب والعقل للاستفادة ولو من كلمة واحدة تقال، وسيشحذ الهمم لحسن الإعداد  والاستعداد. كل ذلك يزيد كلما زاد إيمان الجالس والجلساء بهذه الجلسات وما فيها من خير وأجر، وكلما زادت خشيتهم وخوفهم من مثل الوعيد الذي لحق النصاري واليهود  الذين نسوا حظا مما ذكروا به، قال الله تعالى: {سيذكر من يخشى} (الأعلى:10)،  وقال: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق : 45) . أما الذين ليس لهم استعداد على الإطلاق لسماع الذكرى، فإنهم يولون على أدبارهم نفورا كما وصفهم القرآن والعياذ بالله {وإذا ذكرت ربك في القرآن ولوا على أدبارهم نفورا} (الإسراء: 46).

- وأما الشرط الذي في الجلسة التربوية، فهو أن تتقن الوسائل الموصلة إلى مقاصدها الموضوعة لها، فجلسة تربوية ليس فيها ذكرى جيدة لا يمكن أن يتذكر جيدا من فيها، وجلسة تربوية ليس فيها رحمة لا يمكن أن يتراحم من فيها، وجلسة تربوية لا تكون في الله ولله، لا يمكن أن تنال جوائز الله إلا أن يشاء الله، وجلسة ليس فيها علم لا يرتجى أن يتعلم من فيها، وجلسة ليس فيها التزام بالمواعيد، لا يرتجى أن تخرج أناسا يلتزمون بالمواعيد.

إن المقاصد والمنافع التي ذكرها القرآن والسنة، والتي يتصورها العقل، من وراء الجلسات التربوية هي في نفس الوقت مقاييس نقيس بها وسائل هذه الجلسات، فالمقاصد الجيدة لا تحقق إلا بوسائل جيدة.

والشرط الجامع للجلسة التربوية النافعة أن تجمع بين العلم النافع والعمل به، بل هذه هي الميزة التي تضيفها الجلسات التربوية إلى غيرها من الجلسات المشابهة، وهذه هي صفة الجلسة التربوية النبوية مع الصحابة، فقد"كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا فعلمنا العلم والعمل" رواه أحمد. وقد أمر الله تعالى بتدريب واختبار اليتامى في إدارة أموالهم قبل تسليمها إليهم:{وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم}(النساء:6}، ويقاس على هذا كل أمر مهم نطلبه ونذكر به، ولهذا حج النبي صلى الله عليه وسلم راكبا على الناقة حتى يتعلم منه المسلمون عمليا، وقال:" لتأخذوا عني مناسككم" رواه مسلم ، وفي الصلاة قال:" صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه ابن حبان والبيهقي والدارقطني.

 

برامج الجلسات التربوية

تضع لنا عدد من النصوص القرآنية والحديثية محاور عامة للبرامج المفيدة للجلسات التربوية. ومن ذلك:

1 - القرآن: وهو أعلى الذكر الذي يكون في حلقات الذكر وأرفع برامجها التربوية، فهل في الكون كله مثل القرآن؟ و هل في الكتب والعلوم والكلام من يداني كلام الله؟، فهو أغلى ثروة موجودة على الأرض على الإطلاق. وقد أمر الله أن يكون كتابه موضوع مذاكرة وتذكير في قوله تعالى:{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}(ق : 45)، كما أمر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم..." رواه مسلم ، وقال أيضا :"خيركم من تعلم القرآن وعلمه" متفق عليه.

2 - سنة رسول الله: فهي وحي يوحى لم تُنْطَق عن هوى، ولهذا فهي البرنامج الثاني التالي للقرآن، وقد أمر الله تعالى أمهات المؤمنين- ومعهن سائر المؤمنين- بتذكر سنة نبيه مع آياته في قوله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} (الأحزاب: 34)، والحكمة هي السنة أو السنة رأسها.

3 - أيام الله العظيمة: فإن "معرفة (أيام الله)، والاعتبارَ بها، هو جزء من الدين وجزء من رسالة الأنبياء. وهو صريح قول الله تبارك وتعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّـلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه ِإِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (إبراهيم/5).

فقد حددت هذه الآية الكريمة رسالة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام في أمرين هما: 1) إخراج بني إسائيل من الظلمات إلى النور،2) تذكيرهم بأيام الله. وبعبارة أخرى، فرسالة موسى هي: تبليغ آيات الله، والتذكير بأيام الله.

وكان تذكر أيام الله برنامجا في الجلسات التربوية للصحابة ففي صحيح مسلم :"جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومَنَّ به علينا"، وعن سماك بن حرب قال: " قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم كثيرا ،كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم" متفق عليه.

4 - سير الأنبياء والعظماء: فهذا محور مهم في البرامج التربوية لأن هؤلاء هم القدوات والنماذج التي يجب أن تغرس في مخيال الأجيال، وقد أمر القرآن بهذا المحور التربوي في عدد من الآيات ، منها{واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} (ص:45)، {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا}(مريم:41)، {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا}(مريم:51)، {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا}(مريم:56). وبعد الأنبياء يأتي العظماء والصلحاء، وهم كثيرون قبل الإسلام وبعده، وهم عظماء في مجالات عدة كالحكم مثل ذي القرنين وملكة سبأ والخلفاء الراشدين، والمرأة كفاطمة الزهراء ومريم ابنة عمران {واذكر في الكتاب مريم} (مريم:16)، والحرب كطالوت وخالد بن الوليد، وفي غير هذه المجالات نجد عظماء بعضهم حتى من غير المسلمين.

