الجمعة, 02 حزيران/يونيو 2017 11:08

كيف نفهم أن رمضان شهر القرآن

الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد السبب في كل خير و منة، الشفيع المشفع في هذه الأمة.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبد الله ورسوله فصلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته و التابعين، وعلى من حافظ على دينه وشريعته واستمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين.

أما بعد ، من يطع الله و رسوله فقد رشد و اهتدى، و سلك منهاجا قويما و سبيلا رشدا ومن يعص الله ورسوله فقد غوى واعتدى، حاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله وسؤله، فإنما نحن بالله وله .

عباد الله : كان حديثنا في الجمعة السابقة عن حسن استقبال شهر الصيام مجيبين عن تساؤلات عدة: ما حقيقة ومعنى الصوم في الإسلام، ولماذا الصوم في شريعة الإسلام وعن فضائل رمضان؟ وكيف تقضى أيامه رمضان؟ و عن بعض أحكامه.

واليوم حديثنا سيكون عن كون رمضان شهر القرآن، فقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر في رمضان من قراءة القرآن ومدارسته، وكان أجود ما يكون بالخير في رمضان، فلهو أجود من الريح المرسلة حين يدارسه جبريل عليه السلام القرآن، فالله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ ﴾[ سورة البقرة الآية : 185] إذن من كرامة هذا الشهر على الله عزَّ وجل أنه قد أنزل فيه القرآن و من حرمته و فضيلته أن سن سبحانه لقراءته آدابا منها حسن الاستماع والإنصات إليه فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلب القارئ والسامع برحمته ألم يقل عز شأنه:﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )الأعراف 204

أيها المؤمنون إن الله سبحانه وتعالى لم يَدْعُنا إلى تلاوته فحسبُ ولكن دعانا أيضا إلى تدبُّره و فهمه، وإلى التأمُّل في معانيه و التبصُّر في آياته تدقيقا وتمحيصا ، قال تعالى:﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾[ محمد الآية : 24 ]ـ

أيها الإخوة في الله تلاوة القرآن شأنٌ كبيرٌ من شؤون المؤمن وحال زكي

بارز من أحواله،. قال عز من قائل:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾[ يونس 61 ] و قد وصف الله سبحانه القرآن بأنه عظيم، فقال تعالى:﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ) [الحجر 87 ] فإذا وصفه الله ـ وهو العلي العظيم ـ بأنه عظيم، أفلا يجدر بنا أن نعظِّمه ؟ ثم إن من آداب القرآن أن نلتجئ إليه سبحانه وتعالى ونستعيذ به إذا نحن أردنا تلاة كتابه ، ونحتمي بحماه من كل شيطانٍ رجيم ومن وسوسة كل لعين ، ألم يأمر بذلك إذ قال:   ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾[ سورة النحل الآية : 98 ] هذا و قد بين الله عز وجل أن في القرآن هداية مطلقة في كل مجال: في الحياة الزوجية ، في الحياة المعاشية، في العمل ، في الصحَّة الجسدية   و النفسية و العقلية في كل شؤون الحياة ألم يقل سبحانه: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾[ سورة الإسراء الآية : 9 ] لو اتبعنا القرآن الكريم و عملنا بما يدعو إليه لعرفنا كيف.. إِنَّه ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) ثم إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نقرأ القرآن في أوقات السحر ، في أوقات الفجر ، قال الله تعالى:.﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾[ سورة المزمل الآية : 6] و قال عز من قائل:﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾[ سورة الإسراء الآية : 78 ] ويبيِّن الله سبحانه وتعالى أن القرآن شفاءٌ للنفوس ، ورحمةٌ للمؤمنين فقال تعالى :﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾[ سورة الإسراء الآية : 82 ] و قد تولَّى الله سبحانه وتعالى تيسيره (تيسير تلاوته ، وحفظِه للموفقين من عباده)، فقال تعالى :﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾[ سورة القمر الآية : 17 ] فكيف لا نخشع للقرآن والجبال الشامخة تخشع له لو أُنْزِلَ عليها ؟!..﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾[ سورة الحشر الآية : 21 ] .

وقد أثنى سبحانه وتعالى على بعض أهل الكتاب فقال تعالى :﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾[ البقرة121 ] وقد فسَّر العلماء (حقَّ التلاوة) بتجويده ، وفهمه ، والعمل به .

تلك ـ أيها الإخوة ـ كانت بعض آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن القرآن الكريم ، فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الكتاب العظيم ؟ قال عليه الصلاة والسلام :(( من قرأ القرآن ثم رأى أن أحداً أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظَّمه الله)) رواه الطبراني. و قال عليه الصلاة و السلام:(( ما من شفيعٍ أفضل منزلةً عند الله تعالى من القرآن)) (قال العراقي: رواه عبد الملك بن حبيب من رواية سعيد بن سليم مرسلاً)، وقال: (( أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن ))( البيهقي في شعب الايمان عن النعمان بن بشير) و.قال.(( خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه ))( البخاري في صحيحه) وقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ((يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ‏أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". (رواه الترمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وقال هذا حديث حسن غريب).‏ وقال صلى الله عليه و سلم:(( (ثلاثة على كثيب من مسك أسود يوم القيامة ، لا يهولهم الفزع ، ولا ينالهم الحساب :

1ـ رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأم به قوما وهم به راضون (يعني ليسوا كارهين لأن من أمَّ قوماً وهم له كارهون لا تتجاوز صلاته اذنيه يعني لا ترفع و لاتقبل) .

