السبت, 05 تشرين2/نوفمبر 2016 09:51

وقفة مع البيئة في الإسلام

والبيئة في اللغة العربية من باء يبوء بوءا وبواء أي رجع. ومنه قوله تعالى ( وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ). وبوأه منزلا أي أنزله. والبيئة أصلها بوءة بعد كسر الباء وقلب الواو ياء لتناسب الكسرة. والبيئة بهذا المعنى هي منزل الإنسان الذي يأويه ويزاول فيه نشاطه، بل ويرتاح فيه. وهي نفسها المعاني التي تواترت في القرآن الكريم " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ "(العنكبوت).

فاقترن التبوأ بمعنى الإيواء في غرف تجري من تحتها الأنهار دلالة على حسن المنزل والمقام. وفي سورة يوسف " وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ "، وهكذا جاء التمكين مقترنا بالتبوء والرحمة والإحسان دلالة على البيئة الصالحة والسليمة والمطمئنة، في مقابل مخاوف الجب ومصاعب السجن. فالبيئة من منظور الإسلام لا يمكن أن تكون إلا سليمة وصالحة للعمل والعبادة.

وتستدعي سلامة البيئة من التدهور سلامة الإنسان من الأوساخ والأمراض المعدية، لذلك أوجب الإسلام الطهارة والتجمل، ووفر أسباب الوقاية، كما وضع قواعد الحجر الصحي. وفي الحديث " إذا سمعتم بالطاعون ظهر بأرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها، فلا تخرجوا منها"(رواه البخاري ). أضف إلى ذلك، تطهير البيوت والشوارع والطرق.

وفي الحديث الذي أخرجه البخاري إماطة الأذى عن الطريق صدقة. ويدخل في الأذى عند الفقهاء كل ما من شأنه أن يعكر صفو الطريق من الأزبال والحشرات والتلوث، وحركة المرور والإنارة والترصيف ومجاري المياه والأغراس والحدائق التي تقتضي جميعا العناية والحماية. ومن آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم كما في الحديث الذي أخرجه الطبراني. والذي يستطيل على الجار في البنيان بالبناء، فيحجب عنه الريح، ليس من حقوق الجار على الجار في سلامة البيئة.

والنتيجة من كل هذا، أن صلاح البيئة من صلاح الأخلاق، و فسادها من فسادهم. وإذا استثنينا الكوارث الطبيعية، فإن تدخلات الإنسان المخربة للثروات الطبيعية، الغابوية والمنجمية والبحرية، أمر يحيد عن الإيمان ويدخل في باب الكفر بنعم الله. وفي سورة القصص " وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فِتلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ". ذكر الطبري في تفسيره النص الآتي :يقول تعالى ذكره: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) أبطرتها( مَعِيشَتَهَا ) فبطرت، وأشِرت، وطَغَت، فكفرت ربها. وقيل: بطرت معيشتها, فجعل الفعل للقرية، وهو في الأصل للمعيشة، كما يقال: أسفهك رأيك فَسفِهته، وأبطرك مالك فبطرته، والمعيشة منصوبة على التفسير."، والبطر: أَشَرُ أهل الغفلة وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله كما تقرر عند السلف. فاللهم احفظ بلادنا من بطر النعم، واجنبنا يا رب صلف الإنسان وتنكبه عن هدى الله سبحانه.

الدكتور عبد الوهاب الأزدي