5 - نعم الله: فهذا محور لابد منه في حلق الذكر، وقد أمرنا القرآن أن نتذكرها ونذكِّر بها، قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} البقرة:231)، وهذا في نعمة الإسلام  والقرآن والسنة، وقال سبحانه:{يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} (فاطر: 3)، وهذا في نعمة التوحيد والرزق، وقال تعالى:{ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ}(الأعراف:74)، وهذا في نعمة التمكين والعمران وغير ذلك من آلاء الله. وطلب جعل النعم محور تذكر فردي أو جماعي في القرآن كثير، وفي عصرنا هذا ساهم العلم الحديث في تعميق معرفتنا بنعم الله علينا، ويجب أن تساهم الحلقات التربوية في تذكر هذه النعم العظيمة الكثيرة.

6 - الأدب والفن: فهما محور من محاور الجلسات التربوية، فليس مشروطا أن تكون كلها مواعظ ومحاضرات، بل إن الشعر والغناء الرصين والسينما والمسرح وكل المهرجانات والسهرات الملتزمة هي من الجلسات التي تربي وتعلم، بل من هي من بين أعظم وسائل التربية، خاصة في عصرنا هذا، ولقد كان الصحابة يتضاحكون ويتناشدون الشعر في مجالسهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعن سمرة بن جندب قال: "جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ، فربما يتبسم معهم" رواه أحمد والترمذي ، وعن سعيد بن المسيب قال: "مرَّ عمر في المسجد وحسان فيه ينشد ، فلحظ إليه ، فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال : أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أجب عني ، اللهم أيده بروح القدس ؟ قال : نعم " متفق عليه.

هذه من المحاور الأساسية في برامج جلساتنا التربوية، وهي تشكل مقياسا للبرامج التربوية المطلوبة شرعا.

 

جلسات تربوية خالدة

لاشك أن الجلسة التربوية الخالدة التي ساهمت وتساهم في تغيير مجرى التاريخ هي الجلسة التربوية لخطبة وصلاة الجمعة، فقد هدى الله الأمة ليوم الجمعة بعد أن ضلت عنه الأمم الأخرى كما في الحديث الصحيح.

ولكن هذه الجلسة الواجبة لها أحكام خاصة، ولا تغني عن الجلسات التربوية التي هي فرض عين على رب الأسرة، وفرض كفاية على الأمة تأثم إن لم تقم بها طائفة تتحقق بها الكفاية. ومن هذا النوع الأخير، خلدت في التاريخ جلسات منها:

- جلسات دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، التي ربى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مرحلة الدعوة السرية على مائدة القرآن. وقد كانت مدرسة عظيمة تخرجت فيها الجماعة الأولى من الصحابة التي قادت أعظم دعوة عرفتها البشرية.

- جلسات النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من الرجال، فعن أبي وائل قال كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا " متفق عليه . وكذلك مجلسه التربوي مع النساء، فعن أبي سعيد الخدري قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن" رواه البخاري. وقد انعقدت هذه الجلسات مئات المرات كما مر معنا في حديث  سمرة بن جندب "جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة".

وهي الجلسات التي نوه بها القرآن الكريم في الآية التي تقدم ذكرها من سورة الكهف {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}

وقد استمرت هذه الجلسات، تحت إشراف الصحابة مع التابعين، فعن عطاء عن أبي عبد الرحمن قال حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" رواه أحمد.

- جلسات نبي الله موسى وأخيه هارون التي أشار إليها القرآن، {وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكر كثيرا} طه : 34،{اذهب أنت وأخوك ولا تنيا في ذكري}طه : 42.

- جلسات الخميس لعبد الله بن مسعود: فعن أبي وائل قال كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم" متفق عليه

- الجلسات التربوية كل جمعة لابن الجوزي، الذي قال عنه ابن كثير:"تفرد ابن الجوزي بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه، وفي طريقته وشكله وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه، ونفوذ وعظه، وغوصه في المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة بما يشاهد من الأمور الحسية بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة"(البداية والنهاية 13 أحداث سنة 597)، وكان يحضر مجلسه التربوي الآلاف، ويحضره الرؤساء والوزراء، ويتوب فيه خلق كثير، ولم يعرف تاريخ الوعظ والمجالس الدينية ـ على مر العصور ـ مجلسًا كمجلس "ابن الجوزي".

- حديث الثلاثاء لحسن البنا، وهو درس أسبوعي كان يلقيه الإمام حسن البنا على رواد المركز العام للإخوان المسلمين مساء الثلاثاء من كل أسبوع، وكان الدرس يرتاده الآلاف من الإخوان،كما كان يحافظ عليه عدد كبير من المثقفين والوجهاء والأعيان الذين كان يجذبهم أسلوب الشيخ البنا المتميز. وقد فرغت دروسه في مجلد مطبوع.

فهذه إذا إطلالة على الجلسات التربوية، وبقيت الإشارة إلى أنها تنعقد باثنين كما انعقدت بين موسى وهارون؛ لأن الجماعة تنعقد باثنين، كما أن موعدها كل أسبوع هو الأقرب للسنة، كما مر معنا في حديث عبد الله بن مسعود، والمهم في الأمر كله ألا يتعلل الناس بمشاغل الدنيا عن مجالس الذكر، فقد وصف الله سبحانه وتعالى صحابة رسول الله بأنهم:{رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} النور: 37.

د. محمد أحمين