2ـ ورجل أذن في مسجد دعا إلى الله ابتغاء وجه الله .

3ـ ورجل ابتلي بالرق في الدنيا فلم يشغله ذلك عن طلب الآخرة) (رواه البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.)و قال صلى الله عليه و سلم: (( أهل القرآن أهل الله وخاصَّته ))( ابن ماجة في سننه عن انس) و قال صلى الله عليه و سلم:.(( إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، فقيل : يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الموت و تلاوة القرآن).

و قال صلى الله عليه و سلم:(( لا يحزن قارئ القرآن )) (السيوطي في الجامع الصغير) فهلا تأملنا يا عباد الله هذا الحديث: نعم صدق عليه الصلاة و السلام أنَّى للحزن أن يتسرَّب إلى قلب قارئ القرآن ؟ كيف يحزن وهو يوحِّد الله ، كيف يحزن و هو يرى الله قبل و مع و بعد كل شيء ، وبيده كل شيء ، وإليه المصير، فإذا كان الله عنك راضياً يا قارئ القرآن فما الذي يحزنك ؟ وإذا كان الله عنك راضياً يا قارئ القرآن فما الذي يُقْلِقُك ؟ و إذا كان الله عنك راضياً يا قارئ القرآن فمن الذي يخيفك ؟ وإذا كان الله عليك راضياً يا قارئ القرآن فما الذي تحزن على فقده ؟ قال تعالى في الحديث القدسي .(( ابنَ آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإذا فـُتّـُك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))(جامع العلوم و الحكم لابن رجب)

المصيبة كل المصيبة أن يكون هم قارئ هو رضا الناس واستجلاب ما في جيوبهم من مال، سبحان الله إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ كيف يحزن قارئ القرآن وهو يتلو قوله تعالى :﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ][ النحل: 97 ]أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يوقن أن ﴿ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾[الحج   38] أنى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يعلم أن الله قال عن المؤمنين ﴿ يُحِبّـُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾[ المائدة 54 ] أنَّى لقارئ القرآن ان يحزن وهو يتلو قوله تعالى :﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾[ الجاثية 21 ] أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يتلو قوله تعالى :﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾[القصص 61] أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن والله سبحانه وتعالى يقول﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾[ السجدة 18 ]

نعم أيها المؤمنون علامة قراءة القرآن بحق والقرب منه بصدق أنَّ الحُزْنَ لا يجد طريقا إلى قلب قارئه، وعلامة البُعْد عن القرآن أن القلب تثقله المخاوف و الأحزان، و تثقله الهموم و الأشجان، أوحى الله لموسى عليه السلام :(( أن يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ فخرَّ موسى ساجداً لله عزَّ وجل ، قال : يا ربّ وكيف ذلك ؟ فقال الله سبحانه وتعالى : يا موسى أما علمت أنني جليس من ذكرني ؟ وحيثما التمسني عبدي وجدني ؟ )) (ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر) و القرآن سماه الله ذكرا.     و في الأثر :(( من تعلم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت )) ما من خريف عمرٍ أجمل من خريف عمر المؤمن، لأنه نشأ في طاعة الله ، فالدماغ الذي وعى القرآن أنَّى له أن يخرف أنى له أن يُضَيَّع وقد قرأ كتاب الله، و تدبره والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:( القرآن غِنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه ) (رواه أبو يعلى عن أنس ) فإن شعرت يا أخي أنك محروم فلست تقرأ القرآن لأن من علامة تلاوة كتاب الله كما أراده سبحانه أن يُتلى أن تحسَّ بالغنى: غنى النفس ، الغنى الذي لا حدود له.

ثم ماذا قال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وبعض التابعين، وبعض العلماء العاملين في حق القرآن الكريم ؟

قال سيدنا عمر رضي الله عنه حينما رأى إنساناً ترك العمل، وقعد في المسجد في النهار يتلو كتاب الله ، فقال سيدنا عمر مُعَنِّفاً :(( إنما أُنْزِلَ هذا القرآن ليُعمل به، أفاتخذت قراءته عملاً ؟)) المسلم الحقيقي هو من يقرأه في الليل ويعمل به في النهار، وأبو هريرة رضي الله عنه قال :(( إن البيت الذي يُتلى فيه القرآن اتسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله ، وقلَّ خيره، وخرجت منه الملائكة، وحضرته الشياطين )) و أما سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال :(( كل آيةٍ في القرآن الكريم درجةٌ في الجنة ...))بمعنى أن كل آيةٍ تَفـْهَمُها ترتقي بك درجةً في الجنة ، فانظر كم آيةٍ في كتاب الله ؟ وإذا شئت التدقيق فكل كلمةٍ تفهمها ، وكل حرفٍ تعقله وكل حركةٍ ، كل ذلك درجات في الجنة .

فهذا الذي يغضب من زوجته ويطردها إلى بيت أهلها ما تلا كتاب الله كيف يكون تلاها و قد قال سبحانه..﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾ [ سورة الطلاق الآية : 1 ] لو أنه تلا هذه الآية لكانت مصباحاً له فأبقاها في بيتها فقد قال تعالى بيوتهن أضاف البيوت اليهن، فانطفأ الشرُّ بعد ساعات ، فلما طردها إلى بيت أهلها تفاقم الشر، وانتهى بالطلاق، وتشريد الأولاد ، القرآن مصباحٌ في بيوتكم . وسيدنا عمرو بن العاص يقول أيضاً :(( من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه ))

أما التابعون فيقول بعضهم وهو الفضيل بن عياض :(( ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له إلى أحدٍ حاجة ، فينبغي أن تكون حوائج الخَلْق إليه ، وحامل القرآن حامل راية الإسلام ، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ، ولا أن يسهو مع من يسهو ، ولا أن يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن " . هذا الذي يحمل كتاب الله ينبغي أن يكون في موضع إعزازٍ وتقدير ، لا في موضع سؤالٍ ، وتذلُّل ، وخنوع ))و الإمام العكبري يقول :(( تؤخذ ألفاظه من حفَّاظه ، وتؤخذ معانيه ممن يعانيه". والتقى القاسم بن عبد الرحمن بناسكٍ فشكا له الوحشة ، فقال له :(( ما أحدٌ هنا تستأنس به ؟ قال : لا . فمدَّ يده إلى كتاب الله ووضعه في حجره، استأنس به )).

جعلني الله واياكم ممن استأنس بالقرآن و تلاه حق تلاوته و رزق حسن الفهم لمعانيه و حسن العمل بما دعا إليه و الوقوف عما نهى عنه

سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

و سلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، و على آله، وعلى جميع من تعلق بأذياله ، و نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله و بعد :

أيها الإخوة المؤمنون ؛ عقد الإمام الغزالي رضي الله عنه في الإحياء باباً حول آداب تلاوة القرآن الكريم ، ذكر فيه : أن أفضل أحوال المؤمن أن يقرأ القرآن واقفاً في صلاةٍ في مسجدٍ . أي أنتم حينما تصلون التراويح ، تقفون في المساجد بين يدي الله عزَّ وجل ، تستمعون إلى الإمام وهو يتلو عليكم آيات القرآن ، فهذه أفضل أحوال المؤمن .وفد إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في عهد عمر رسول عامله على أذربيجان ، وقد دخلها بعد منتصف الليل ، فَكَرِهَ أن يطرق باب أمير المؤمنين في هذا الوقت المتأخِّر ، فدخل المسجد النبوي ليمضي فيه بعض الوقت ، ريثما تقام صلاة الفجر ، فسمع رجلاً وسط الظلام يقرأ القرآن مصلياً ، يبكي بكاء الحزين ، ويتأوه تأوّه السقيم ، ويقول بعد أن انتهى من صلاته : " يا رب أنا واقفٌ ببابك ، أرجو جنابك هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟ فدنوت منه وقلت له : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمر . فقلت : يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟! .فقال : يا هذا إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .فلما دخل وقت الفجر ، وصلَّى عمر الفجر بالمسلمين ، أخذني وانطلق بي إلى بيته ، وفي البيت نادى زوجته أم كلثوم فقال لها : ما عندكِ من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت : والله ما في بيتي إلا خبزٌ وملح فقال : أحضريه لنا ، تناول مع رسول عامله على أذربيجان هذا الطعام المتواضع ، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال له :ما الذي أقدمك إلينا ؟ لماذا جئت ؟ فقال : هديةٌ بعث بها إليك عاملك على أذربيجان . قال : افتحها . فإذا هي حلوى نفيسة ، وضع بعضها في فمه وقال: يا هذا أيأكل عامَّة المسلمين عندكم هذا الطعام ؟ .قال : لا إنه طعام الخاصَّة .قال : أو أعطيت فقراء المسلمين في المدينة مثلما أعطيتني ؟ .قال : لا هذه لك وحدك .فقال : خذها ، ووزعها على فقراء المسلمين ، وحرامٌ على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يطعمه فقراء المسلمين .ومرَّةً قرقر بطنه كثيراً ـ لتركه أكل اللحم فترةً طويلة ـ فقال مخاطباً بطنه : " قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ".أيها الإخوة المؤمنون ... هكذا تفعل تلاوة القرآن في الليل ، هكذا تفعل قراءة القرآن في الليل ؛ تملأ القلب رحمةً ، تملأ القلب إنصافاً ، تملأ القلب حباً لخلق الله كلهم .أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت تخطانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني واستعينوا على ذلك كله بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

سعيد منقار بنيس